في هذه الرواية، مشرحة، عيادة، وغرفة تحقيق تُستجوب فيها امرأة متهمة بمقتل زوجها. في الطرف الآخر من المدينة، مناضلون قدامى يرجون رفع تهمة العمالة التي لفقت لهم. حدثان مختلفان تتكشّف العلاقة بينهما مع تقدّم الرواية، التي تؤرّخ لنصف قرن من تاريخ الجزائر، من الحرب العالمية الثانية حتى مطلع التسعينيات، مروراً بحرب التحرير وما تلاها. وتكشف اللثام عن أزمات اجتماعية مسكوت عنها مثل: الشروخ بين الأجيال، الهوة بين الآباء والأبناء، الزيجات الفاشلة والهرب منها إلى العلاقات السرية، الأمومة ومشقّاتها، التبرّع بالأعضاء البشرية والاتّجار بها... في هذه الرواية أناس من مدينة نائية في الأطراف متسلّحون بالأمل، معلّقة أقدارهم بشخص آتٍ إليهم من عاصمة البلاد.
سعيد خطيبي كاتب وصحافي جزائري، من مواليد 29 ديسمبر1984. عمل في جريدة الجزائر نيوز حيث ساهم لمدة سنتين في تحرير الملحق الثقافي "الأثر" ثم انتقل إلى جريدة الخبر. درس في الجزائر، وفرنسا. يكتب باللغتين العربية والفرنسية، وعام 2012 حصل على جائزة الصحافة العربية. اشتهر خصوصا بتغطية مناطق النزاعات في أفريقيا وأوروبا الشرقية.
من أشهر مؤلفاته "بعيدا عن نجمة" 2009م، "أعراس النار: قصة الراي" 2010م، والذي يعتبر أول كتاب توثيقي حول موسيقى الراي. كما نشر في كتاب "عبرت المساء حافياً" حوارات مع أشهر الكتاب الفرانكفونيون. عام 2013، أصدر روايته الأولى كتاب الخطايا، التي نالت صدى نقدياً واسعاً في الجزائر والعالم العربي
عام 2015، صدر له كتاب «جنائن الشّرق الملتهبة»، حاصل على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة. عمل سكرتير تحرير مجلة الدوحة الثقافية، واستقال منها عام 2016، كما أسّس موقع نفحة الّثقافي
نستكشف في رواية "أغالب مجرى النهر" للكاتب الجزائري "سعيد خطيبي" منطقة زمنية مليئة بالأحداث من تاريخ الجزائر، ولكننا نعيش مع شخصيات هامشية تحمل ملامح مميزة بكل تأكيد، حتى وإن لم تتفهم دوافعهم تماماً، أو لم تقترب من معاناتهم بشكل كاف، فتبدأ الرواية على شكل جلسات تحقيق بسبب مقتل/وفاة مخلوق تومي، طبيب التشريح، وتُشير أصابع الاتهام بشكل كبير إلى زوجته، "عقيلة تومي"، طبيبة العيون، وذكر تفاصيل الوظائف هنا أمر جوهري، فحبكة الرواية تقوم بشكلاً ما على ذلك، وبين استعراض لحاضر وماضي الشخصيات، وبين التحقيق في جريمة القتل ومحاولة العثور على القاتل، توهت بينهم ولم أستطع التفاعل مع الجريمة ودوافعها والمشتبه فيهم.
شعرت أن الرواية ينقصها العديد من المقومات، أو أن الكاتب حاول أن يضرب عصفورين بحجر واحد: كتابة رواية بوليسية مشوقة، ونبش تاريخ الجزائر، ولم يصب أياً منهما! فعلى الرغم من جاذبية بناء الشخصيات، لم تكن الأحداث على نفس المستوى، بل كانت تدور في نقاط لا تُقدم للرواية شيء، فأحياناً كنت أتساءل في وسط الأحداث، لماذا نحن هنا؟ لماذا هذا الحدث مهم؟ وحتى النهاية لم أكن متحمساً لها تماماً، فحتى لو كان القاتل المحقق نفسه، لما تفاجأت ولما شعرت بما يجب أن تشعر به في أي رواية بوليسية جيدة، أو حتى المتعة المصاحبة لعملية التحقيق والنبش في الماضي.
لم تنجح الرواية في جعلي أتشابك معها، رغم أن لديها بعض عناصر الجذب، ولكن ما نفرني منها أكثر بكثير، تجربة محبطة لرواية وصلت إلى قائمة البوكر القصيرة لعام 2026.
- تحديث بتاريخ 09/04/2026: الرواية فازت بالبوكر العربية، إكمالاً لسلسلة طويلة من الكوارث التي قامت بها الجائزة، ويبقى السؤال: إلى متى؟
في روايته أغالب مجرى النهر، التي وصلت أولًا إلى القائمة الطويلة ثم إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2026، يعود سعيد خطيبي إلى أسئلة شائكة في التاريخ الجزائري، متأملًا حصيلة الثورة وما خلّفته من تكريمات وإدانات طالت أشخاصًا دفعوا ثمن مواقفهم أو شُوّهت سيرهم بتهم العمالة، مستعيدًا ملفات قديمة بلغة متزنة وهادئة، بعيدة عن التهويل والاستفزاز، ومعتمدًا أدوات سردية معاصرة تحاول إعادة طرح قضية منسية من زاوية مغايرة.
تبدأ الرواية بنبرة بوليسية واضحة، في أجواء تحقيق وسجن وجريمة، حيث نجد أنفسنا في مطلع التسعينيات داخل زنزانة تُحتجز فيها عقيلة التومي، طبيبة العيون المتهمة بقتل زوجها مخلوف، طبيب التشريح، والمتورطة معه في سرقة قرنيات الموتى وبيعها لمرضى مهددين بالعمى، وهي تجارة تبررها بوصفها فعلًا إنسانيًا نابعًا من واجب مهني وطيبة أخلاقية.
يشحن خطيبي نصه بجرعات من التشويق، ويمنح بطلتَه لغة حادة مشبعة بالنقمة على المجتمع الذكوري، تتجلى في تشبيهات صادمة وعنيفة أثناء وصفها لانتزاع القرنيات، قبل أن يعود السرد إلى الماضي كاشفًا تشابكات حياتها الشخصية.
تتعدد الأصوات السردية بين صوت الابنة وصوت الأب بضمير المتكلم، مع تدخل الراوي العليم أحيانًا، بينما تغيب أصوات شخصيات أخرى أساسية، في مقابل حضور لافت لعلاقة الابنة بأم قاسية تسببت لها بعُقد نفسية، وبأب تعلقت به واعتزت بتاريخه كرجل حرب وكمقاوم، وبحياة زوجية بائسة مع زوج عنيف يُقدَّم بصورة منفّرة.
في النصف الثاني، يتولى الأب السرد، مستعرضًا طفولته في زمن الاستعمار، ومشاركته في الحرب العالمية الثانية، ثم زواجه، وصولًا إلى السر الأخطر في حياته: والذي يتمثل في اتهامه ظلمًا بالعمالة للفرنسيين وشطبه من قائمة المناضلين وتعذيبه على يد رفاقه، وهو الجرح الذي ظل وصمة يخشى انكشافها.
تختار الرواية مدينة بوسعادة مسرحًا لأحداثها، وتنجح في رسم ملامحها الثقافية والاجتماعية عبر تفاصيل العادات والطقوس والمأكولات واللباس المحلي، واضعة الأحداث قبيل العشرية السوداء، في زمن ملتبس ومشحون.
ومع ذلك، وعلى الرغم من جاذبية بناء الشخصيات ومحاولة الجمع بين الرواية البوليسية ونبش التاريخ، تبدو الرواية مترددة بين مسارين لم يكتمل أيٌّ منهما على نحو مُرضٍ؛ إذ تتوه الحبكة أحيانًا بين التحقيق والعودة إلى الماضي، وتدور بعض الأحداث في مساحات لا تضيف كثيرًا إلى تطور السرد، ما يضعف التفاعل مع الجريمة ودوافعها، ويجعل النهاية أقل تأثيرًا مما يُنتظر من رواية بوليسية، وكأن الكاتب حاول أن يحقق غايتين من النص، فاقترب منهما دون أن يمسك بأيٍّ منهما تمام الإمساك.
بشكل عام الرواية نوعاً ما جيدة، لكنها ليست بجودة ما يكتبه عادة سعيد خطيبي.
الرواية في مجملها إبحار ضد التيار الاجتماعي والثقافي والسياسي، ولا يهم في النهاية معرفة من الذي قتل (مخلوف)، فعندما تنتهي الرواية يكون آخر هموم القارئ معرفة القاتل
جلسة تحقيق مع الدكتورة "عقيلة" في مقتل "مخلوف" زوجها و الطبيب الشرعي بمستشفى حكومي يفضح حكايات متشابكة بين الماضي و الحاضر ، قبل استقلال الجزائر الى سنة يونيو/جوان 1990. العمل يدور حول قضايا مهمة كالاتجار في الأعضاء و الأمومة و ذكوري المجتمع و الدعارة و الخيانة بأنواعها و كذا ارهاصات بداية العشرية السوداء . تم تقديم أحداث الرواية أو التحقيق مع راو عليم و على لسان شخصياتها ميلود/ياقوت عقيلة/الاب و ان كان هذان الاخيران قد حصلت على الحصة الكبرى في سرد الاحداث و في الكشف عن تداعيات القضية و ترابطها و ترابط الشخصيات في دائرة متشابكة . العمل مكتوب بلغة سلسة مع بعض العبارات و الجمل من اللهجة المحلية التي تمنح النص لمسة أصيلة معبرة عن المجتمع الذي تدور فيه أحداث الرواية.
"هل كانت حياتي ستسير على ألطف حال لو أنني امتثلت لأمرهم ولم أغالب مجرى النهر؟"
📖 أغالب مجرى النهر-سعيد خطيبي
تبدأ الرواية بجريمة قتل طبيب التشريح "مخلوف تومي" بالسم، وتوجيه أصابع الاتهام لزوجته "عقيلة" (طبيبة العيون)، وتنقسم إلى قسمين أساسيين؛ الأول ترويه "عقيلة"، والثاني يرويه والدها "عزوز خالدي"، مع وجود فصول تنتهي بجلسات تحقيق. مشكلة هذه الرواية أنّ أي من المسارين الذين اختارهما الكاتب لها لم يكتملا ويُكتبا على نحو مرضي، يعني من خلال قصة عقيلة تطرح الرواية قضية المرأة ضحية المجتمع والعقلية الذكورية السائدة، ومن خلال الأب المناضل السابق الذي اتُهم ظلماً بالعمالة لفرنسا (حركي)، وقضى حياته يحاول إثبات وطنيته وبراءته، نرى واقع المناضلين بعد تحرر بلدانهم والتهم الكيدية وتصفية الحسابات التي تجري، مع بعض الإشارات لصعود التشدد في المجتمع قبيل العشرية السوداء، لكنها جاءت محمّلة بكليشيهات حول اضطهاد النساء مقارنة مع ما قرأته من روايات عن هذه الفترة (خرفان المولى لياسمينة خضرا وتاء الخجل لفضيلة الفاروق)حيث بدت تلك الأعمال أكثر عمقاً وأقل اعتماداً على الكليشيهات... والكاتب بدأ بحكاية الشخصيتين بتشويق ومسار تصاعدي ثم سرعان ما دخل في حلقة تكرار تدور حول نفس النقاط دون تقدم واضح وإضافات جديدة، فمثلاً عدا عن قصة الأب عزوز في النضال، فهو يكرر ما قالته عقيلة عن علاقته بها وعن علاقتها بزوجها وأيضاً عن مظاهر التشدد في المجتمع بحذافيره! وهذا ما أوصل الرواية في النهاية إلى عدم الإكتمال على نحو واضح سواء من ناحية قصة شخصياته أو من ناحية مسار التحقيق البوليسي. وفيما خص الأسلوب واللغة؛ فأسلوب الكاتب تقريري جاف، وفي رواية يُفترض أن تكون بوليسية، كان عنصر التشويق والمفاجأة غائباً عن أغلب فصولها، وأيضاً نبرة الشخصيات كلها متشابهة؛ فلا وجود لخصوصية لا لصوت عقيلة ولا لصوت عزوز إذ غلب صوت الكاتب على صوت الشخصيات ولغى تمايزها، وقد كانت الرواية بحاجة لأصوات شخصيات أخرى لإثرائها شرط أن يكون لكل صوت وعيه الخاص وزاويته المختلفة، هذا كان سيساهم بتحسين إيقاع الرواية بدل من أن تبقى تدور وتختلط على لسان عزوز.
