محمد محمد أبو موسى (ولد 1356 هـ/ 1937 م) عالم لغوي مصري، وبحَّاثة أديب، وأستاذ البلاغة في جامعة الأزهر بمركز دسوق في محافظة كفر الشيخ، يلقَّب بشيخ البلاغيين العرب. وهو عضو في هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وله دروسٌ أسبوعية يلقيها في جامع الأزهر في البلاغة وعلوم العربية.
ولد أبو أحمد، محمد محمد حسنين أبو موسى يوم الأربعاء 22 ربيع الآخر 1356هـ الموافق 30 يونيو 1937. نشأ الأستاذ محمد أبو موسى نشأة دينية في قرية من قرى محافظة كفر الشيخ تسمى قرية الزوامل بمركز دسوق، حيث التحق بالأزهر الشريف وتدرج في مراحله الدراسية بداية من معهد دسوق الديني التابع للأزهر حتى تخرج في كلية اللغة العربية عام 1963، وكان من أوائل الكلية فعُين معيدًا بها، وحصل على درجة التخصص الماجستير في البلاغة بتقدير ممتاز من الكلية نفسها عام 1967، ثم حصل على درجة الدكتوراة في العام 1971.
وانتهت صحبتنا مع كتاب آخر لدراسة أسرار البيان في سور (آل حم) بقلم الشيخ محمد أبو موسى بارك الله في عمره ونفعنا بعلمه.
وهذا ثاني كتاب أقرؤه بقلمه، وسبقه كتاب (دراسة أسرار البيان في سورتي غافر وفصلت)، ومع بدايتي بقراءته، قلت لنفسي ( هذا الكتاب مكافأة جميلة وعالم آخر خلاب ومبهر ربما نجد مشقة في متابعة كشفه والإحاطة به، ولكن لابأس لنصبر ساعة على التعلم، فإلى متى سنؤجله؟) ولا أدري متى يجد المرء ثمرة قراءته لتراث علمائنا، ولكنني لا أتعجل هذا، فالآن يجد المرء أثرا طيبا لمثل هذه الكتب، يبتسم ويشعر بالغبطة والفرح، كلما أرانا الشيخ تفاصيل ودقائق بلاغية معجزة، ولكن ربما في زمن ما بعد عدة سنوات يظهر أثر تلك الصحبة في كتابتي، وتفكيري والأهم في تدبري لآيات كتاب الله.
من أهم ما يلاحظه المرء في قراءته (لدراسات البيان لسور القرآن) بقلم الشيخ:
_ أنه يهتم بربط الآيات بتفسيره لواقعنا ومشكلاته وتفشي الظلم والبغي فيه، وقد ظهر هذا واضحا في هذا الكتاب بالأخص عن سابقه، ويكرر الشيخ تأكيده أن القرآن كلام ربنا أنزل لكي نتبعه كمنهج للحياة، وليس لمجرد التبرك أو للقراءة الغافلة فيما يتبقى من وقت آخر اليوم، بل على المرء أن يقبل على كتاب ربه بنفس تواقة لإيجاد الهدى والبصائر في آياته، وهذا حق كتاب الله علينا.
~"والقرآن الكريم يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم وأفهم من هذا أن منهاج القرآن في التفكير والاستنباط والاستدلال من شأنه أن يُكوِّن عقلا هو بطبيعته باحث عن الحق، وعن الطريق المستقيم، في كل شأن من شؤون الحياة، وليس الهدى فقط في الوصول إلى أمر من أمور الدين."
~"{وَإِذا قُرِئَ القُرآنُ فَاستَمِعوا لَهُ وَأَنصِتوا...} وكأن الإنصات استماع بسكون طائر وخفض جناح كما كان يقول الباقلاني. وقد ميز ربنا كلامه بأنه هو الكلام الوحيد الذي أمرنا بالإنصات له يعني السماع بتفريغ الخاطر، وبجميع النفس، وبحسن التلقي، وهذا حق القرآن علينا الذي أمرنا به ربنا، وقد وعدنا سبحانه أننا إذا فعلنا ذلك كنا من الذين يرجى رحمتهم {لَعَلَّكُم تُرحَمونَ}.
