نعرض في هذا الكتاب كيف استقبل كانط في العربية، وهل قراءة المفكرين العرب أكاديميين وغير أكاديميين لهذه الفلسفة أدى إلى فهم أو تأويل لها يضاف إلى القراءات المختلفة للفلسفة الكانطية؛ كيف عرفت فلسفة كانط في العربية؟ ومتى؟ وأي الجوانب فيها حظي بالاهتمام: نظرية المعرفة أم الأخلاق أم النقد ـ لب هذه الفلسفة أم السياسة والتاريخ أو التنوير والثورة؟ هل تمت دراسة الفلسفة ـ النقدية عن الألمانية مباشرة أم عن لغات وسيطة إنكليزية وفرنسية. وهل تدخلت هذه القراءات في فهم فلسفة كانط فهماً يختلف عما لو بحثت في لغتها الأصلية.
أعتقد أن إسم الكتاب هو أفضل تسمية ممكنة فهو ليس بالكتاب الشارح لأى من أركان فلسفة كانط ولم يتناول الركن الأساسى فى فلسفته النقدية بالعرض إلا لماماً لكنه فقط يوضح الأجزاء الأساسية من فلسفته والتى يحتاجها لعرض ما ترتب عليها من نتائج فى فلسفتنا وحياتنا المعاصرة سواء العقلية والأدبية او العلمية . فقد عرض الكاتب تبعات الفلسفة الكانطية وعلاقاتها بالتنوير و بالحداثة وما بعد الحداثة ولكنه لم يعرض رأيه الخاص او لعله لم يخطر له ان يتناول تحديد مكانة النقد والفلسفة الكانطية عموما بين هذه الحركات التطورية . ولكنه يشرح لنا صلاتها بفلاسفة العصور الحديثة كهيدجر وهانز جادامير ويبين تصوراتهم المختلفة لها كما لم يتناول فوكو ولكنه اختتم العرض بأسس فينومينولوجيا هوسرل موضحا نقاط الاتفاق والتعارض بينها وبين الفكر الكانطى وأن الفلسفة الكانطية كانت الاساس الاول والوحيد للفينومينولوجيا . ولكن من اجمل ما تناوله الكتاب تأثير فلسفة كانط على ظهور الحركات النسوية وفلسفة التاريخ وبالثورات العالمية فى عصره كالثورتين الامريكية والفرنسية كما أبرز كانط فى احد المواضيع كفيلسوف سياسى هام وكان يود ان يعلنه كأب للديموقراطية الحديثة والحريات وأن فلسفته لها علاقة وطيدة بالسياسة العالمية فى عصره ولايزال اثرها ممتدا حتى الان رغم ان كانط لم يتناول آراؤه السياسيه بالعرض المفصل البنائى الذى تميزت به سائر كتاباته الا ان القارىء الملم بكتاباته يجد نتفاً هنا وهناك تعرض هذا الرأى بوضوح كما ان الفاهم العميق لفلسفته يستطيع ان يكمل ما ينقص بناء فلسفته السياسية بسلاسة . كانت هذه المواضيع الاخيرة هى اكثر ما اثارنى بقرائته فهذا الكتاب رغم تنوع مواضيعه والشعور بالتشتت بداخله بين الحين والاخر نظرا لتغير المواضيع المفاجىء الا انه يعرض بصورة رائعه ما يفوت قارىء كانط من جوانب فلسفته كما يوجز آثاره الباقية فى حياتنا الى الان وهو ما يدل على خصوبة الفكر الكانطى وصلاحيته التى تعلن عن نفسها عبر القرون .