وهناك مشاكل تحريرية في الرواية، فالكاتب أصر على استخدام فعل "لطم" كلما همّ المفتش "جمال" بضرب ساعته أو الآلة الكاتبة، والصواب أن فعل "لطم" يستخدم عندما يضرب الإنسان عضو بشري وليس شيء جامد، وكذلك ورد خطأ على لسان عقيلة بمناداتها لزوجها الراحل في مناجاتها له ب"أرملي"وهذا خطأ لغوي فادح، فالأرمل هو من توفيت عنه زوجته وليس العكس🥲.
باختصار، الرواية فكرتها جيدة، ولكن التنفيذ غير موفق أبداً تحديث: فازت هذه الرواية بالبوكر لعام 2026 في استكمال لسلسلة الكوارث المتلاحقة لهذه الجائزة🙃🙂
ثمة الكثير لأحكيه عن هذه الرواية حقيقةً، أعجبتني بشكل غير متوقع يمكن أن أقول إن اختيار القرنية تحديدا دون سائر مكونات العين كان ذكيا جدا، فالقرنية من الأعضاء التي إذا تلفت صعبت عودتها إلى طبيعتها ثم إنه يمكن أن نقسم النص إلى بنيتين بنيته السطحية المباشرة التي مثلها صوت عقيلة في الجزء الأول، فيي تحديد معنى البصر وقيمته، هذا الجزء لاحظت أن بها جزء كبير من الابتذال في طرح قضايا المرأة كعادة كثير من الكتاب والكاتبات الجزء الآخر وهو البنية العميقة وهو الجزء الذي استحوذ عزّوز على معظمه، إنه جزئي المفضل رغم قسوته وجرأته لأنه مثل العمى الحقيقي، العمى الذي يعيشه كثير من المبصرين، عمى الشهوات والنز��ات والسلطة والأخلاق. كنت أود لو كان لمينة صوت، بل وددت لو كانت الرواية على لسانها، مثل أن تعثر على صندوق تركته لها أمها قبل أن تدخل إلى السجن ثم تبدأ الحكاية استمتعت بالعمل رغم قيامه على فكرة الشك، رغم لغته البسيطة والمباشرة التي تميل غالبا إلى الوصف الأماكن في الرواية تفقد خصائصها لتتحول إلىى أماكن جديدة ومشوهة أحيانا منذرةً بفقدان الأمان الذي لم يسكن في القلوب هناك أعمال ناقشت قضية الاتجار بالأعضاء لكن لم تكن تلك قضيتها الأساسية مثل رواية دفاتر فارهو مثلا، أو أن نقاشها للقضية كان على سبيل تشنيع القضية فحسب، غير أنما تصبو إليه هذه الرواية هو أن القانون إذا لنم يخدم الناس بشكل يعينهم على قضاء شؤونهم قد يلجئهم إلى الجريمة، وأن علينا أن نستأصل شأفة مشكلاتنا والإدانة وحدها غير كافية
الرواية الحائزة على جائزة البوكر العربي ٢٠٢٦ رواية أغالب مجرى النهر لسعيد خطيبي أدب جزائري ، هي تجربة شعورية تتدفق بهدوء ظاهري، فيما تخفي تحت سطحها تيارات من القلق والبحث والتمرد.
تتنقل أحداث الرواية بين فضاءات مغلقة ومشحونة: مشرحة، وعيادة، وغرفة تحقيق، حيث تستجوب امرأة متهمة بقتل زوجها. وفي موازاة ذلك، وعلى طرف آخر من المدينة، يلتقي مناضلون قدامى في محاولة لتبرئة أنفسهم من تهمة العمالة التي أُلصقت بهم ظلما. من بين هؤلاء والد المتهمة، الذي يجد نفسه في مفارقة قاسية وهو يخضع للتحقيق في قضية ابنته ذاتها.
تتوزّع الرواية بين وجهتي نظر: الابنة والأب في النصف الاول من الرواية كان وقعها بطيء وكان فيه بعض الملل لكن النصف الآخر شدّني جدا لإكمالها في جزئية الأب ليضعنا خطيبي أمام شخصية تحاول أن تُقاوم ما يبدو حتميا أن تعيش خارج التيار، أو على الأقل أن تفهمه.
النهر هنا رمزية ثقيلة الدلالة: للحياة، للقدر، وللظروف التي تدفع الإنسان في اتجاهاتٍ قد لا يرغبها. ومع كل محاولة للسباحة عكسه، تتكشف طبقات النفس البشرية: ضعفها، عنادها، وحاجتها المستمرة للمعنى.
وعبر هذا التشابك الإنساني والتاريخي، ترسم الرواية مسار يمتد لنحو نصف قرن من تاريخ الجزائر، بدءا من الحرب العالمية الثانية، مرورا بحرب التحرير، وصولا إلى بدايات التسعينيات، كاشفة ما تراكم في تلك المرحلة من صراعات وتحولات.
هي رواية عن المقاومة الصامتة، عن الإنسان حين يجد نفسه في مواجهة مستمرة مع ما لا يستطيع تغييره بالكامل، لكنه يرفض الاستسلام له. هي دعوة للتفكير أكثر من كونها دعوة للانبهار وتجربة تُقرأ برويّة لتُفهم بعمق.
ومع ذلك، لم ترضني النهاية إذ لم أشعر بأنها مقتضبة فحسب انما بدت مبتورة ولم تُنصف في الإغلاق.
تفتتح رواية "أغالب مجرى النهر" فضاءها النصي من نقطة الصفر المكاني؛ "المحبس" الضيق الذي لا تتعدى مساحته خمس خطوات، ليكون هذا الحيز الزمكاني الخانق بمثابة المختبر الوجودي الذي تنطلق منه الذاكرة في رحلة استقصائية مريرة. يبرع السرد منذ الاستهلال في حبك مفارقة حسية حادة؛ حيث تتصادم رائحة "الزنخ" المنبعثة من مغسلة المخفر المتشققة وطهر الأدعية وقصار السور التي تلهج بها البطلة "عقيلة تومي". إن هذا الاختناق الجسدي ليس إلا انعكاساً لانسداد الأفق السياسي والاجتماعي في جزائر التسعينيات، حيث تتحول الجدران الصماء إلى مرايا تعكس مفهوم "الحرية المفقودة" التي تطارد عقيلة، الطبيبة التي وجدت نفسها خلف القضبان بدلاً من ممارسة مهنتها في ترميم بصر المجتمع. ومن هذا الضيق الوجودي، ينسج النص خيطاً انتقالياً رفيعاً يربط بين عتمة الزنزانة واتساع الرؤية العلمية، حيث يتحول "المحبس" إلى عدسة مجهرية تشرح تاريخاً من الخيبات.
ويتجلى الصوت السردي في العمل بوصفه "مشرطاً" في مواجهة اللغة، حيث لا تعمل الأداة اللغوية هنا كنقل محايد للواقع، بل كجزء عضوي من التجربة الحسية. إن الهوية الأسلوبية للرواية تراوح بذكاء بين المباشرة الخشنة التي تفرضها قسوة الواقع، وبين الشفافية الشاعرية في استحضار الماضي البعيد. وتنبثق "الأنا" السردية لعقيلة بوصفها طبيبة عيون، وهو ما يفرض سطوة "الرؤية" المصطلحية على النص؛ فنحن أمام تشريح يستخدم المجهر العاكس والقرنية والمشرط كأدوات معرفية لا طبية فحسب. لقد نجح الكاتب في تحويل لغة الطب إلى وسيلة "تشريح" للمجتمع البوسعادي، مبرزاً العطب الإبستمولوجي الذي تعاني منه الشخصيات في رؤية واقعها. هذا الالتزام بالهوية المهنية للبطلة منح السرد صدقية عالية، وجعل من اللغة جسراً يربط بين هيكل النص ولحم التجربة الإنسانية المتمثلة في شخوص الرواية.
أما المعمار الروائي، فينهض على هيكل متوتر يعتمد تقنية "الفلاش باك" المتداخل مع التحقيق البوليسي كإطار ناظم للأحداث. يدير النص الزمن ببراعة أكاديمية رصينة، منتقلاً بين زنزانة التحقيق عام 1990 وذكريات المشرحة والطفولة في السبعينيات والثمانينيات. هذا التدفق السردي لا يتعثر في التفاصيل، بل يستخدمها كرموز دالة؛ مثل السيارة "رينو 4" الصفراء التي تزينها "خمسة" لدرء العين، والتي تمثل تصادماً بين الحداثة الميكانيكية والموروث الشعبي المثقل بالخرافة. ويتقاطع إيقاع الرواية مع لحظات تاريخية مفصلية، مثل انتصار الجزائر على ألمانيا في كأس العالم 1982، الذي يظهر في النص كفرحة عابرة في مجرى من الأحزان. إن التناص مع شخصية "شارلي شابلن" وسرقة والده "عزوز" للقبعة في إيطاليا، يمنح السرد بعداً رمزياً حول "الهوية المسروقة" والعيش في وهم السينما الصامتة وسط واقع يضج بالعنف والضجيج.
وفي قراءة سيميولوجية للشخصيات، نجد أجساداً مثقلة بالخيبة والتمزق الوجودي؛ فـ "مخلوف تومي" الطبيب الشرعي، يجسد نموذجاً فجاًّ للمخاتلة الأخلاقية، فهو الذي يدّعي "خشية الله" في المشرحة بينما يمارس أبشع أنواع الفساد بجني 75% من أرباح زراعة القرنيات المسروقة، ويعامل زوجته "عقيلة" كـ "مصب لنزواته" العابرة. وتبرز المفارقة الساخرة في اسم البطلة "عقيلة" (التي ترمز للعقل والاتزان) ولقبها "تومي" (الذي يوحي بالاتصال والتوأمية)، بينما هي في الواقع تعيش عزلة مطلقة وانكساراً تحت وطأة أم قاسية وزوج يحتقر أنوثتها لعدم إنجابها ذكراً. أما "ميلود"، الصامت الذي يحاكي شابلن، فهو "الشاهد الأخرس" الذي يرى كل شيء عبر عدسة فيلم صامت، لأن واقع جزائر 1990 كان أشد صخباً وقبحاً من أن تصفه الكلمات، مما يجعله آلية دفاعية متكاملة ضد الانهيار الاجتماعي.