_نعلم أن ثمة كتب عدة قد اهتمت بدراسة البيان القرآني، ونرى الشيخ يقتبس من تفاسير اعتنت بهذا الجانب مثل تفسير التحرير والتنوير، الكشاف، ونظم الدرر للبقاعي، ومع كثرة هذه المؤلفات والدراسات البلاغية، إلا أنك تلاحظ أثناء تحليل الشيخ للآيات واستنباطه لتناسبها مع بعضها، وموضعها الدقيق والمعجز بالنظر لموضوع السورة وسياقها، أن كتاب الله لا تنقضي عجائبه، ومهما بدا لنا أن علمائنا في الماضي بذلوا جهدهم في تناول بلاغة آيات الذكر الحكيم ومعانيه بالتحليل والتدبر، فإن الشيخ ينبه في مواضع عدة على تفاصيل في بنية الجمل والتراكيب اللغوية، وتنوع الأساليب بين ترغيب وترهيب، ودعوة للتأمل في آيات الله ونعمه، وذكر للبعث والحساب، ونظم المعاني في وحدة السورة بتناسق عجيب، أننا مازلنا في حاجة للعلماء، ليبذلوا جهدهم وأعمارهم في دراسة البيان القرآني.
_يبدأ الشيخ بمقدمة موجزة يكشف فيها عن آية أو معنى مركزي يدلنا على موضوع السورة، وتتفرع منه آيات أخرى، وتلتحم الآيات معا في نسق عجيب، و أثناء تحليله لكل آية، يركز الشيخ على تبيين ذلك الترابط بين الآيات وما يسبقها وعلاقتها بالمعنى الأم الذي بدأت به السورة، ولا يكتفي الشيخ بهذا، بل نراه يوضح ترابط مواضيع الآيات بما يشببها في سور أخرى، ويوضح تلائم سور (آل حم) مع بعضها البعض، وأن كل سورة تُبنى عليها الأخرى، وعلاقتها بما سبقها ( سورة الزمر) وما تلاها سورة القتال أو سورة محمد( صلى الله عليه وسلم). كما يهتم بالمقارنة بمتشابهات الآيات التي ربما تكررت في سور عدة، وتوضيح الاختلاف بينهن، ولما تفردت هذه الآية في موضع بأسلوب معين أو ختمت الآية فيه بفاصلة تختلف عن الأخرى، وعلاقة هذا بسياق المعنى العام للسورة، كتاب مدهش حقا، وربما متعب لأنك في مرحلة ما ربما تحتاج لتكرار الفقرات ومراجعتها (وأقول لنفسي أثناء القراءة، أي فائدة من هذا الجهد، ثمة كتب أبسط، في النهاية لن تقدمي هذا العلم لأحد، ولا ندري متى تجدين ثمرته، لكن يكفيني الآن أنني أشعر بسعادة في قراءة الدراسات البلاغية، فهي من مباهج الحياة، وإن كنت مازلت أشعر بالغربة في عالمها.) يدعونا الشيخ مرارا لمشاركته في مراجعة الآيات ومقارنة الأساليب، صدقا الكتاب يستحق كل جهد ووقت نبذله في صحبته، وأتمنى لو أتابع قراءة كل أعمال الشيخ بذلك الشغف، ونسأل الله أن ينفعنا بما نتعلم.
~"ولم أعرف في الكلام جملة ساكنة في مكانها لا تنزع إلى ما قبلها كما ينزع إليها ما بعدها، والجمل كأنها ذات أرواح، وذات علائق وأنساب ووشائج وأرحام تنزع إلى ما هي منه كما ينزع الحي إلى أُرُومته الجمل أرواح ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ولا تنكر عليّ هذا لأنك قبلت قولهم اللغة كائن حي."
~"والازدواج بين جملتين يستوعبان معنى واحدا كثير جدا في الكتاب وفي أي سورة تقرأ ستجد ذلك، خذ قوله تعالى {وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلكَ لِتَجرِيَ فِي البَحرِ بِأَمرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنهار..وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمسَ وَالقَمَرَ دائِبَينِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهارَ} راجع تسخير الفلك مع تسخير الأنهار ثم تسخير الشمس والقمر مع تسخير الليل والنهار...وقد يمتد الكلام فيستوعب آية ثم تأتي بعدها آية هي الوجه الثاني للمعنى وهذا كثير، وقد يقصر الكلام فتتلاقى المفردات...ومثل هذا كثير جدا وهو باب من أبواب البلاغة القرآنية العالية." ______ وربما أحاول تلخيص أهم الفوائد من سورتي الجاثية والأحقاف.
