لا تزال نسخة المئتي خطأ هي الأجود، أما نسختي الثلاثمائة والخمسمائة فيكثر فيها تحجير الواسع، والتكلف في انتقاء الكلمة. يقول عبد المجيد السنيد في مقدمته: "وقد تحصل لي مجموعة لا بأس بها من الكلمات بلغت المائة والعشر كلمات في الكتاب الأول، ثم زادت إلى الضعف كما في الكتاب الثاني، ثم بانت لي كلمات كثيرة أخرى جديرة بالإضافة بلغت مع ما سبق ثلاثمئة كلمة، ثم تحصلت لي كلمات بلغت مع مجموع ما سبق (خمسمئة كلمة قرآنية)، ولا تقل الكلمات المضافة أهميةً عما سبق"أهـ. والحقيقة أن غالب الكلمات المضافة كانت والله أعلم من باب التحذلق، والإصرار على إصدار نسخة جديدة وحسب! ولا نعلم متى سيهنأ الكاتب ويكتفي! فهل يا ترى سنعيش لنرى كتاب السبعمائة وكتاب الألف! لست حزيناً من نجاحه الزائف والذي غالباً لن يدوم، ولم آخذ الأمر على محمل شخصي، ولست حاقد. الأمر كله أن هذا العمل في نسخته الأولى كان متميزاً جداً، ولم يكن له منافس، ولا أعتقد أن أحداً من قبل صنف في باب غريب القرآن بنفس تلك الطريقة اللطيفة والنافعة. هذا الأمر تحديداً هو ما دفعني لتسجيل اعتراضي على هذا التمطيط في النسخ المتأخرة. ومن باب الإنصاف الكتاب لابد أن يكون نافعاً لأن مادته القرآن، وبالرغم من حزني على إساءة الكاتب لاسمه وعمله الأول، فمازلت لا أرى بأساً من قراءته والانتفاع به. وكل ما أرجوه من ذلك النقد هو أن يبتعد الكاتب عن ذلك العنوان الرتيب الذي يكرره في كل النسخ، ويعلنها صراحة أن الكتاب هو من باب التأملات في القرآن، أو ربما معاني إضافية من شأنها أن تعين المرء على التدبر والتفكر في آيات الله. لكن ٥٠٠ كلمة قرآنية تُفهم خطأ هذا بعينه هو الخطأ الفادح. وبما أن الكاتب الناجح غالباً لن يقرأ مراجعتي، فهي نصيحة للقراء الذين قرأوا نسخة المئتين ألا يرهقوا أنفسهم، ولمن يبحثوا أيضاً عن كتاب جيد في معاني القرآن وغريبه.
في مراجعتي السابقة لنسخة الثلاثمائة لم أذكر أكثر من أربعين كلمة حشاهم الكاتب حشواً في نسخته، واكتفيت بذكر محاسن الكتاب وجودته، وعلقت على تكلفاته تعليقاً عاماً. ولكن حين أرسل لي صديقاً تلك النسخة الجديدة امتعضت، وروادتني فكرة كيف للكاتب أن يبدله السوق من مبدع حقيقي إلى كاتب تجاري يروم حظوظ نفسه ولا يمعن النظر في مآلات أعماله، ولا للتاريخ الذي الذي أمرض كل من اشتهر له عملاً فراح يضنيه بالتذييل والتزيين والإلحاق والزيادة. الأمر يشبه تبرج النساء تلك الأيام، أو تسليعهم على إذا صح القول؛ تبالغ المرأة في تعطرها والألوان والكريمات والمحسنات والوصلات وعمليات التجميل حتى تتحول من أنثى إلى أنثى العنكبوت. لا أريد أن أطيل فيما هو معلوم ومشاهد، وانتقل إلى دلائل التصنع والتفيقه في كتاب الأخ عبد المجيد:
(أ) في النسخ السابقة كان اسم الكتاب دائماً ما يبدأ برقم ١٠٠ أو ٢٠٠ أو ٣٠٠ كلمة قرآنية ثم يضع الكاتب حرفاً ذكياً مهذباً يسميه أهل النحو حرف تقريب وهو [قد] قبل أن يختم بالخبر [تُفهم خطأ]. فيصبح اسم الكتاب ٢٠٠ كلمة قرآنية قد تفهم خطأ لا يحجر فيه على بعض القراء معرفتهم، ولا يستغبي به الجميع.أما الآن فأصبح اسم الكتاب [٥٠٠ كلمة قرآنية تُفهم خطأ]! هكذا قطع الكاتب عليك عزيزي القارئ الأمر، وحكم عليك بالبلادة وبفقر المعرفة والسطحية، وجزم بأن كلماته القرآنية الخمسمائة لا تُفهم، وأنه بفضل الله وبمساعدة العلماء سيساعدك على أن تفهم تلكم الخمسمائة.