وتتقاطع الثيمات الكبرى في النص لتعمق مفهوم الوجع والفقد؛ فالألم هنا ليس ألم المشرط الجراحي، بل هو ألم الروح التي تُسلب رؤيتها. وتبرز سرقة القرنيات كاستعارة كبرى لسرقة البصيرة والحياة في مجتمع يغلفه العمى الجماعي. كما يلقي الماضي بظلاله الثقيلة عبر الأب "عزوز" وحروبه القديمة، وكأن جروح الجبهة الإيطالية لم تندمل بل أورثت الأبناء قلقاً مزمناً. أما الأمومة، فتتجلى في علاقة عقيلة بابنتها "مينة" ليس كفطرة وردية، بل كعبء وجودي ومصدر للقلق الدائم من توريث الانكسار. إن الرواية تعرّي زيف الواقعية الاجتماعية، وتطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الإنسان على الحفاظ على نواته الصلبة في مواجهة تيار جارف من الخيانة والسرقة والابتزاز الأخلاقي الذي يمارسه المجتمع والمؤسسة على حد سواء.
وفي المحور النقدي المتعلق بجماليات القبح، يطرح النص لغة جريئة وخشنة تثير جدلاً حول ضرورتها الفنية. إن وصف "مخلوف" لزوجته بأنها "خنزيرة" أو تعامله مع جسدها كأداة لتفريغ الرغبة من الخلف، لم يكن إقحاماً مجانياً للابتذال، بل كان ضرورة سردية لتصوير العماء الأخلاقي لزوج يجمع بين "التدين المظهري" والانتهاك الجسدي. إن هذه اللغة الصادمة تعيد إنتاج القبح فنياً لتوقظ القارئ من سباته، وتجبره على معاينة الأورام الاجتماعية التي تحاول الشخصيات إخفاءها خلف عباءات الأدعية والألقاب العلمية. إن الواقعية هنا لا تكتفي بنقل القبح، بل تشرحه بمبضع نقدي حاد، مما يمنح المفردات الجريئة شرعية فنية بوصفها أداة لتعرية الزيف في علاقة "عقيلة" و"مخلوف" الموحشة، حيث يصبح القبح اللغوي صنو القبح الوجودي.
ختاماً، تظل رواية "أغالب مجرى النهر" تجربة سردية شامخة وتجربة إنسانية تقف على حافة الانهيار. إن "عقيلة تومي" لم تكن تغالب النهر فحسب، بل كانت تغالب الزمن والقانون والقمع الاجتماعي الذي يسلب المرأة بصرها وبصيرتها. الرواية لا تقدم انتصاراً حاسماً ولا انكساراً كلياً، بل تترك القارئ أمام جدلية "الرؤية والعمى"؛ فالرؤية التي حاولت عقيلة زرعها في عيون مرضاها لم تحمِها من العمى الذي أصاب حياتها الشخصية. إنها صرخة نقدية في وجه تيار التحلل القيمي، وتأكيد على أن فعل "المغالبة" في حد ذاته هو ذروة الوجود الإنساني، حتى وإن انتهى المطاف بالبطلة خلف جدران "المحبس". تضعنا هذه الرواية أمام مرآة الذاكرة الجزائرية بكل أوجاعها، لنتساءل مع عقيلة: هل المجرى هو الذي يحدد مسارنا، أم أننا نحن الذين نصنع ضفافنا؟
هنا مقتطف من «أغالب مجرى النهر» نشر في «الشرق الأوسط»:
نويتُ قطع أنفاسِه، لكنْ لم أتخيّل نفسي محتجَزةً في هذا المكان، الذي لا تتعدّى مِساحته خمس خطواتٍ طولاً ومثلها عرضاً، وأنا أقاوم خفَقات قلبي بمناجاة ربّي، راجيةً ألّا يخيِّبني. أشعر بانقباضٍ في معِدتي، وأمتنع عن مدّ يدي إلى صحنٍ معدِنيٍّ، قدّمه إليّ شرطي من كوّة الباب، يمتلئ نِصفه أرزّاً وتمرح فيهِ نملتان. أضغط على أسناني كي لا أبكي، مع أنّ لساني يرغب في الصراخ. لكن لن يبالي أحد بحالي، مثلما لم يبالِ أحد بصُراخات امرأةٍ تقبع في المَحبس المجاور، قضتْ ليلَها تطلب رؤية شخصٍ يُدعى هلالي، وهي تطرق بابَها وتستغيث بأن يُفرجوا عنها، فسددتُ أذنيَّ بكفَّيَّ إلى أن خمد صوتها. ظنّي أنّه قد أُغمي عليها. فآثرتُ الصبرَ مع أنّ أعصابي لا تحتمل طولَ انتظار.
أمسكتُ شعري بيديَّ، أرغب في نتفه. ورغبتُ في التمدّدِ، لكنّني لم أُطق صلابة الأسمنت، في هذا المَحبس الواقع في مخفرٍ، لا وسادة فيه ولا فراش.
لطمتُ خدَّيّ، اللذَيْن رشَحا بدمعٍ ممزوجٍ بعرقٍ، من شدّةِ الحرِّ: يا ربّي، فرّج عنّي!
أُحدّق في الحيطان التي تطوّقني، ولا تفارق مِنخريّ رائحة زنخة فاحت مِنْ مغسلةٍ، مصنوعةٍ من خزفٍ، تشقّق حوضها، وقد نضب الماء من صنبورِها. مثلما نضب من بيوت الناس، فصاروا يشربون ماء الوادي، بعد تصفيته من دود العَلَق.
أحسستُ بصعوبةٍ في التنفس، وخشيتُ أن يطول مكوثي في هذا المكان، فلا أرى أبي مرةً أخرى. أمّا أمّي، فرجّحتُ ألّا يهمّها أمري. قد يحوّلونني إلى سجنٍ بعيدٍ، فلا يتاح لأحدٍ من أهلي زيارتي. وأقبح ما جال في خاطري أن أفقد ابنتي. سوف يسخر منها الأطفال: «أمّكِ في الحبسِ»، وتلوذ بالبكاء كعادتها كلّما سمعتْ ما لا يسرّها. وعندما يُفرج عنّي، بعد أن تتساقط أسناني ويبيضّ شعري، لن تتعرّف إليّ. لن أرافقها إلى المدرسة عندما تكبر، ولن أحضر عرسها. لقد أنجبتُها كي أخسرها.
تلاطمتْ تلك الأفكار في بالي، ورغبتُ في التخلّص من خوفي مثلما رغبتُ في العودة إلى عملي. حياتي بين بيتٍ وعيادةٍ لا في محبس. علّمَني الطبّ كبت قلقي وتحمّل المشقّات. لكنّني نسيتُ كلَّ ما تعلّمتُه، مُصرّةً على أنّ خطأً قد وقع، فأنا لم أفعل شيئاً يستحقّ سَجني. لكن مَن يصدّق كلامي!
شعرتُ كأنّني جروٌ يحاصره أطفال بالركل، وأنا أجول ببصري بحثاً عن حبلٍ أُعلّق عليه رقَبتي، أو آلةٍ حادّةٍ أفتح بها شراييني، فلم أعثر على مُرادي. غطّتْ عينَيّ غِشاوة من كثرة الدمع، وقمتُ زامّةً شفتيَّ كي تكفّا عن ارتجاجهما. تكوي يديَّ حرارةٌ. أرغب في التعاركِ مع أحدهم، أن أهشّم رأس تلك الشرطيّة، التي تفوقني وزناً وتقلّ عنّي طولاً، والتي أودعتني، في اليوم السابق، هذا المكان.
«اقلعي حوايجك!». حال وصولي أمرتْني بعينَيْنِ صارمتَيْنِ أن أتجرّد من ثيابي، فلسعتْ وجنتَيَّ حرارةٌ من شدّة الخجل، وأنا التي لا أتعرّى أمام أقرب الناس إليّ. لكنّني امتثلتُ، وساورني شعور بأنّني أتعرّى من روحي لا ثيابي. أغمضتُ عينَيّ، وهي تجسّ بدني بيدَيها الخشنتَيْن.
«افتحي فمكِ». تفقّدتْ أسناني، ثمّ أمرتني أن أُخرج لساني ففعلتُ. قولي: «عاآآآ». كأنّني شاة يتفحّصها زَبون، عاريةً رحتُ أتساءل في نفسي: علامَ توقّعَتْ أن تعثر؟ مخدّرات أم سلاح؟
أمسكتُ لساني عن نعتها ﺑ«خامجة»، فالغضب حجّة الضعفاء، كما سمعتُ من أبي. لم تعثر على شيءٍ، فأمرتني بنظرةٍ هازئةٍ أن أُعيد ارتداء ملابسي، بعدما حجزتْ خاتَمي وساعة معصمي، ثمّ أغلقتِ الباب بعارضةٍ حديديّةٍ وانصرفتْ. ليتها تعود فأطرق جبهتها الناتئة، لكنّني طرقتُ الباب براحة يدي، مرّة، مرّتَيْن، وثلاثاً: «افتحوا... افتحوا!».
لم أسمع سوى صدى طَرْقي، ثمّ دهمني ارتخاء في يدي وبلعْتُ ريقي. أعدتُ صُراخي وتخيّلتُ ابنتي تدسّ رأسَها في حجري. أظنّني سمعتُ همسَها في أذنيَّ: «ما تخافيش ماما». بل أنا خائفة وأخمّن ما تفعله في غيابي. هل تشتاق إليّ؟ طفَتْ في ذهني صورتها وهي تضحك عندما أشتري لها لعبةً، ثمّ تحدّق إليّ شاكرةً بعينَيْها السوداوَيْن، أو ابتهاجها وهي تلبس ثوباً جديداً. هل بكت في غيابي؟ هل نامت بينما أنا مسجونة؟ خالجني شعور بأنّني أخطأتُ في إنجابها وأذنبتُ في حقّها.
عدتُ إلى الأدعية وتكرار قِصار السور، ثمّ سمعتُ أذانَ الظهر، ما يعني أنّني قضيتُ يوماً كاملاً في هذا المكان. واصلتُ قرع الباب، متجاهلةً الارتخاء الذي اكتسح يدي، عندما أطلّ عليّ شرطيّ من الكوّة، بحاجبَيْن كثيفَيْنِ:
– اصبري... حتى يوصل لَمْعلّمْ.
سألتُ من يكون هذا «لَمْعلّمْ»، من غير أن أُبلَّغ إجابة:
– متى يصل؟
– الله أعلم.
