لا تقدم هذه الرواية فقط توثيقًا لروائع "الست" (أم كلثوم)، وإنما هي محاولة جديَّة لرسم سرديَّة جديدة لأغنياتها التي باتت في دماء الشعب العربي بأكمله؛ كجزء من الهويَّة المصرية والعربية. كما نرى في هذه الرواية جمهور "الست" العريض كجزء أصيل من الحكاية والسرديَّة التي يقدمها لنا الكاتب والصحفي (شريف صالح). "الست" التي كان صوتها وما زال يمثّل الموسيقي التصويرية لكافة مشاعرنا في الحياة، هي ملاذ العاشقين ومن تداوي من أصابهم الهجر والفقدان. فنحن جميعًا بشكل أو بآخر من عالم "مجانين أم كلثوم"! وهذه سيرتنا. فماذا تحمل سطورها؟
كاتب وصحفي مصري • صدر له: ـ "بيضة على الشاطئ" ـ قصص ـ دار الصدى ـ دبي ـ 2013 ـ شخص صالح للقتل (قصص) ـ بيت الياسمين ـ 2011 ـ نجيب محفوظ وتحولات الحكاية ـ(دراسة) الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ 2011 ـ رقصة الديك (مسرحية) ـ دائرة الثقافة والإبداع في الشارقة ـ 2011 ـ مثلث العشق (قصص) ـ دار العين (2009) ـ إصبع يمشي وحده (قصص)ـ عن دار المحروسة (2007)
• جـوائز: ـ جائزة ساويرس في القصة القصيرة عن مجموعة "مثلث العشق" 2011 ـ جائزة دبي الثقافية عن مجموعة "بيضة على الشاطئ"2011 ـ جائزة أفضل مؤلف مسرحي من مهرجان "أيام المسرح للشباب" في الكويت عن مسرحية "مقهى المساء"(2011) ـ جائزة الشارقة للإبداع العربي ـ الإصدار الأول ـ عن مسرحية "رقصة الديك" ـ 2010
لاتزال هناك روايات قادرة على أن تخطفك من عالمك إليها ..مباشرة، . كنت أعلم أن هذه الرواية ستعجبني . لعل أجمل ما تقدمه الرواية هو ذلك التوقف والتأمل النقدي أحيانًا لمسيرة أم كلثوم ومشوارها الفني، وشريف صالح يقدم ذلك بانسيابية ووعي شديدين، إذ يبدو حريصًا ألا يطول به المقام في تناول الجوانب الفنية لعالم أم كلثوم، فيسعى للربط بين ما يعرضه من ذلك العالم وبين أبطال روايته، سواء كانوا أفرادالجمعية أو بطل الرواية نفسه، وفي كل مرة يشعر القارئ بذلك الانتماء لعالم أم كلثوم أكثر من أي شيءٍ آخر. تتناول الرواية علاقتها بالملحنين الذين تعاملت معهم من الموجي والسنباطي إلى بليغ حمدي والقصبحي، وخصوصية كل واحد بل وحكاية بعض الأغنيات أيضًا، كما تتوقف عند اختيار الكلمات وحكاية أحمد رامي معها ذات الخصوصية التي يعرفها الجميع، وكيف كانت كلماته معبرة عن حاله وعلاقته بها من حين لآخر، وعلاقتها بالقصبجي الذي يضفه بأنه بجماليون الذي بث فيها من روحه وعبقريته حتى تضاءل أمام حضورها،كما يتوقف عند أدوارها السينمائية خاصة فيلم وداد وعايدة، حيث يرى أن فيلم عايدة كان محاولة طموحة تمجد بها مصر نفسها عقب ثورة 19، وضمنًا تمجد أم كلثوم نفسها، فهي "عايدة" الأميرة الحبشية، وهي أيضًا الفلاحة التي تجني القطن، البارّة بأبيها، والمتفوقة في دراستها، والمطربة الصاعدة. استحضرتْ غريمتها الشهيرة فتحية أحمد في دور ثانوي جدًا، كأنها تنتقم منها بذكاء. وهكذا بين حكاية أم كلثوم وتقلبات حياة جلال يحضر ذلك التأمل لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، بين الحب والزواج، بين الخصام والهجر والفراق، لاسيما أننا إزاء مثقف من طرازٍ خاص، يعمل مخرجًا مسرحيًا، ولكنه يعاني في علاقة بزوجته أستاذة الأدب العربي التي تفرض حضورها وسيطرتها عليه، بل ويتطور الأمر إلى حد استغلاله ماديًا ومعنويًا، بل تشويه صورته واتهامه بالخيانة، فيما هو "عاشق يسرح في ملكوت الست"، يفكر في الحب ويتأمل جوانب الحياة على اختلافها، ويرضى بأقل ما يمكن أملاً في أن يعيش بسلام! ............ من مقالي عن الرواية، قريبًا
