إن من ينظر إلى السيرة العطرة للإمام البخاري، وإلى تقواه ووَرَعِه، وذكائه وفطنته، ثم ينظر إلى أحاديثَ هنا وهناك حَوَاها كتابُهُ الذي اشتمل على ما يَنُوشُ الثلاثة آلاف حديثٍ كاد ينعقد الإجماع على أنها كلها صحيحة دون ريب؛ فإنه يصاب بالذهول الناجم عن تَضَمُّن تلكم الأحاديث المتفرقة القليلة – نسبةً إلى مجموع أحاديث الكتاب – ما يسيء للإسلام: إلهًا عظيمًا، وكتابًا مجيدًا، ورسولًا كريمًا.
وقد انشعب الناس حول تلكم الأحاديث شعبتين؛ الأولى قَبِلَتْها دون تَلَبُّثٍ ولا نقاش، وراحت تَخصِفُ عليها من ورق الترقيع فرارًا من تكذيب الإمام الجليل، حتى وإن عارضَ ذلك كلامَ الله وخالف العقل وشاكَس المنطق بل والمُشاهَد.
أما الثانية فقد نظرت إلى جميع مرويات التراث الإسلامي من أحاديث وأخبار على أنها نصوص ظنية الثبوت مهما قيل عنها، فلم يتكفَّل الله بحفظها كما فعل مع كتابه العزيز، ودليل ذلك أنك لا تجد اختلافًا واحدًا بين مصحفين، ولا تجد آية ضعيفة وأخرى موضوعة وثالثة مختلَفًا حولها، وهو ما نجده – بكثرة كاثرة – في المرويات.
وقد بات جَلِيًّا أن في الكتاب المنسوب للإمام البخاري، من الطوامّ والدواهي التي لا يمكن ليده الكريمة المتوضئة أن تَخُطَّها. ويستعرض هذا الكتاب ثلاثين حديثًا ضَمَّتْها دَفَّتا كتاب البخاري، مع رَدِّها وعدم قبولها، وتِبيان أسباب ومسوِّغات الردّ.