(ب) سأعرض من الكتاب بعضاً من أمثلة التحذلق والمبالغة، وسأكتفي بإيراد نص الكاتب كما هو والتعليق المختصر جداً إن استطعت: ومن الجيد أن أنوه على أن ذوق القارئ ليس واحداً، والمعرفة أيضاً، فهناك من سيقرأ مراجعتي ويرميني بالتحامل، ولكن الأكيد أن كل ما سأذكره من أمثلة لا يجوز وضعه تحت عنوان كلمات قرآنية تُفهم خطأ.
١- ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] قال الرازي: إذا قال المسلم : اهدِنا فليس معناه أنا لسنا على الهداية فاهدنا، بل المراد ثبتنا على هذه الهداية»، فالهداية ليست الدلالة على الصراط المستقيم فقط؛ بل وتتضمن طلبا الزيادة الهداية والثبات عليها. أهـ. -لا عليك عزيزي القارئ من تركه لكل المفسرين والاقتباس من الفخر الرازي الفيلسوف الأشعري الذي صنف كتاباً في السحر والكهانة، ولكن هل يشك عاقل في أن هذا التفسير ليس من التكلف والتفلسف!! وهل هذه الآية يفهمها غالب الناس أو كلهم خطأ كما يظن عبد المجيد السنيد!
٢- ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] قال ابن عثيمين : الإيمان بالآخرة ليس معناه أن تُؤمن بأن القيامة ستقوم فقط ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في العقيدة الواسطية : وقد دَخَل في الإيمان باليوم الآخر : الإيمان بكل ما أخبر به النبي الله مما يكون بعد الموت»فيشمل فتنة القبر، وعذاب القبر ونعيم القبر، والصراط، والحساب، والميزان، والكتب التي تنشر يوم القيامة، وغير ذلك. أهـ. -من من المسلمين الذي عندما يقرأ تلك الآية لا يفهم ما تتضمنه معنى الآخرة! أو من من عوام الناس يفهم تلك الآية خطأ!
٣٨- ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] قال ابن عثيمين : اشتهر عند العوام يقولون: (يا من أمره بين الكاف والنون). وهذا غلط ، ليس أمر الله بين الكاف والنون؛ بل بعد الكاف والنون»أهـ. -لا تعليق.
٤٣-﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ ﴾ [آل عمران: ۱۱۸] يظن بعض الناس أن البطانة مقتصرة على الولاة، والصواب أن البطانة تعني الأصدقاء والأولياء والأصفياء المطلعون على الأسرار للولاة ولعامة الناس. أهـ. -أظن أنا أن بعض الناس لايعى معنى البطانة أصلاً، أما أن يدرك البعض المعنى ويقصروها على الولاة فهذا ربما يحدث في ديرة الكاتب.
٦٣- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [النساء : ٦٠] ليس «ألم تر» بمعنى: ألم تنظر، وإنما المراد بها: التعجيب، يعني ألا تتعجب من هؤلاء.أهـ. -أخبروني أنتم كيف لمثل تلك الآية أن تُفهم خطأ؟
٦٤- ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] قال ابن عطية: يعني أعْرِض عن مُعاقبتهم وعن شغل البال بهم، وليس الإعراض الذي هو القطيعة أو الهجر، فإن (وعظهم) يمنع من ذلك. أهـ. -لا تعليق.
٧٦- ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] يفهم بعض الناس أن هذا أمر بالإيفاء بالعقود التجارية فقط؛ والصواب أنها أعم من ذلك، قال ابن سعدي: «وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته والقيام بها أتمّ قيام وعدم الانتقاص منها شيئاً. -لا تعليق
٨١- ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥] ليس معنى يعفو هنا يصفح ويتجاوز كما فهم بعض الناس؛ بل معناها: يُعرِضُ عن كثير مما يُخفي أهل الكتاب فيسكت عنه ولا يتعرض له. أهـ. -الإشكال ليس في التكلف فقط، لكن الإشكال الأكبر أنه عزا ذلك القول لابن كثير! وابن كثير براء من هذا التدليس. وكل ما قاله ابن كثير: "يُبَيِّنُ مَا بَدَّلُوهُ وَحَرَّفُوهُ وَأَوَّلُوهُ، وَافْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ فِيهِ، وَيَسْكُتُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا غَيَّرُوهُ وَلَا فَائِدَةَ فِي بَيَانِهِ" فإن لم يكن السكوت من الصفح والتجاوز! فكيف يكون العفو الذي جاء في كتاب الله تعالى!