مع يقيني التام بأنها تمثل مع محمد عبد الوهاب المقياس السليم لصناعة الموسيقى إلا أنني لست من "سميعة" أم كلثوم، ولا أدري سر تلك الذائقة النادرة بين الملايين من المهووسين بكوكب الشرق. لذلك كان مدهشا بالنسبة لي أن أنتهي من قراءة نص روائي يدور في فلك كوكب الشرق، تلك السيدة التي لم يحدث مطلقا أن انتهيت من سماع أغنية لها. إذًا لم تكن الست وراء قراءة الرواية، بل قلم د.شريف صالح هو ما دفعني نحو "مجانين أم كلثوم"، ودافع آخر هو الرغبة في الاقتراب من بعض المجانين على الورق. والحق أنني بدأت القراءة متحفزة بالملل إلا أنني -وبعد مضي صفحات أو قليل من الأحداث- وقعت في أسر التشويق الذي يبدو البطل الأول للرواية لا الجنون. يسرد شريف صالح حكايات المجانين داخل النص بطابع تشويقي لافت، كما ينطوي السرد على ذكاء مدهش في توثيق سيرة كوكب الشرق بالتوازي مع محطات فارقة وأحيانا عابرة في حياة البطل، فضلا عن مجهود ظاهر في تضمين أغنيات الست بما يتناسب مع مسار الأحداث، وفي ذلك جاء الحوار بين الشخصيات مقتضبا، في حين ترك كلمات الأغاني تتحدث. أما عن "جلال" بطل الرواية فهو رجل مربك، يبدو مستسلما هادئا مع ذلك يدافع عن هزيمته طيلة رحلته أو للدقة يدافع عن الهزيمة بإعلان الزهد في الانتصار، ولم أضبطه يعطي قدرا معقولا للمنطق طوال مسيرته إلا حين يذكر أم كلثوم! هو أيضا رجل محظوظ، لقد مُنح البطولة داخل النص رغم عدم أحقيته بها، ومع قناعتي التامة بصلاحية كل البشر للبطولة إلا أن ثمة شخصيات داخل "الجمعية السرية" تليق بها البطولة مقارنة بجلال، فأعضاء الجمعية السرية مخلصون حقا للجنون ولدى كل منهم حكاية أكثر غموضا وجذبا من حكاية رجل مشى وراء امرأة لا تلتف لمن ورائها. وعلى نفس إيقاع التميز السردي يقدم المؤلف المعلومة الموسيقية، فتفيض الرواية بمعلومات موسيقية شديدة الاختصاص، ما يجعل النص توثيقيا بجدارة ولكن دون استعراض تقريري مزعج. وكان أمرا لافتا أن يرتكن المؤلف للحياد في طرحه لمسيرة أم كلثوم رغم ولعه الظاهر بها، لم يقدمها كملاك خالص فلها زلات غالبا مدفوعة بالغيرة على نجوميتها. وقد اُستخدمت داخل النص الهوامش الرأسية أو العمودية -وهي غير مألوفة بالنسبة للنصوص السردية- كعامل مساعد لضخ مزيد من التفاصيل عن الشخصيات وللحكي عن الست، لكنها في رأيي قللت من درجة الانقرائية، ورغم أن الكاتب لجأ لها لمعاونة السرد إلا أنها استحالت حائلا لانسيابية السرد نفسه. تضمن النص جمل معبرة عن حالة رجل يحب وفي الوقت نفسه يناجي الجنون.. "بقدر ما يندفع ويتورط في الحب في اللحظة ذاتها يكون مشغولا بإعداد خطة محكمة للهروب"، "المعنى الخفي كله يدور حول الزمن الذي جمع كل العواطف الحلوة ثم بددها وجعل استعادتها مستحيلة"، "اعترافات عشوائية نلقها في ثوان فتحفر شرخا يستمر معنا إلى نهاية العمر"، "كنت بحاجة إلى امرأة تؤكد لي أنني أعيش جحيما وتنصحني بالفرار". ختاما، الرواية مفيدة أولا لمن لا يعرف كثيرا عن كوكب الشرق حيث تضمن وفرة معلوماتية عن سيرتها، وممتعة ثانيا لدراويش الست إذ تمنحهم قدرا من السلوى أو المواساة، وملهمة ثالثا لمن يرغب في قراءة قصة رجل أدرك متأخرا.