ردّ عليّ ذو الحاجبَيْن الكثيفَيْن، كاشفاً عن أسنانه العلويّة المعوجّة. ثمّ انصرف كمَنْ أسعده ما حلّ بي، غيرَ راغبٍ في سماع أسئلةٍ أخرى، فشتمتُ والديه في سرّي. إنّه من نوع الرجال الذين نستثقل روحهم، دائماً ما أفرض على أمثاله تسعيرة أعلى من غيرهم حين يأتون إلى عيادتي. وقد حفِظتُ ملامحَه، فإن أُفرج عنّي وجاء يشتكي ضرراً في عينَيْه، فسأمتنع عن مداواته.
حضنتُ ساقيّ بين ذراعيّ، كي أُخمد رغبتي في ركل الحائط. قبل أن أسمع وقع خطواتٍ، فاستقمتُ وعدّلتُ تنّورتي. عادتِ المرأة التي تقبع في المحبس المجاور إلى صراخها، وعاد ذو الحاجبَيْنِ الكثيفَيْنِ وفتح بابي: «اتبعيني عند لمْعلّمْ».
عرَفتُ أنّ تلك الكلمة يقصدون بها المحقّقَ، الذي أمرني بالجلوس قُبالته، على كرسيٍّ خشبيٍّ برِجْلٍ أقصر من نظيراتها، في غرفةٍ تتوسّطها طاولة يعلوها هاتف، آلة كاتبة، رزمة أوراقٍ، وكوب قهوةٍ فارغ، يستعمله كمنفضة سجائر، فيما السّاعة المثبّتة على الحائط تجاور عقاربها الواحدة زوالاً.
ظلّ بدني يترنّح وأنا أردّ على أسئلته، التي جعلتْني أندم على ما عشتُه.
3/5 صراحةً لدي الكثير والكثير من الكلام وجميعه يصب بأن الرواية أفضل مثال على الضياع والتشتت، كلما قرأت أكثر كلما شعرت بأن الكاتب ضاع أكثر في القصة، حتى وصلت الى الصفحات الاخيرة ووجدت كمية من الأحداث غير المثمرة تجتاح القصة وتهدم كل ما بناه خطيبي في الأجزاء الأولى...
سأذكر الايجابيات أولًا نجح الكاتب في تصوير بيئة الكتاب بالشكل المنشود، رأيت نفسي قد اعتدت بعد مجالسة الكتاب يومين واكثر على دخان السيارات وترقب الرينو 4 مع عقيلة وغيرها من ملامح القصة، اللغة كانت بسيطة خالية من التكلّف ولم أمانع استخدام العامية في بعض المواضع على غير عادتي تمامًا فوجدتها خدمت القصة والشخصيات إلى حد كبير. الشخصيات محبوكة بشكل جيد والأحداث تتمتع بقدر من السلاسة في معظم أجزاء الكتاب، ومن أفضل ما ميز الكتاب في عينيّ هو القدرة عل الاحتفاظ بانتباه القارئ حتى بعد العديد من المفاجآت المتتابعة، هنالك دائما حبكة تستحق التطلع إليها اثناء القراءة.
السلبيات؟ الرواية في الثلث الاخير تفقد رؤيتها الواضحة التي تجلت بأوضح صورها في النصف الاول فتتفرع إلى ألف نقطة وتفشل في تحقيق جميعها تقريبًا، خاصة مع النهاية التي أقل ما يقال عنها غير مرضية خاصة عندما يقطع الكتاب عهودا كالتي قطعها أغالب مجرى النهر،لا أبالغ عندما أقول أنني شعرت بشعور الارتطام بحائط بعد عدو مئة كيلو متر عندما أدركت أنني وصلت للصفحة الأخيرة. قد تظن أن كتاب بهذا القدر من الطموح جريء وشجاع لكن الكثير من الجبن حاضر ويتجلى في التراجع عن قرارات أخذت في منتصف الكتاب أعطت قوة للرواية وسير الأحداث. الجزء البوليسي من الرواية شبه معدوم وينسى القارئ بالغالب وجوده أصلََا في اغلب الكتاب وعلى الأرجح أن الكاتب نفسه نسي وجوده أيضََا. قرأتها بسبب فوزها بجائزة البوكر لكن برأيي المتواضع ليست بمستوى من نالوا الجائزة من قبلها.
الرواية تشعر إنها منقسمة إلي نصفين ١٤٠ ص يمثل النصف الاول ثم بقية الرواية تمثل النصف الثاني وكل نصف له ملامحه منها البراقة ومنها المخزية
النصف الأول : رواية بوليسية بمتياز بها لمسة رعب بسيط تركز من الناحية الاجتماعية علي المرأة وما تعانيه من عادات وتقاليد وحتى انحرافات وجرائم فأحسست أن من إنصاف الكاتب أنه ذكر هذه الافعال والاحداث بصوت الضحية نفسها مما يجعل القارئ يتعاطف ويدرك بشكل كبير بشاعة الموقف _____
النصف الثاني : أكثر تعقيدا وتشتتا بين الموضوعات والاحداث الحاضر والماضي حتى ان بعض الانتقالات (وأنا من محبين الانتقالات الادبية) لم تكن منطقية وتسائلت لماذا يتلاعب الكاتب بهذا الاسلوب فلا هو مشوق ولا مفهوم... ** من أهم النقاط التي يجب التركيز عليها في هذا الجزء هو أنك حتى لو أعطيت للرواية نقطة واحدة أو نصف لا يمكنك أن تخرج منها وهذه الفكرة غير مترسخة في ذهنك : "إن الحروب قد تلد فأرنًا وتجعلهم على رأس السلطة والسيط بينما تهوى بالضباع إلى سابع أرض وتجعلهم خونة" ومن رأيي فإن الكاتب نجح في توصيل هذه الفكرة أيضًا و بما أن الرواية في الجزائر فمن الطبيعي أن يتم ملامسة تاريخ الحرب والاستقلال ولو بشكل مخل لانه من البناء الملازم للاحداث الدرامية
*** عيوب النصف الثاني : الرواية بها الكثير من العلاقات الجنسية المحرمة وقد تصل حد زنا المحارم مما لم أجد أي داعي له لا في الحبكة ولا النهاية الرواية
في النهاية الرواية تجذبك وتجعلك تكملها حتى النهاية ولكن لا تجد فيها المتعة المطلوبة ولا الحكمة التي قد يستشفها القارئ من مجمل الرواية فقط تسليط الضوء على بعض الافكار المتناثرة وغير المرتبطة.... النهاية المفتوحة لم تكون موفقة في رأيي.
في بلدة نائية من جنوب الجزائر، حيث الصّيف يطول ستّة أشهر، نصادف امرأة شابة ووالدها. ظاهريًا، تبدو العلاقة بينهما متينة، لكننا ندرك أنّها علاقة مشحونة مع توالي الأحداث، حيث تُتهم المرأة الشابة بقتل زوجها.
من خلال تلك الحبكة البوليسية، تنطلق رواية "أغالب مجرى النّهر" لسعيد خطيبي، لتقدم صورة معمّقة عن المجتمع الجزائري الذي لا يزال في صراع مع ذاكرته المليئة بالعنف والعنف المضادّ. ورغم محاولات الأفراد تجاوز إرث الآباء والأجداد، يجرفهم التاريخ مثل نهر، إلى مصير يناقض ما يحلمون به.
تستكشف الرواية، في 288 صفحة، التحولات التي عايشها المجتمع الجزائري منذ الحرب العالميّة الثّانية، ثم حرب التّحرير ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962) وما تلاها. وتنقسم الرواية، الصادرة عن دار النشر هاشيت أنطوان في بيروت، في سردها على علاقة الآباء والأبناء ببعضهم البعض، إذ يقدّم كلُّ منهما منظورًا مختلفًا للحكاية.
فهناك، منظ��ر الأب "عزوز"، الذي يمثّل التناقضات التي تحكم موقع الأبوة في مجتمع ما بعد الاستعمار، ويُحمَّل تاريخًا مؤلمًا لا يملك القدرة على محوه، إذ تطارده "كيّة" على ظهره، وهو وشم يوصم به الذين يشتغلون بالعمالة مع المُستعمِر.
لا يلاحق الوصم، الأب وحسب، بل يمتد إلى ابنته عقيلة وابنه ميلود. وتصبح الأبوة محاصرة بالخزي بدلًا من الشرعية الرمزية التي يمنحها النّظام الأبوي التقليدي. بذلك، تطرح الرواية سؤالًا حول ما إذا كان الأب قادرًا على حماية هويته من التصدع، أم أنه -مثل ابنيه- ضحية لإرث الاستعمار الذي لا يمكن الهروب منه.
يعكس السرد الروائي صورة مجتمع الجزائر ما بعد الاستقلال بوصفه فضاءً مضطربًا نفسيًا بين هيمنة التقاليد ومشاعر الاستقلال، حيث تُشكّل التقاليد الاجتماعية الصارمة أيضًا قيودًا تُكبّل حرية الأفراد، وتحدّ من اختياراتهم. تتجلى تلك الاضطرابات في صورة تقديس سلطة الوالدين إلى حدّ يمنع مساءلتهما أو تجاوز نفوذهما.
هذه الطاعة المطلقة، الناجمة عن الخوف من المواجهة أو عواقب التمرد، تُحوِّل الأبناء إلى أسرى لإرث آبائهم، مما يؤدي إلى تفكك الروابط الأسرية. إذ يُنكر ميلود، ابنته غير الشرعية خوفًا من رد فعل والديه، تاركًا إيّاها تواجه مصيرًا مأساويًا. تُعدّ هذه المأساة تكرارًا لمعاناة والده عزوز، الذي سبق وتهرّب أيضّا، من تحمل مسئولية طفل أنجبه من علاقة غير شرعية.
يعبر عزوز عن تلك العلاقة المتوترة بقوله: "لا أحد يعرف أبناءه حق المعرفة"، وهو ما يعكس العزلة التي يعيشها الأبناء داخل إطار أسرهم.
أما الابنة "عقيلة"، طبيبة العيون، تجد نفسها عالقة بين سلطتين يفرضهما المجتمع: سلطة والدتها "قمرة"، التي ورثت تنشئة بطريركية من جهة، ومن جهة أخرى سلطة زوجها مخلوف تومي، الطبيب الشرعي الذي يُمارس العنف الجسدي والرمزي عليها.
تعبر عقيلة عن حالها مع أمها وأم زوجها، وتقول: "إنّ الأمهات يعاملن أبنائهنّ كغنائم حرب. يريدونهم خاضعين لا يجادلون". ومن خلال عقيلة، يطرح الكاتب سؤالًا فسلفيًا نادرًا ما تتناوله الرواية المعاصرة حول الرغبة في الأمومة وكيفية ممارستها، وهل يلعب الخطاب السائد دورًا في تشكيلها؟، وتقول عقيلة عن علاقتها بابنتها: "لم أحسم أمري: هل أحبّها (ابنتي) أم أنني أمارس أمومة بالفطرة؟ مع أنني تمنّيت في صغري أن أصير أمًّا".