۹۰- ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] قال الشنقيطي: جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو : القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وليس المراد بالوسيلة المنزلة التي في الجنة التي أمرنا النبي ﷺ أن نسأل له الله أن يعطيه إياها، ونرجو الله أن يُعطيه إياها؛ لأنها لا تنبغي إلا لعبد، وهو يرجو أن يكون هو»اهـ. -وهل يا سيدي جاء القرآن بالمعنى البعيد وترك القريب! هل كلمة الوسيلة عند العرب قديماً وعوام الناس اليوم كان لها معنى غير المتعارف عليه المعهود! هل يفترض السنيد أن الناس تفطن للمعنى البعيد وتؤمن به وتتغافل عن المعنى السهل القريب!
۹۳-﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ۸۳] قد يفهم من الآية أن كل النصارى فعلوا ذلك، قال ابن عطية: ليس كل النصارى فعلوا ذلك، إذ قـد تـحـمـد الـجـماعـة بفعل واحد منها، وفي هذا استدعاء للنّصارى ولطف من الله تعالى بهم )اهـ بتصرف. -بلا شك إلحاق مثل تلك الآية هو من إمعان الكاتب في استجهال قراءه، لأن الآية جاءت في سياق واضح جداً وتفسيرها أبلج للعامي قبل طالب العالم إذا قرأ ما قبلها وما بعدها. والسنيد عزا القول لابن عطية بتصرف، وطبعاً ابن عطية شرح الآية كحال ابن كثير والطبري وكل المفسرين، ولم يقل أن بعضاً من الناس يفهم الآية خطأ.
٩٤-﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَواْ وَءَامَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] فهم بعضُهم من الآية أن من شرب الخمر لا يؤاخذ إذا آمَنَ واتقى، قال الرازي: وهذا مردود بإجماع كل الأمة»، والصواب أن المراد برفع الحَرَج: من مات من المؤمنين قبل تحريم الخمر وهم يشربونها. أهـ. -غالباً باستثناء الصحابي الجليل قدامة بن مظعون، الذي اجتهد متأولاً في الآية، لا أظن أحداً من عوام الناس يستطيع أن يفهم ما يريد السنيد منه أن يفهمه! وطبعاً الكلام ليس للعلمان والليبراليين والملحدين الذين يتربصون بالدين فهم ليسوا من شريحة قراء عبد المجيد السنيد.
٩٥-﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] قال في اللباب: والمراد بالكعبة الحَرَمُ كله لا الكعبة نفسها؛ لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام»اهـ. -لا تعليق.
۱۰۱-﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] ليس المقصود بالسماع هنا سماع الأذن، قال ابن سعدي:المراد بالسماع هنا : سَماعُ القلب والاستجابة، وإلا فمجردسماع الأُذُنِ يشترك فيه البر والفاجر» اهـ. -لا تعليق
۱۱۰-﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠] يظن بعض الناس أنّ المراد بالأولاد: الذكور، والصواب: أنّ لفظ «الأولاد» يُطلق على البنات أيضا، والمراد بالآية وأد البنات. -شكراً لك عبد الم��يد السنيد
سامحوني ما استطعت إنهاء أكثر من خمس الكتاب من كثرة الحشو، مع العلم أني تركت كثيراً من المآخذ فيما قرأت.
فكرة الكتاب قيّمة، وعدة آيات قد يفهمها قارئ القرآن بشكل خاطئ فعلاً ولا أنكر تعلمي لبعض الكلمات التي التبست علي سابقاً. ولكنني أتفق مع أحد المقيّمين للكتاب أن بعض الكلمات الواردة هي في الحقيقة واضحة أو معروفة وليس فيها لبس لذا كان يبدو فيها نوع من استغفال للقارئ وكأنه لا يفهم أو أن المؤلف عنوة مقتنع بأن قرّاء القرآن يفهمونها خطأ، مثال رقم ٤٧٧ (قتل الإنسان ما أكفره) يقول المؤلف يظن بعض الناس أنا المراد عموم الناس والصواب أن المراد به الكافر. في الحقيقة الآية واضحة (ما أكفره) فلا حاجة لتصحيح ماهو واضح ولا إشكال فيه. مثال آخر يليه رقم ٤٧٨ (وإذا الوحوش حشرت) يقول المؤلف ليس المراد السباع بل جميع البهائم أو مالم يتأنس من حيوان البر من السباع وغيرها. طيب قد قلت ليس المراد السباع ومن ثم قلت أنها السباع!! والأمثلة في ذلك كثيرة. أيضاً يحتوي الكتاب على عدد من التكرارات لأنها وردت في آيات متفرقة في القرآن، مثل كلمة الظن وأنها تعني اليقين والفعل قَدَر وأنه يعني التقليل وغيرها. لم أكن أعلم أن هناك إصدارات سابقة من الكتاب لأعداد كلمات أقل، لكني أتوقع أنها أفضل وتحتوي على ما يشكل فهمه حقاً بدون التكرارات وبدون الكلمات التي هي واضحة ومعروفة ولا حاجة لاعتقاد أنها مفهومة بشكل خاطئ بمعنى لا يرد في عقل العاقل القارئ لكتاب الله.