What do you think?
Rate this book


173 pages, Paperback
First published January 1, 1929
ذراعي لن تمسك بذراعك ابدا، ويداي تبدوان لي بلا فائدة بشكل محزن، فأغرق في اليأس، اريد عبر عيني المخضبتين بالدموع، حيث يقاس مدى الحب، وامام الهاوية المظلمة، حيث يتأرجح كل شيء، اريد ان ارى تحت جفنيك اللذين بقيا محلقين، ابتسامتك المتحفظة، ابتسامتك المبهمة، الباسلة، اريد ان ارى من جديد ابتسامتك الرائعة..
❞أتقبله هذه الجامعة بين طلابها حين يتم إنشاؤها أم ترده إلى الأزهر ردًّا غير جميل لأنه مكفوف، وليس غير الأزهر سبيلًا إلى العلم للمكفوفين؟ كان هذا الشك المؤلم يؤرِّق ليله ويقضَّ مضجعه، ولم يكن يُناجي به إلا نفسه. كان يستحي أن يتحدث عن آفته تلك إلى الناس، وكان يؤذيه أشدَّ الإيذاء أن يتحدث الناس عنها إليه، وما أكثر ما كانوا يفعلون!❝
❞وكانت هذه البيئة تتيح له كذلك علمًا يخلق نفسه خلقًا جديدًا لا يتصل بالنحو ولا بالفقه ولا بالمنطق ولا بالتوحيد، وإنما يذهب به مذاهب مختلفة في الأدب وفي ألوان من التاريخ لم يكن يُقدِّر أنه سيعرفها في يوم من الأيام.❝
❞يرحم الله أبا العلاء، لقد ملأ نفس الفتى ضيقًا بالحياة وبعغضًا لها، وأيأسه من الخير، وألقى في رُوعِهِ أن الحياةَ جهد كلّها، ومشقة كلها، وعناء كلها.❝
❞وكان قد قرأ فيما قرأ من أحاديث أبي العلاء أنه كان يقول: إن العمى عورة. وفهم هذا كما فهمه أبو العلاء نفسه. فكان يتحرَّج في كثير من الأشياء أمام المبصرين، وكان يستخفي بطعامه
وشرابه كما كان يستخفي بهما أبو العلاء حتى لا يظهر المبصرون منه على ما يثير الإشفاق والرثاء، أو السخرية.❝
❞كان يذكر دائمًا قول أبي العلاء في آخر كتاب من كتبه أنه رجل مستطيع بغيره، وكان يرى نفسه مستطيعًا بغيره دائمًا، ويحتمل في سبيل ذلك من غيره - هذا الذي يتيح له الاستطاعة - ألوانًا من المشقة وفنونا من الأذى بدون أن ينكر منها شيئًا؛ فهو مُكرَهُ على احتمالها إكراهًا، وهو مُخيَّرٌ بين أن يقبل ما يكره من غيره من الذين كانوا يعينونه على ما يريد أو يرفضه، فيضطر إلى العجز المطلق اضطرارًا❝
❞ولكن حبه كان يستحي حتى من نفسه فينكرها، وكان الفتى يخفي شعوره ذاك في أبعد ما يمكن أن يستقر في أعماق ضميره، ويكره أن يتحدَّث به إلى نفسه، وقد استيقن أنه لم يخلق لمثل هذا الشعور، وأن مثل هذا الشعور لم يُخلق له ... وأين هو من الحب؟ وأين الحب منه؟❝
❞وكانت الطبيعة بالقياس إليه كلمة يسمعها ولا يعقلها، ولا يحقّق من أمرها شيئًا، كأنما أُغلق من دونها بالقياس إليه باب لا سبيل له إلى النفوذ منه. كان ينكر الناس وينكر الأشياء، وكان كثيرًا ما ينكر نفسه ويشك في وجوده!❝
❞أرادت زوجه أن تفهمه الوصف الجغرافي لبلاد اليونان، فأخذت قطعة من الورق وصاغتها في شكلها على نحو ما صاغت الطبيعة تلك البلاد، ثم أرادت أن تصوِّر ما في هذه البلاد من الجبل والسهل الذي يضيق حينًا ويتسع حينًا، ومن البحار التي تأخذها من أكثر جهاتها. فصوَّرت ذلك بارزًا في هذه القطعة من الورق ثم أخذت يد الفتى وجعلت تمرُّها على هذه الورقة، بعد أن افترضت معه أنها تبدأ من الجنوب وتمضي إلى الشمال، وتنحرف مرة إلى الشرق ومرة إلى الغرب، لتبين له مواقع البحر، ولتبين له الأماكن التي تضيق حينًا وتتسع حينًا، والتي كانت تقوم فيها
المدن القديمة، وما زالت به حتى فهم ذلك حق الفهم وأعاده عليها فاطمأنت إليه.❝