من جانب آخر، يتطرق الكاتب، إلى سطوة الأبوة حتى بين الفئات المتعلمة، ويتجلى ذلك في شخصية زوج عقيلة، الطبيب مخلوف تومي، الذي لا يختلف عن بقية أفراد مجتمعه في تمسكه بالنموذج التقليدي للأبوة. وتصف عقيلة زوجها مخلوف، قائلة: "تمنّى أن يُرزق بذكر، لكنني أنجبت أنثى، فصيّرني عدوّة له. يعلم أن الرجل هو من يحدد جنس الجنين، لكنه ينكر الأمر عن نفسه. سألته عقب الولادة عن اسم لابنتنا، فجاوب: الزواج الذي لا ينجب ذكرًا إنما مضيعة للوقت". تناول المفكر الفرنسي فرانز فانون وعدد من المفكرين البارزين التحولات النفسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع الجزائري عقب ثورة التحرير، ودور النساء في هذه المرحلة المفصلية. وسلطّوا الضوء على معاناة النساء اللاتي فقدن أزواجهنّ وتحملّن مسؤولية تربية الأبناء وحدهنّ، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل ملامح العلاقات الجندرية داخل المجتمع.
غير أنّ رواية خطيبي تكشف أنّ الأدوار الجندرية ظلّت دون تغيير ملحوظ، بسبب غياب الوعي في العلاقات بين الجنسين داخل الأسرة، فضلًا عن هيمنة تيارات دينية متطرفة على بعض فئات المجتمع، مما أدى إلى تصدّع الأسر مع انتشار العنف والتمييز ضد المرأة.
وفي السياق، لم يفوّت خطيبي الإشارة إلى دور النساء في حرب التحرير، وذلك من خلال شخصية قمرة ديلي، التي رافقت الفدائيات، أو شهلة البرق التي يصفها الكاتب بأنّها: "كانت تنفّذ عملياتها بسرعة البرق، منطلقة إلى الأمام لا تلتفت خلفها. كانت فدائية في حرب التّحرير". وهنا، يشتبك السرد كذلك مع الصّور النمطية التي تجعل الرجل ممثلًا للعنف، بينما المرأة تمثّل العاطفة. فشخصية شهلة عذّبت من اٌتّهموا بالعمالة.
تستكشف "أغالب مجرى النّهر" أيضًا العلاقة المتوترة بين الطّب والدّين، قبل أن يلتقيا في تشكيل الوعي الجمعيّ ما بعد الاستعمار. فالطبيب، الذي كان فرنسيًا خلال الحقبة الاستعمارية، لم يكن مجرد معالج، بل كان رمزًا للسّلطة. يصبح الطّبيب في مرحلة ما بعد الاستقلال وريثًا لهذه السّلطة، لكنه يظلّ في صراع مستمر مع الدين، الذين يشغل موقعًا متقدّمًا في المجتمع الجزائري.
يأخذ الكاتب هنا مثالًا حول التبرع بالأعضاء البشرية لإنقاذ الأرواح، وهي قضية تغيب إلى حدٍ كبير عن الأدب العربي. إذ يؤدي ضعف ثقافة التبرع بالأعضاء في المجتمع الجزائري، إلى ممارسات غير أخلاقية مثل اختلاس أعضاء الموتى، فيستعين مخلوف تومي، الطبيب الشرعي، بزوجته عقيلة، لسرقة أعضاء الموتى مقابل أرباح مادية.
يتخذ هذا الاستغلال الجسدي للموتى بُعدًا رمزيًا، حيث يتم التّعامل مع الجسد كسلعة، في مجتمع تحرر لتوه من استعمار ترك إرثًا مليئًا بالعنف والاستغلال الجسدي.
تُعدّ "أغالب مجرى النهر" امتدادًا لمشروع خطيبي الأدبي، إذ يركز في رواياته على نقد وتعرية جذور وأشكال الاستبداد والإقصاء داخل المجتمع الجزائري، سواء كانت ظاهرة أم مستترة، بأسلوب مشوّق.
وقد اختار لغة تتناغم مع حبكته مثل تعدد الأصوات، والمونولوج الداخلي، بالإضافة إلى المزج بين الأجناس الأدبية. إذ ارتكز السرد على ذاكرة شخصيتي الأب والابنة، بينما تتداخل الشخصيات الأخرى عبر مقاطع سردية قصيرة تقطع تسلسل الأحداث.
ومع غياب عناوين للفصول، يتطلب النص من القارئ تركيزًا مستمرًا لحلّ لغز القاتل، وفهم سياق التحولات الاجتماعية في هذه الحقبة التاريخية. فيما لم يكن التاريخ في الرواية مجرد خلفية، بل عنصر ديناميكي يُعيد إنتاج صراعات الحاضر مع الماضي، مما يفتح المجال لمساءلة البُنى القيمية والاجتماعية.
ه "بعد أن أنهيتُ الرواية، اضطررتُ للبحث والقراءة عن تاريخ الجزائر خلال فترة التسعينيات و'العشرية السوداء'، فصورة الوضع السياسي التي قدمها الكاتب لم تكن واضحة بما يكفي، وأظن أن من يجهل تاريخ الجزائر لن يستمتع بها تماماً.ه
لم أرَ العمل كرواية بوليسية بالمعنى التقليدي، بل هي رواية سياسية بامتياز؛ استخدم فيها الكاتب التحقيق في الجريمة كأداة لتصوير الوضع الاجتماعي والسياسي المتأزم خلال تلك الفترة وما تلاها.ه
لقد أظهر الكاتب المجتمع في أسوأ حالاته؛ حيث لم يقتصر الفساد والخيانة والتحلل على الجانب السياسي فحسب، بل امتد ليشمل الأبعاد الاجتماعية والأسرية أيضاً، وفي تقديري الشخصي، فقد بالغ الكاتب في قتامة هذه الصورة." ه
"الرواية تقدم تجربة شعورية مكثفة، لكنها تترك القارئ غارقاً في تساؤلات تاريخية قد لا يجد إجابتها داخل النص وحده".ه
"في هذه الرواية، مشرحة، عيادة، وغرفة تحقيق تُستجوب فيها امرأة متهمة بمقتل زوجها. في الطرف الآخر من المدينة، مناضلون قدامى يرجون رفع تهمة العمالة التي أُلصقت بهم لأسباب مختلفة. حدثان مختلفان تتكشّف العلاقة بينهما مع تقدّم الرواية، التي تؤرّخ لنصف قرن من تاريخ الجزائر، من الحرب العالمية الثانية حتى مطلع التسعينيات، مروراً بحرب التحرير وما تلاها. وتكشف اللثام عن أزمات اجتماعية مسكوت عنها مثل: الشروخ بين الأجيال، الهوة بين الآباء والأبناء، الزيجات الفاشلة والهرب منها إلى العلاقات السرية، الأمومة ومشقّاتها، التبرّع بالأعضاء البشرية والاتّجار بها... في هذه الرواية أناس من مدينة نائية في الأطراف متسلّحون بالأمل، معلّقة أقدارهم بشخص آتٍ إليهم من عاصمة البلاد لعله يغير واقعهم. ويقتل الحلم والأمل بموت الصحفي بودو في حادث سير وهو في طريقه اليهم"
كنت مستمتع بالنصف الأول من الرواية ولكن اتي النصف الثاني ليطيح بكل ما فعله النصف الأول... ولا ارى هذه الرواية بوليسية فلا يهم من هو القاتل وليس هذا هم الرواية من الأساس.
عودة لتسجيل انطباعي بعد إعلان فوز الرواية بجائزة البوكر ٢٠٢٦ .. و حقيقة أنه من بين روايات القائمة القصيرة التي قرأتها كانت هذه الأفضل بالنسبة لي رغم أني لم أتوقع فوزها بالجائزة ..
رواية تدور أحداثها حول جريمة قتل تتهم فيها زوجة القتيل .. فيها غموض مثير يدفعك للإستمرار في القراءة دون توقف بلغة مباشرة مناسبة لمجرى أحداث الرواية ..
على هامش الرواية تطرق الكاتب للعديد من القضايا مثل العنف الأسري و العلاقات العائلية و الفساد و تقدير الثوار و غيرها ..
رواية جميلة و ممتعة في تقلباتها رغم بعض المصطلحات و المفردات البذيئة لكنها تأسرك منذ الصفحة الأولى ..
"ليتني كنت بلا عينين أنا أيضاً، فلا أرى ما سيحل بي وبعائلتي."
(جريمة، ظلم، صمود) رواية جريمة قتل مكتوبة بلغة سلسة مما يجعلها قراءة سهلة وسريعة. الجزء الأول ممتع لكنه يحمل صوراً نمطية مألوفة في روايات البو��ر، أما الجزء الثاني فبصوت الأب المهزوم يخترق أعماقك ويكشف عن قبح حقيقي متجذّر في المجتمعات من ظلم وجشع وازدواجية في المعايير، حيث قلّة هم الذين يحاولون “مغالبة مجرى النهر”.