_______ سورة الجاثية:
_تبدأ سورة الجاثية بمظاهر القدرة الربانية المتجلية في السموات والأرض وفي خلق الإنسان ويرجع هذا إلى كلمة { العزيز} ثم ما بنيت عليه هذه الآيات من الحكمة ودقة النظام وأنك ترى السماء بغير عمد وترى الأرض لا تميد كل ذلك راجع إلى كلمة {الحكيم} وتعداد النعم وتسخيرها للإنسان تكرر في القرآن كثيرا جدا، ولكن التعقيب الذي جاء بعد هذه الآيات في سورة الجاثية لم يتكرر في الكتاب، وهو قوله تعالى{تِلكَ آياتُ اللَّهِ نَتلوها عَلَيكَ بِالحَقِّ فَبِأَيِّ حَديثٍ بَعدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤمِنونَ..وَيلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثيمٍ} ويرى الشيخ أن هذا هو قلب السورة والقطب الذي تدور عليه كل معانيها لأنه يجلِّي آيات الله في الكون والنفس والتشريع تجلية لا يؤمن البشر على آيات أفضل منها، ثم يكون هناك فريق من الأفاكين يسمعون آيات الله تتلى عليهم ثم يصرون على الكفر والعناد وكأن لم يسمعوها.
وعلى هذا دارت السورة وكل ما بعد هذه الآية يحدِّث عن خطيئة الانصراف عن الحق بعد ما تبين، والحق الذي لا ينصرف عنه إلا كل أفاك أثيم، تجلَّى أولا في السموات والأرض وفي خلقكم إلى آخر الآيات، ثم اختلفت تجلياته فصار في النعم الظاهرة والتي لا تكون البَتَّة إلا من المعبود الحق؛ بتسخير البحر لتجري الفلك فيه بأمره ثم انتقلت آيات التجليات إلى الإنعام بالهداية بعد الإنعام بالنعم الحسية الكونية، وتجلَّت نعمة الهداية في نعم الله على بني إسرائيل وأنه سبحانه أتاهم الكتاب والحكم والنبوة، ثم نعمة الله على هذه الأمة وأنه سبحانه أنزل عليها شريعة هي بصائر للناس، ثم رجع الكلام بعد ما طالت تفريعاته قليلا إلى المعنى الأم الذي يتجلى في الأفاك الأثيم لذكر شيء من أحواله وكشف عقائده الفاسدة وتخاليطه الباطلة، فذكرت
▪︎اعتقادهم أنهم هم والذين آمنوا سواء محياهم ومماتهم.
وهذه الجملة جامعة لكل باطلهم، وروغانهم من الحق البين، ثم ينتقل الكلام إلى يوم القيامة، ويطوي هذه الحياة الدنيا التي كانت ساحة لعب ولهو. وينتقل الكلام ليحدثنا عنهم هناك في عالم الغيب كما حدثنا عنهم في عالم الشهادة {وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدعى إِلى كِتابِهَا اليَومَ تُجزَونَ ما كُنتُم تَعمَلونَ}
{وَبَدا لَهُم سَيِّئَاتُ ما عَمِلوا وَحاقَ بِهِم ما كانوا بِهِ يَستَهزِئونَ}
هذا ملخص افتتح به الشيخ تقديمه لسورة الجاثية.
وكما نرى فتعبير القرآن عن مختلف الطبائع البشرية في الأزمنة كلها من صور إعجازه.
وأهم ما نكشفه في دوافع الأفاك الأثيم، هو استكباره، ثم نسيانه وجحده للفطرة.
فالإنسان مازال يرى ويسمع الآيات تتلى عليه ثم يتولى مستكبرا كأن لم يسمعها، والآيات تكشف بشاعة تلك الخطيئة، وهي استعلاء الإنسان وغطرسته، وجهله، ثم تدلنا الآيات على عاقبة هذا السلوك وتحول صاحبه ليكون من المجرمين...فسماع الآيات من رب العالمين يوجب النظر فيها، والإقبال عليها وتدبرها، وليس الاستكبار، ولا أعرف حاجزا يمنع الإنسان عن معرفة الحقيقة والصواب كالغرور والاستعلاء.
