هذا مَا فعلتُه مع أبي أيضًا. لكنّ شعورنا الواثِق ببُعد المَوت عنّا لا يدفعنا بالقدر الكافي إلى تخزين موادّ أرشيفيّة في هواتفنا وصدورنا وأدراجنا. ما هو القدر الكافي فِعلًا؟ لو أنّني وثّقت كلَّ شيءٍ فعلَه وقالَه أبي، فما أنا فاعلةٌ بذاكرتي عنه، بأرشيفه الذي صنعته صناعةً؟ أكُنتُ لأعود إليه كلّ يوم؟ هل كان سيُعيد لي شيئًا من الفيزياء؟ أنا لا أجدُ الإجابة والنّفع، لكنّي أندم ندمًا يُضاف إلى كومة النّدم.
فقدت الكاتبة والشاعرة أسماء عزايزة والدها في الرابع والعشرين من إبريل عام 2019. قبلها بشهرين بالضبط، سبقتها في الخسارة والفجيعة. ولذا، فإن ما كتبته كان من أقرب ما قرأت في أدب الرثاء، الذي داومت على قراءته منذ أن فقدت والدي قبل ست سنوات.
مثلها بالضبط، رددت طرقات المستشفى صدى صرخاتي وأنا أنادي في ارتياع: "بابا.. يا بابا"، فور إبلاغي برحيله.
مثلها بالضبط، ظللت لعام كامل غير قادرة على تفسير أو فهم كينونة الموت. ومثلها أيضًا، لم أجد تفسيرًا شافيًا للسؤال: أين ذهب أبي؟ وكاد الجنون أن يذهب بعقلي.
مثلها بالضبط، لم أكن قادرة على استيعاب أو فهم كيفية الإشارة إليه أو الحديث عنه بالأفعال الماضية: "كان، فعل، قال" بدلًا من استخدام الأفعال المضارعة: "بيقول، بيعمل، بيروح، بيجي". كانت تخرج مني عبارة "الله يرحمه" غير منطقية ولا معقولة. بابا؟ الله يرحمه؟ يعني إيه؟ إزاي؟
مثلها، كنت أبحث عنه في حاجاته ومتعلقاته، بل وضبطت نفسي مرة أبحث عنه في جانب من جنبات شقتنا وأنا أنظف. للحظة خُيِّل إليّ أنه مختبئ منا، وأنني ربما أجده. مثلها، كنت أمشي في شوارع حينا المزدحم، مارّة بالمحلات التي كان يبتاع لنا منها احتياجاتنا، أريد أن أفتح شاشة الموبايل وأُري الناس صورته وأسأل كلًّا منهم: "أنت فاكر الراجل ده؟" لعام كامل، كنت كثيرًا ما أقف فجأة، رغماً عني، على إحدى نواصي الشوارع، ناظرة إلى امتداد الأفق أمامي، أصرخ داخل عقلي ضارعة: "يا رب خلي بابا يطلع قدامي دلوقتي". لشهور، كنت أنظر إلى بلكونة شقتنا باكية وأنا ذاهبة إلى عملي صباحًا، أنتظره عبثًا أن يفتح الشباك لينظر إليّ حتى أنعطف خارج شارعنا صائحًا: "مع السلامة"، كما كان يفعل معي كل يوم.
كنت كثيرًا ما أقرأ عن مراحل الفقد بعد وفاته، وأيضًا مثلها، عرفت أن عليّ أن أنتظر عامًا وأتحمل عذاب وجنون هذا العام الأول، وأن بعدها ستهدأ النار تدريجيًا.
حكايتنا متشابهة، وتتشابه مع كل إنسان قُدِّر عليه أن يعايش مرارة الفقد وألمه. نخاف من النسيان ونعتبره خيانة، وعندما يشتد بنا الألم ندعو الله أن يمنّ علينا به. ويمرّ علينا الحاضر بسطوته، كما قالت "أسماء"، ليهون علينا بعضًا من عذابنا.
عمل شاعري، بلغة راقية بليغة. وأعرف أنني لم أكن لأجرؤ على قراءة هذا العمل إلا بعد مرور وقت كافٍ ليندمل الجرح قليلًا.
لأسباب غير معلومة، قبيل معرفتي بخبر الرحيل بساعات، وأنا في المستشفى وقتها، وجدت أغنية "طريق النحل" لفيروز ترنّ في عقلي بقوة. ومن وقتها لم أجرؤ على الاستماع إليها إلا منذ شهور، بالصدفة، وقت تشغيلي لتطبيق ساوند كلاود. استمعت، فعاد الألم جارحًا قاسيًا، وقررت أن أُحرِّم على نفسي سماع تلك الأغنية العذبة.
هذا النوع من الكتابة يصعب التعامل معه كقطعة أدبية فقط، ومحاكمتها على هذا الأساس دون النظر إلى خصوصيتها، وصدقها، وحساسيتها، وموضوعها. فالكتابة الشخصية تستدعي الكثير من الشجاعة وفيها الكثير من الألم ولربما شفاء أو بادرة للتصالح.
تكتب أسماء عن الفقد، عن مرارته ووحشته، عن الأب، وقوته، وضعفه، وصداقته. الكتاب صعب القراءة موضوعاً، ولكن فيه الكثير من الصدق والجرأة وعريّ الذات. تضعنا أسماء أمام أسئلة الحب والشغف والحزن والانكسار والافتقاد وتقدير اللحظة الحلوة. تتأمل في العزاء ومراسمه كأحداث منفصلة عن الموت، وتسرد لحظات خلت مع أبيها وابنها الراحل.
هذه مذكرات ابنة كما كُتبَ على الغلاف، ولكنها أيضاً تقرير مطوّل عن الذكرى وعن كيف تصبحين (أنتِ تحديداً) أماً لأبيك.
أصعب شيء أن تقيم كتابا بعيدا من مخالفة كاتبه لأفكارك الشخصية ومعتقداتك خصوصا لو كان كتابا ذاتيا هذه أسماء عزايزة شفافة وصريحة ومضطربة ومليئة بالشك تجاه كلما يتعلق بالموت
كتاب الحداد، تسرد فيه الكاتبة تجربتها اثر فجيعة فقد والدها. السرد شاعري يليق بشاعرة، متدفق بجمال، ومؤثر. العنوان ربما لا يدل على المحتوى، لكننا نعرف لاحقا ان ما تقصده بالمتاحف الصغيرة، هو ما تبقى لها من والدها، غرفته وحاجياته، وذكراه.