مقالتي في رواية " أغالبُ مجرى النهر" للروائي سعيد خطيبي
مراوغة السرد والحكاية: قراءةٌ في رواية " أُغالبُ مجرى النهر" لسعيد خطيبي
إبراهيم رسول
يُقدمُ الروائيُّ الجزائري سعيد خطيبي روايةً جديدةً لا تستقرّ على وتيرةٍ سرديةٍ واحدةٍ مطمئنَّةٍ, بل تتعرّجُ وتُخفي أكثر ممّا تُظهرُ, تاركةً القارئ في منطقةٍ معلّقةٍ بين اليقين والاحتمال. هنا, يُمارسُ المبدعُ مراوغةً في السرد والحكاية, وتصبح هذه التقنية أداةً جماليةً لكشف المعنى عبر تأجيله حتَّى قراءة الرواية كاملة, عبر نصٍّ يُتقنُ فنّ اللعب السردي غير المباشر, وهذا ميدانٌ يتبارى فيه المبدعونَ ليتفردوا في مسافاتٍ خاصّةٍ بهم, وميدان لا يدخله غيرهم. هذه الرواية التي نالت الجائزة العالمية للرواية العربية ( البوكر سنة 2026), تحملُ الوطن الجزائر في نبضها بوصفه النبض الذي يبعث الحياة لسُكانه, وأجدُ أنَّ تثنيةً ( المراوغة) قد كانت هي التقنية التي قام السرد عليها في بنائه الكليّ, لهذا سأتناولُ هذه التقنية فقط دون غيرها في هذه المقالة وأجدُ أنَّ قراءةَ عقلية المبدع في طريقته التي انتهى إليها هو ميزةُ النقد الأدبيّ الذي يسألُ عن الآلية أكثر من التأويل الذي هو اشتغالُ النقد الثقافيّ, فما أتناوله هنا, هو نقدٌ أدبيٌ أملُ أنْ يكونَ خالصًا للنقد الأدبي, ذلك العلم الذي يهربُ منه المبدعونَ على اختلاف أجناس وأنواع ما يكتبون, ومحنةُ النقد الأدبي أنَّه غيرُ مقروءٍ كما يقرأ غيره, وهذه المحنةُ يُعاني منها الدرس النقدي والنُقاد كثيرًا, بل المحنة الأشد, حين لا يقرأ المبدعون ذاتهم ما يُكتب في نصوصهم وتلك مصيبةٌ عظمى. لهذا سأقرأ في هذه المقالة طريقة المبدع في خلقه هذا العمل بالصورة التي ا��تهى إلينا بها, وأجدُ أنَّه يشتغلُ على تلك الحدود التي تتأرجح بين منطقتي الخيال والحقيقة, إذ تنطلق هذه القراءة من مقاربة سردية تعنى تحليل تقنية بنائية بارزة في الخطاب الروائي وهي تقنية المراوغة بوصفها آلية اشتغال نصّي. المقصودُ من مفهوم المراوغة هنا في هذا العنوان المقالي, ليس ذلك المعنى المباشر اليومي الشائع المعروف ( الخداع أو الالتفات السلبي), بل هو مفهوم جمالي سردي, يشيرُ إلى طريقة اشتغال النصّ في تقديم الحكاية بشكلٍ غير مباشر وغير مستقرّ, أيّ أنّ المعنى لا يُقدم مباشرةً, بل يؤجل ويُترك للقارئ أنْ يُعيد تشكيله وتأويله في عقله, فالنصُّ ليس حقيقة مكتملة, بل يدخل في احتمالات متعددة, وهذا الأسلوبُ يقوم على تجنّب التصريح المباشر وإزاحة المعنى عن مساره الواضح, بحيث لا يقدم الحدث أو الفكرة بشكل خطّي أو مكشوف, بل عبر التلميح والإيحاء, فالسردُ هنا لا يحكي كل التفاصيل, بل يحيلها إلى المتلقي ليكتشفها بنفسه, وهذا ما نجده في الرواية, إذ السارد يدور حول المعنى ويراوغ ويختفي خلف الكلمات وأفعال شخصياته, ونرى أنّ الكاتبَ راوغَ مع المتلقي عبر ظهوره واختفائه, عبر صوته وصوت الشخصية, لدرجة أنّك تحتار بين الصوتين, صوت المؤلف أم صوت الشخصية! ومردُّ هذا إلى التقنية التي استعملها بمهارة, فلهذا يُرجّح احتمال أنْ يكون النص من بقايا ذاكرة مهشمة وتُعاني من تهشمها القديم, فخرج النصّ يبحثُ له عن محطة يستريح عندها ويبّثها همومه. السؤالُ الذي يلّح هو ما الفائدة من اتخاذ هذه التقنية في السرد الروائي؟ والجوابُ هو لضرورةٍ جمالية صرفة, فالابتعادُ عن السطحية أو العاديّة هو اشتغالٌ جماليٌّ, إذ تمنح المراوغة عمقًا دلاليًا بديلاً عن المباشرة المستهلكة, وثمّة ميزة أخرى مهمة وهي, إشراك المتلقي في صناعة المعنى, بدل تلقّيه جاهزًا وعندها يشعر ُ بالمللِ من رتابة النصّ, فالجمالُ يكونُ في المضمر وليس في الظاهر المباشر, ومثال هذا هو القصة التي قدّمها, وعلى نحوٍ أخص, طريقة تلقي موت تومي مخلوف زوج البطلة, فنحنُ قبل الحادثة لم تتضح طبيعة مخلوف لنا, إذ أدهشنا حادثه, وطريقة المحقق في الاستجواب, التي جعلتنا نتساءل هل كان الحادث جريمة أم قضاء وقدر؟ هذه المشاركة هي المراوغة , فالراوي يعرفُ السرّ لكنّه لمْ ينطق به, بل احتفظ بالسرّ وجعلنا نشرّق ونغرّب بالاحتمالات عسى أنْ نهتدي إلى أحدها, وهذا ما يُدعى باللف والدوران بالقرب من المعنى وعدم البوح به مباشرة, فأنت لا تستطيع أنْ تترك الرواية حتَّى تنتهي منها كاملة, لأنَّك أمام لُعبة سردية يمارسها سارد ذكي, يعرفُ أسرار صناعة الفنّ, فالسارد لم يخفِ الحقيقة كلها, بل مارسَ اللعب غير الإخفاء الجزئي للحقيقة من أجل تعميق حضورها فينا, وهو بهذا يحقّق وظيفة العمل الأدبي بوصفه عملًا أدبيًا لا خبرًا صحافيًا, والأدب ينفتحُ على التأويل بعكس الخبر الذي يعتمد الصدق بأيّ صورةٍ كان, يريد الوضوح التام والمباشر. والمتأمّلُ في دلالة العنوان سيجد فعل المراوغة حاضرًا بكلِّ وضوح, ( أغالبُ) التي تعني أقاوم أو أحاولُ أو أُعاكس, مجرى النهر, ومجرى النهر لا يقف عند حدود النهر فحسب, بل قد يكون مجرى الحياة, الواقع, الزمن, أو أي شيء يبدو سيره خطيًا وقويًا لكن السارد البطل هنا يريد أنْ يصارع هذا التيار, فدلالة المحاولة تجعلنا نسأل هل سينتصر أم سيغلب؟ هل يستطيع أنْ يثبت أو ينهار؟ فدلالة مفردة ( أغالب) متعددة الأبواب, وكلّها تصلح للعنوان, فهي تدلُ على صراع نفسي وإرهاق شديد بين قدرة الفرد على مواجهة ما هو أكبر قدرة منه, كأنّ الكاتب يريد أنْ يصنع اتجاهًا خاصًا مختلفًا لحياته, ولكنَّ هذا التيار يحمل من الصعوبة ما يُرهق البطل وهنا نحن نمضي مع العنوان ونفكك بمفردة ( أغالب) لنجد أننا نرى مصداقها مع الشخصية الرئيسة, الطبيبة والأم الأرملة, التي تحاول أنْ تقاوم ولكن التيار أشد قدرة منها, لكنّها عازمة على المواجهة وفعل المواجهة يدلُ على ما يريده المبدع, فهو لا يريد الخضوع والقناعة, بل يريد الاستمرار في المواجهة حتَّى تكون النتيجة لصالحه, وهذا نجد مثاله في رؤيته في قادة الثورة والاستقلال. مراوغة الحكاية, يمكن تمثيلها بإزاحتها عن مركزها باستمرار وهذا يتجلّى كلّما حاولنا الاقتراب أكثر, كأنّنا أمسكنا بذروة النصّ وفي لحظةٍ ما, يقفز ويهرب الكاتب ليجعل المعنى يتشظّى منّا ونحاولُ أنْ نواصلَ معه عبر لُعبته التي لا يصارحنا بها, فالسردُ في هذه الرواية ليس مستقيمًا, لأنَّه ناقصٌ وغير مكتمل ومؤجّل وموزَّعٌ بين طبقاتٍ زمنيةٍ مختلفةٍ, فهو تارةً يكون قريبًا من الحاضر وتارة أخرى يرجع إلى الماضي, وفي الحكاية فجوات أهملها عمدًا أو غير عمدٍ ليملأها القارئ بما لديه من خيال ومعرفة, فجوهر الحدث ليس واضحًا على الرغم من قربه منّا, فهو يتصاعد بسرده شيئًا فشيئًا حتَّى يصل الحلّ لكنه لا يقوله بل حينما يصل إلى الذروة نراه ينحرف إلى الجوانب, وكأنّه يوجه بوصلة التلقي نحو افتاح تأويلي حينما يرانا نعيا من الركض وراء الحلّ الذي يحسم لنا المعنى الذي تشكّل من خلال ربط الأحداث بعضها مع بعض, فالحكاية مثل النهر لا تُمسك, بل تنزلق لتبقى دلالة فعل ( أغالب) وإلّا فالنهايةُ منسجمةٌ مع البداية ومناسبة لها, فهذا الانزلاق المستمر يجعل الباب مفتوحًا على التأويلات, فالزمن ليس مستقيمًا بل متكسّرًا ومتشظّيًا مثل الذاكرة, وهذا ما يريد أنْ يقوله الكاتب في المجمل, ولكنّ هذا ليس كلّ ما أراد أنْ يقوله! غير أنّ هذه المراوغة، على ما تمنحه من عمقٍ دلالي وجاذبيةٍ فنية، لا تخلو من إشكالٍ نقديّ يستحقّ التوقّف عنده. فالإفراط في تأجيل المعنى كما في هذه الحكاية قد يُفضي أحيانًا إلى إضعاف التوتّر السرديّ بدل تعزيزه، حين يتحوّل الغموض من أداةٍ جماليّةٍ إلى عائقٍ إدراكيّ يربكُ أفق التلقّي. إذ إنّ القارئ، وهو يلاحقُ الخيوطَ المتناثرة، قد يجد نفسه أمام نصٍّ يُراوغ إلى حدّ الانفلات، بحيث تتكاثر الاحتمالات دون أن تتكثّف في بؤرةٍ دلاليةٍ قادرة على لملمة هذا التشظّي. ومن هنا يبرز سؤال التوازن والتأمّل: إلى أيّ حدّ يمكن للسرد أنْ يظلّ مراوغًا دون أنْ يفقد قدرته على الإقناعِ الفنّي؟ إذ تبدو رواية (أُغالبُ مجرى النهر) واعيةً بهذه الحافة الدقيقة التي تقف عليها، فهي لا تُسقط المعنى كليًا، بل تُبقيه في حالة كمونٍ قابلٍ للاستعادة، غير أنّ بعض مقاطعها تميل إلى إطالة المسافة بين الإشارة والدلالة، الأمر الذي قد يُشعر القارئ بأنّ اللعبة السردية تُدار أحيانًا لذاتها، لا لخدمة التجربة الحكائية. كما أنّ تداخل الأصوات، على الرغم من ثرائه الجميل، يطرح إشكاليّة التمايز السردي؛ إذ يوشك صوت السارد أنْ يذوب في صوت الشخصيّة، بما قد يُفقد النصّ لحظاتٍ من وضوحه البنائي. صحيحٌ أنّ هذا الذوبان يُسهم في خلق وهم الذاكرة المتشظّية، لكنه في الوقت ذاته يضع القارئ أمام مهمّةٍ تأويليةٍ مضاعفة، قد لا تكون دائمًا مُنتجة بالقدر نفسه, إنّ هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الجمالية للعمل، بقدر ما تكشف عن طبيعته المغامِرة، التي تُفضّل المخاطرة الفنية على الاطمئنان إلى الأشكال السردية المألوفة. فالرواية، في جوهرها، ليست نصًا يبحث عن اليقين، بل تجربة كتابة تُجسّد القلق ذاته، وتحوّله إلى بنيةٍ سرديةٍ قائمة على التردّد والانزياح. بهذا، يمكن أنْ ينتهي بنا القول إلى أنَّ مراوغة السرد والحكاية في رواية سعيد خطيبي ليست مجرّد تقنية، بل رؤية جمالية تعكس عالمًا لا يُمكن القبض عليه بسهولة، عالمًا يُشبه مجرى النهر ذاته: لا يُقاوَم إلا بقدر ما يُفلت. في المحصّلة، لا يمكن قراءة (أُغالبُ مجرى النهر) بوصفها حكايةً تُروى بقدر ما هي تجربةٌ تُعاش داخل اللغة، حيثُ لا يكون السرد وسيلةً لنقل الوقائع، بل أداةً لإعادة تشكيلها وفق منطقٍ مراوغٍ يُقاوم الثبات. إنّ هذه الرواية لا تُقدّم المعنى بوصفه نهايةً محتومة، بل بوصفه أفقًا مؤجّلًا، وكلّ محاولةٍ للقبض عليه تُعيد إنتاجه بصيغةٍ أخرى. ومن هنا، فإنّ القيمة الحقيقية للعمل الإبداعي لا تكمن في ما يُقال، بل في كيف يُقال، في تلك المسافة الدقيقة بين الإظهارِ والإخفاء، حيثُ تتولّد دلالةٌ لا تُعطى كاملة، بل تُنتزع انتزاعًا عبر فعل القراءة ذاته. وهذا ما يجعل النصّ أقرب إلى اختبارٍ جماليّ لوعي القارئ، لا إلى مجرّد مادةٍ حكائية تُستهلك. لقد نجح الروائي سعيد خطيبي في أنْ يجعل من المراوغة بِنيةً وزينة، ومن الالتباسِ طاقةً دلاليّة لا نقصًا، بحيثُ تتحوّل الحكاية إلى مجرى لا يُمسك، والسرد إلى فعلِ مقاومةٍ موازٍ لذلك الذي يوحي به العنوان. وهنا تحديدًا، تتجلّى المفارقة: فكما يُغالب البطلُ مجرى النهر، يُغالب القارئُ مجرى المعنى. إنَّها روايةٌ لا تمنح قارئها الإجابات الجاهزة، بل تُغريه بالأسئلة، ولا تمنحه اليقين التام، بل تدفعه إلى الارتياب المُنتج؛ ولذلك فهي لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل ربما تبدأ منها! حيثُ يُدرك القارئ أنَّ ما أفلت منه أثناء القراءة، هو تحديدًا ما يمنحها قدرتها على البقاء.