وهذا الكبر الزائف هو ما يدفع صاحبه للكذب والتدليس، واختراع الحجج الباطلة وتزيينها وخداع الجهلة بها وجمعهم حوله، ومامن ظلم أقبح من هذا، ثم تتابع هذه السلسلة التي لا يعتبر الإنسان بمأساة عواقبها، في الانجراف نحو الأهواء والاحتراق النفسي فيها، وعمى البصيرة وموت القلب، وربما يلاحظ المرء دائما أن من سنن الحياة تفشي القبح وانتشاره كما تسري النار في الهشيم، وترى المستكبرين يفسدون في الأرض، ويستبيحون الإنسان وينتهكون كل حرماته، ويرتعون في العبث وتغضبهم كل شريعة تحمي هذا الإنسان من بغيهم. ومجموعة من السفهاء يتبعون كل ناعق، بلا أدنى كرامة ولا مسؤولية.
وينسى الإنسان ربه وتضيع فطرته، وهذه هي عاقبة الاستكبار والبغي والتي نلاحظها في تسلسل المعاني في السورة.
وترى صورة الفطرة التي يفر ذلك الأفاك منها، تراها في كلماته وكذبه، فيقول { ما هِيَ إِلّا حَياتُنَا الدُّنيا نَموتُ وَنَحيا... } ووصف الحياة بالدنيا دال على أن هناك حياة أخرى لا توصف بالدنيا، وهذه نميمة أسلوب نمَّت عن هواجس الفطرة التي يغالبونها، وقد لفت البقاعي إلى هذا المعنى، وأن الدفين الخفي في الفطرة يدعوهم إلى الله.
ثم إن قولهم نموت ونحيا فيه إقرار بأن أعظم حدثين يتواردان على الإنسان لا طاقة له بهما وأنهما خارجان عن الطوق، أنهم يحيون من غير أن يُستشاروا، ولا يستطيعون جلب الحياة ولا دفعها، وكذلك يموتون من غير أن يُستشاروا ولا طاقة لهم في دفع الموت، ولا في جلبه، وكل هذا وراءه إقرار بقوة غيبية وراء هذا الوجود، لا تُغلب.
والإنسان محاط في حياته بمظاهر القدرة والحكمة في خلق السموات والأرض، ووهبه الله السمع والبصر ليتأمل ويعرف بفطرته أن كل هذا الإتقان ليس عبثا. {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالأَرضَ بِالحَقِّ وَلِتُجزى كُلُّ نَفسٍ بِما كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمونَ} وهذه الآية برهان البعث والثواب والعقاب لأن خلقهما بالحق ينافي الظلم، فالذي خلق القوي وخلق الضعيف لا يجوز في الحكمة أن يهملهما وأن يتركهما سدى.
{وَإِذا قيلَ إِنَّ وَعدَ اللَّهِ حَقٌ�� وَالسّاعَةُ لا رَيبَ فيها قُلتُم ما نَدري مَا السّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلّا ظَنًّا وَما نَحنُ بِمُستَيقِنينَ}
ويوضح الشيخ هنا معنى دقيق وهو اختلاف أقوالهم وتدرجها من ( ما ندري ما الساعة) ثم الظن الواهن وأخيرا نفي اليقين، تقف شكوكهم عند هذه النقطة وكأن هذه الحركة في الجمل تومئ إلى صوت الفطرة التي فطرهم الله عليها.
ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا
ويكرر المرء هذه المعاني وهي تمثل تلك النهاية المفزعة والعادلة، لكل مستكبر مسخ فطرته وأضاع النفع المرجو من سمعه وبصره وعقله، فجحد عبوديته لخالقه.
لأن العاقل لا يتخذ الآيات البينات هزوا وإنما يقف ويحلل ويراجع، ولا شك أن حضور القلب وإعمال العقل يدعو إلى التوجه لله بالعبادة والتسليم، ووضع الدنيا في موضعها الصحيح بدل أن يصير عبدا متعوسا لرفاتها.
وهكذا تُكشف لنا عاقبة الأفاك الأثيم الذي ولى مستكبرا، والذي لا يرجو أيام الله، واتخذ إلهه هواه، وتجمع هذه الآيات الخيوط التي تكون منها نسيج السورة، وتُطوى صفحة الذين كفروا بالجزاء العادل.