Writing رواية مشوّقة بأسلوب سردي جذاب وأحداث متسلسلة تحافظ على اهتمام القارئ. لكن يؤخذ عليها الحضور الواضح للنزعة الذكورية، مما أثّر جزئياً على تجربتي.
طريقة عرض خطوط الرواية توحي بأن لها قصتين؛ رئيسية عن عقيلة وزوجها وتهمة القتل. وثانوية عن عزوز المناضل المتهم بالخيانة. في حين أنني كقيمة انسانية للقصتين، وكاتزان في عرض تفاصيل كل قصة منهما وجدت قصة عزوز الخالدي هي القصة الأقدر على حمل رواية ورفع قضية وخلق ملابسات. لا أنكر أن ملابسات قتل مخلوف التومي فيها ذكاء بوليسي لدى الكاتب حيث خلق لكل شخصية دافعاً للقتل، ومهرباً يبرءه بينه وبين القارئ. كما نسج ظروف توقع التهمة على جل الشخصيات المشكوك في أمرها ما عدى الشخصية الوحيدة التي اعترفت بالقتل وهي عزوز، الذي كان في العاصمة يوم تسميم مخلوف. ولخلق أسباب لدى لا يقل عن 6 أشخاص لقتل مخلوف، وضعنا الكاتب أمام عدة صراعات وجميعها محقة. الزوجة المعنفة عقيلة، قد تقتله اليتمية المنتهكة ريمة التي ورطها بحمل قد يودي بحياتها قد تقتله والد اليتيمة المنتهكة ميلود لديه أسبابه للقتل طاطا نوسة زوجة الراحل الذي وصم بالعار بسبب تقرير مخلوف لديها حافز للقتل ثامر الذي قد يبدو دفاعه عن إحدى بنات الماخور السبب المباشر إلا أنه يكرهه لأنه تزوج من عقيلة التي يحب. عزوز نفسه والد عقلية وارد جداً أن يقتل الرجل الذي يتطاول على ابنته وتسبب بحمل حفيدته وهكذا حاك الكاتب عدة شخصيات وظروف حول مخلوف الذي رغبنا جميعاً كقرّاء أن نتخلص منه، ولكن الجريمة بما فيها من تحقيق وغموض ما هي إلا قالب تشويقي لحمل القصة الأصلية لعقيلة. الفتاة التي استثنيت من الحب لأنها فتاة، في مجتمع يحب الذكور. ثم لم يساعدها قدر الجمال الضئيل الذي تمتعت به مع سمنة مفرطة أو غير مفرطة على اكتساب قلب زوجها، الذي لم تكن تعرف أنه مدمن أصلاً للعلاقات الغير شرعية مع يتيمات الملجئ الذي يصرف عليه. قلة الحب من أمها ثم من زوجها، وإهمال أو تغاضي والدها عنها وعما تمر به رغم أنه يسمع بأذنه صوت الصفعات جعلها أم غير متوازنة. شخصية عقيلة يصعب تحديد معالمها. معتقدها الأخلاقي ضبابي وكذلك الديني... يصعب تبينه من خلال تعليقاتها على كل ما ترى حولها. ولكنها على أقل تقدير وبالتأكيد شخص لا يطلق الأحكام. هي لم تكره سالي لأنها مثلية، ولم تنفر من ريمة لأنها حامل، وتتجنب أي أحكام على تصرفات وغيابات ميلود. جانب واحد يحاول التجلي في شخصيتها وهو أنها لا تقتنع بانتهاك حرمانية جسد المتوفى في حال استأصلت منه جزءاً لم يعد يفيد الجسد البالي في شيء، بينما يمنح بصراً لإنسان ما. هي في هذه القضية أخلاقية بدرجة معينة ومريبة بطريقة ما. أما مخلوف مثلاً فنحن نعرف تماماً أنه يفتقر لأي جانب أخلاقي فيما يخص استئصال القرنيات وينظر للأمر من ناحية مادية فقط. تجارة قذرة لا يرغب بمد يده إليها ولكن يستفيد من المال الناجم عنها.
الرواية ككل فيها عرض غير مباشر وعادل جداً للفترة التي تتناولها، أي إبان العشرية السوداء ما قبل سيطرة الإسلاميين وبدء 10 سنوات من الإرهاب. وأجدها أكثر متانة من رفيقتها "منام القيلولة لأمين الزاوي" التي تتعرض لنفس الفترة الزمنية. وأقصد بأكثر متانة أي في عرضها لأحوال المدينة وعلاقات الناس تجاه بدايات الإرهاب. حيث لم يكن خطيبي فظاً في عرضه ولا مباشراً، ونقل صدى الشارع بدقة حيث يشاهدون إغلاق المحلات ولا يعرفون تفسير ذلك. أو يفهمون سبب إحراق محل معين ولكن كل مشغولة بشؤونه. ليست فيها المباشرة التي خاطب بها أمين الزاوي قراءه بدون حياد. وملفت للنظر اشتراك الروايتين بثيمات عدة، ومنها تخوين الفدائيين لبعضهم، ومعاناة الناس من صعود الإسلاميين رغم أنهم هم من تبنوهم في بداياتهم. وبالضرورة ثيمات المجاهدين والفدائيين والاستقلال ثم صعود الإسلاميين.
ولكن على النقيض فقد سقط خطيبي في مطب المباشرة والمبالغة في عرضه للعلاقات بين الشخصيات. أولاً وكأن بيوت الدعارة هي شريان الحياة للرجال. يخرجون منها ومرجعهم إليها. وكلما اقتربت من سر أحدهم، وجدته أودع طفلاً في أحشاء سيدة ما بدون زواج. ثانياً تداخل وتشابك العلاقات بين شخصيات الرواية يشبه القرى الصغيرة وليس المدن. صحيح أن بعض الشكوك تم نفيها، كأن تكون ريمة حامل من والدها ميلود، أو أن يكون ثامر هو ابن ياقوت من عزوز، ولكنها رغم نفيها قائمة كاحتمال وكلها احتمالات مقززة. كما تتقاطع أغالب مجرى النهر لسعيد خطيبي مع فوق رأسي سحابة لدعاء ابراهيم من نفس القائمة القصيرة لعام 2026 في ذات الثيمات. زنا المحارم واغتصاب الأقارب، الحمل من المحارم، غرف الإجهاض الغير شرعية، غياب الأب، وأخيراً القتل.
بالعودة للخط السردي الثاني في الرواية، والذي كما أسلفت أعتبره الأقوى. فأجده واقعياً جداً. مجاهدين ومناضلين وفدائيين يخوضون حربهم ضد المستعمر ثم تنشب بينهم الخلافات لأسباب قد لا تتصل بالقضية الفدائية بحد ذاتها، ثارات وتصفية حسابات بين أولاد المنطقة الواحدة تجعل الأجواء مشبعة بإلقاء التهم والتخوين. المسألة هي أن الخائن أو الحراكي كما يسمونه فعلياً في الجزائر، لم يوصم بالعار وحده، وإنما عانى من عاره زوجته وأولاده وحتى إخوته وأقاربه. وهو الهاجس الذي أرق منام ويقظة عزوز الخالدي في الرواية، والفكرة الأجمل هي أن يعرف هؤلاء الحراكية بعضهم، ويميزون الحراكي الحقيقي ممن لفقت له التهمة، فيشتركون في هم واحد ويؤسسون "جمعية قدامى المناضلين المستبعدين" التي يكون مقرها غرفة خلفية لبيت دعارة. صورة سينمائية بديعة تخرج من هذه الفكرة. كما أن عزوز استطاع جذبي معه كقارئة إلى غرفتهم تلك لأخوض معهم النقاش وأفكر بهاجسه عن قرب. أحاول أن أجد له مخرجاً بهذه الدمغة على ظهره التي لا مهرب من كشفها يوماً ما. هذه قضية حقيقية ونبيلة خلقها الكاتب، تورط القارئ في تفاصيلها وتجذبه إلى عمقها. أبدع خطيبي في سردها.
أسلوب الرواية في نقل المشاهد بين غرفة التحقيق والأحداث التي يتم التحقيق بها أخالها مأخوذة عن الرواية السباقة في هذا الأسلوب وهي رواية "كذبات كبيرة.. صغيرة" للأسترالية ليان موريارتي.
السؤال الذي يروادني بعد قراءة الرواية: "هل حقًا تستحق جائزة البوكر لهذه السنة؟" عمل يثير الإعجاب بقدر ما يثير الإرهاق، رواية ذات طموح سردي واسع تحاول أن تكتب تاريخًا كاملاً داخل جسد حكاية واحدة.
تقوم الرواية على تقنية تعدد الأصوات، حيث تتوزع السلطة السردية بين محورين رئيسين: عقيلة، الطبيبة المختصة بطب العيون؛ ووالدها عزوز، المجاهد السابق الذي تطارده ظلال الاتهام بالتعاون. هذا التعدد يمنح النص قدرة على خلق حقيقة متشظية، حيث لا توجد رواية واحدة نهائية، وإنما طبقات من السرد تتقاطع وتتناقض، في محاولة لتمثيل نسبية الحقيقة الإنسانية والاجتماعية.