ثم تختتم السورة {فَلِلَّهِ الحَمدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الأَرضِ رَبِّ العالَمينَ...وَلَهُ الكِبرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ} وهذه الآيات راجعة إلى (العزيز الحكيم) التي ابتدأت بهما السورة، فكانت الكلمتان الكريمتان بداية طريق المعنى، ونقطة الانطلاق، ثم كانت نهاية طريق المعنى ونقطة الانطلاق.
وهذا يسميه البلاغيون عادة ب رد العجز على الصدر، وبالإضافة لهذا فإنني أجد في تأمل خواتيم السور أثرا عجيبا، لا أدري متى أمتلك أدوات البيان لوصفه، ولكن ليحاول كل منا، أن يسمع تلاوة عذبة مرتلة ومفسرة، ويدع الآيات تتمثل في ذهنه حتى يصل لختام السورة، ثم يعيد آية الختام ويتأمل أثرها ودلالتها وكيف أنها أحيانا تأتي بصيغة تذهب بالنفس كل مذهب مثل قوله تعالى{وَسَيَعلَمُ الَّذينَ ظَلَموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبونَ} ، أو نهاية تكشف لك سخافة ضلال الإنسان، أمام الله العزيز الحكيم، وأحيانا تكون نهاية مطمئنة للمؤمنين بعد سكناهم في جنة الخلد، وهكذا حسب سياق كل سورة، ولا أدري هل ثمة كتب تناولت خواتيم السور على الأخص بالدراسة أم لا، وربما يجد المرء تفصيل العلماء لمعانيها في التفاسير، لكن أتمنى لو تُجمع في دراسة منفردة.
______ سورة الأحقاف:
وهي تعرض لنا نموذجين { وَالَّذينَ كَفَروا عَمّا أُنذِروا مُعرِضونَ }
▪︎أحدهما كريه فكرا وسلوكا، يعرض عن النذر والآيات، يدعو من دون الله من لا يستجيب له، ويواجه آيات الله البينات في الكتاب العزيز بقوله هذا سحر، أو يتمادى في استهزائه فيقول هذا إفك قديم.
▪︎والنموذج الثاني {إِنَّ الَّذينَ قالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقاموا فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ} هم المحسنون وأهل البشرى وهم الذين قالو ا ربنا الله ومنهم الولد الصالح الذي ساقته آية الوصية نموذجا للذي حملته أمه كرها ووضعته كرها وكان من أشد الناس حرصا على أداء هذا الحق وهذا البر.
{ أُولئِكَ أَصحابُ الجَنَّةِ خالِدينَ فيها جَزاءً بِما كانوا يَعمَلونَ}
وأختم المراجعة بفائدة طيبة أوردها الشيخ في دراسته البيانية لهذه الآية: "ثم إن كلمة أصحاب الجنة فيها تكريم آخر ليس فقط لأنهم دخلوا الجنة وإنما لأن الله ملَّكهم هذه الجنة، ولو رجعت إلى العمل المفضي إلى الجنة لوجدت قدر العطاء فيه والمن أضعافا مضاعفة لأن الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
وخلاصة هذا المعنى أن الله سبحانه أعطانا ثم كافأنا بما أعطانا أولا بدخول الجنة وثانيا أنه جعلنا أصحابها وثالثا أنه جعلنا خالدين فيها، وليس عملنا بصالح لواحد من هذه الثلاثة ولابد أن نلاحظ أن التوفيق للطاعة نعمة، وعطاء، وأن قبول الطاعة نعمة وعطاء، وهذا التوفيق يوجب علينا نعمة الشكر، وهذا القبول يوجب علينا أيضا نعمة الشكر، وهذا كله في نعمة الهداية للطاعات، فلم نتكلم عن نعمة الخلق والإيجاد، وجعل لنا الأرض ذلولا، وجعل في السماء رزقنا، وجعل لنا بنين وحفدة...وأصغر نعمة من هذه النعم لا تستطيع توفيتها حقها بعبادة العمر كله.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ أحَدًا عَمَلُهُ قالوا: ولا أنْتَ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ منه برَحْمَته}.
26/9/1446🍃 26/3/2025
___
سعيدة باقتنائي نسخة ورقية من الكتاب، واقتنيت كمان نسخة من(دراسات البيان في سور غافر وفصلت)مع قراءتنا ليهم قبل كده pdf إلا إننا هنحاول نعيد قراءتهم ورقيا قريبا بإذن الله 🍃😌