عقيلة تشكل القلب الرمزي والفلسفي للرواية. مهنتها في زراعة القرنيات تتحول إلى استعارة مركزية عن الرؤية والعمى، ليس فقط بالمعنى الجسدي، وإنما الأخلاقي والاجتماعي. إنها امرأة ناجحة مهنيًا، محاصرة في الوقت نفسه بقيود ثقافية وأسرية عميقة، تعيش صراعًا داخليًا بين رغبتها في الاستقلال وذاكرة تربية قائمة على السلطة الأبوية. علاقتها بابنتها، وتأملها في معنى الأمومة، تكشف عن رؤية حادة لدور المرأة داخل مجتمع يحمّل الأمهات مسؤولية إنتاج الطاعة أكثر من إنتاج الحرية.
في المقابل، يمثل عزوز ذاكرة التاريخ الثقيلة، حيث يتحول صوته إلى سجل حيّ يستعرض تحولات المجتمع الجزائري عبر عقود طويلة. اتهامه بالتعاون لا يهدد سمعته فقط، وإنما يهدد تعريفه لذاته ولتاريخه الشخصي، ويكشف عن فكرة أن الماضي لا يختفي، وإنما يظل كامنًا في العلاقات العائلية، في الشكوك، وفي الشعور المزمن بالعار.
أما مخلـوف زوج عقيلة، فحضوره يتجلى من خلال أسراره المهنية ونظرته القاسية إلى الزواج والأسرة، حيث تتحول أفكاره حول الذكورة والإنجاب إلى نقد مباشر للعنف الرمزي الكامن في بنية المجتمع. موته الغامض يشكل المدخل البوليسي للنص، إلا أن هذا الإطار لا يُستخدم لبناء توتر تقليدي بقدر ما يتحول إلى أداة لفحص بنية مجتمع كامل، حيث يصبح السؤال الحقيقي ليس من قتل، وإنما لماذا تتولد الرغبة في القتل أصلًا.
الرواية تنتمي ظاهريًا إلى الأدب البوليسي، لكنها تنحرف تدريجيًا نحو التأمل التاريخي والنفسي، حتى يكاد المسار البوليسي يتراجع لصالح الذاكرة والتفكير. هذا التحول يمنح النص عمقًا فلسفيًا واضحًا، لكنه في الوقت نفسه يخلق إحساسًا بالبطء، خاصة مع الإصرار على تسجيل تفاصيل دقيقة وممتدة عن الأشخاص والأماكن، إلى درجة تفقد فيها الحكاية أحيانًا زخمها الطبيعي.
أحد أبرز إنجازات الرواية يكمن في قدرتها على تصوير أثر التاريخ في الحياة اليومية، وكيف تتكرر أنماط العنف والسلطة عبر الأجيال. فكرة مغالبة مجرى النهر لا تعني فقط التمرد على المجتمع، وإنما محاولة التصالح مع الذات وسط ذاكرة جماعية مثقلة بالخسارات والخيبات. مع ذلك، فإن هذا الطموح التوثيقي الواسع يتحول أحيانًا إلى عبء سردي، حيث تتراكم التفاصيل على حساب الإيقاع، وتبدو اللحظات المضيئة داخل النص كجزر لامعة وسط بحر طويل من الاستطراد.
الرواية، في جوهرها، تجربة طموحة تحمل أفكارًا كبيرة وأسئلة عميقة حول الهوية والذاكرة والسلطة العائلية، لكنها تتطلب صبرًا طويلًا من قارئها، إذ تتركه معجبًا بمدى اتساع رؤيتها، ومتعبًا في الوقت نفسه من ثقل رحلتها.
عندما بدأت بقراءتها توقعتها رواية “تحقيق” وجريمة، تسير بخط واضح. لكن ما حدث معي كان مختلفاً… الرواية أخذتني إلى عمق آخر: مكان فيه خوف قديم، وذاكرة أثقل من الشخصيات نفسها، ومجتمع يسرع بالحكم أكثر من بحثه عن الحقيقة.
أكثر ما أثر بي هو شعور الشخصيات بأنها محاصَرة… ليس فقط بما حدث، بل بما يُقال عنها، وبما يُفترض أنها تمثّله. كأن الإنسان هنا لا يكفي أن يكون بريئاً، بل يجب أن ينجو أيضاً من الشبهة، من كلام الناس، ومن تاريخ لا يرحم. وفي الرواية، أحياناً تكون الشبهة أقوى من الدليل، والصمت يصبح “حلّاً”، لأن الكلام قد يجرّك إلى مزيد من الاتهام.
الرواية تضعك أمام سؤال بسيط لكنه مؤلم: هل نبحث حقاً عن الحقيقة… أم نبحث عن نهاية تُغلق القصة فقط؟ وأنت تقرأ، تشعر أن التحقيق أحياناً لا يهدف إلى إنصاف أحد، بل إلى ترتيب رواية مقنعة أو أقل إزعاجاً… وهذا ما نراه في الحياة، ليس فقط في الكتب.
أما العنوان «أغالب مجرى النهر»، فهو قلب الرواية. النهر هنا ليس ماء… بل تيار كبير: تاريخ، خوف، عادات، سلطة، وكلام الناس. والشخصيات تحاول “مغالبة” هذا التيار… أحياناً بوعي، وأحياناً فقط بمحاولة البقاء. ليس انتصاراً صاخباً، بل مقاومة هادئة: التمسك بالنفس، بالكرامة، وبحقيقة صغيرة وسط ضجيج كبير.
الجميل في الرواية أنها لا تزين الألم ولا تمنحك نهاية مريح ة. تتركك متوتراً قليلاً… لكن هذا التوتر له معنى. لأنك تخرج وأنت تقول: كم مرة في حياتنا نُحاكم على الماضي؟ وكم مرة نُتَّهَم لأننا مختلفون، ضعفاء، أو فقط لأننا في المكان الخطأ؟ هذه رواية، بالنسبة لي، تُذكّرنا أن الإنسان أحياناً لا يخسر لأنه أخطأ… بل لأنه عاش في تيار أقوى منه.
أغالب مجرى النهر" نص عن الجريمة، يستهوي فيه السرد الإيحاء، الغموض والصمت المتعمد الذي يخفي هوية مرتكبها مهما اقترب منه السرد، يثير النص كثيرا من الأسئلة عما يحدث في الخفاء. كتابة رواية كاملة بهذه اللغة يشبه أن تقبض على ما لا يرى، فأعمق الحقائق تتجاوز أن تكون واضحة و إن كانت موجودة وحتمية. أثناء القراءة نتأمل في معنى الجريمة، الجريمة التي لاتحدث دفعة واحدة، إنها نتيجة أفعال صغيرة متتالية يحركها وعي لا يعجز عن تبرير الإستمرار، تختلف الجرائم اختلاف الزمان والمكان، تجد لغتها وطريقها إلى أن تتكرر و تسود. حين يعجز المجتمع عن السير قدما هو يهوي ويعود إليها، ويحدث ألا يبقى للفرد المثقف سوى شكل واحد هو شكل الجريمة الكاملة، وحين ترتكب الطبقة المتعلمة جرائم إنسانية يصبح السقوط قاسياً أكثر، فهل سيهوي الجميع؟ و هل سيبقى أحد إن كان الطبيب نفسه من يتاجر بالأعضاء و يربح من الآلام؟ يظهر السرد أن الجريمة مسار ممتد من السقطات الانسانية للأفراد و المجتمع، ونخطئ حين نؤمن بماض بلا أخطاء و بحاضر نخفي هفواته على عجل. في أفق هذا النص يلتقي الواقعي مع الفلسفي، و بما كانت تراه الشخصيات وتؤمن به، فتصبح الكتابة أداة للإحتجاج، تعري مسارات الجريمة الأكبر، تلك التي تقترفها العقول العارفة. تتعدد الشخصيات و يختلف الزمن، تتنوع النماذج النفسية والعوامل الداخلية، وتختلف الجريمة من اقتراف لآخر لكنها تظل نابعة من بنية العقل و من الإنسان ذاته، لا من أحداث تاريخية فقط.
هي رواية بوليسية كشف الكاتب من خلالها تاريخ الجزائر بنية سردية تقوم على تداخل الازمنة وهي فسيفساء من السرد والوقائع السرد يتمتع بالتدفق والحيوية الشخصيات الاب يغالب مجرى النهر وأغالب هي الاصرار على البقاء رغم محاولات المحو لكنها انتهت بالتسليم الابنة: خانعة علقتها بأمها وابتها خطأ الام: متجبرة مخلوف: يريد النتقام لماضي والده ميلود: لامبالي لابابنته ولا بأهله ياقوت: كل الاسرارعندها وأوحت أن ميلود اغتصب ابنته ، ولست ادري لماذا!!!! العلاقات بين افراد الأسرة فيها مسافات وهي علاقات سامة ، تتداخل الشخصيات ببعضها بمساحة ضيقة البيئة يسودها الفساد ، غير نظيفة، الجنس،الحشيش،المبغى،سرقة الأعضاء ، ضرب الزةوجة ، الهجوم على المبغى ،ليس فيها واعز ديني ولا أخلاقي ومصادفات أكثر مما يحتمل بالاطار العام: نلاحظ الإنقسام بالثورة وكل واحد ينسبها لنفسه كما هي العادة بالبلاد العربية ثانيا : شن الكاتب حملة خفية على الاسلاميين مثال: ذكره ان حبوب منع الحمل تريد انقاص المسلمين -القادة ظلوا يشربون وحرموا غلى المقاتلين الشرب - المدرسة التي تنزعج من تدريس نظرية داروين !!
مجموعة من الااسئلة تبادرت لذهني عند القراءة ولم أجد لها جواب اولا هل المعلم الذي يلمس صدر عقيلة هو تحرش جنسي ومر مرور الكرام ثانيا: الاشارة لمثلية سلةى هل هو ترند هذه الأيام وبكل قصة يجب أن يتواجد شخص مثلي؟ كلمة جامع النصارى تشير الى جهل المجتمع الجزائري وانغلاقه؟ بالمجمل رواية مشوقة وضعت باطار بوليسي
رواية تُغريك من الصفحات الأولى… لغة تعرف كيف تُلمس، ومجازات تنساب بخفة، وسرد يتسلل أحيانًا بخبثٍ كوميدي جميل، يخفف ثقل الحكاية دون أن يبتذلها. هناك حسّ حكائي واضح، وقدرة على خلق مشاهد حيّة تُرى أكثر مما تُقرأ. ما يُحسب للنص أنه يملك نَفَسًا طويلًا في البناء، ووعيًا بالعلاقات الإنسانية المتشابكة، مع محاولات جادة لنسج شبكة معقّدة من المصائر. بعض المقاطع تحمل ذكاءً سرديًا لافتًا، وتُظهر براعة في التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى دلالة. بدأتُها بشغف… لكن هذا الشغف تعثّر عند الإطالة. التكرار—خصوصًا حين يُعاد الحدث ذاته عبر أكثر من لسان—يستنزف دهشة القارئ بدل أن يعمّقها. هناك تمطيط واضح، وكثرة في الشخصيات تُثقِل الإيقاع، حتى يصبح التتبّع مرهقًا. وفي الصفحات الأخيرة، تتكاثر الوجوه فجأة، أحداث جديدة تُلقى في النص دون تمهيد كافٍ، وعلاقات تتقاطع على نحو يبدو مُصطنعًا… كأن الجميع يعرف الجميع، أو لا بد أن يعرفه. رواية تملك جمالًا لغويًا ومهارة في لحظاتها المضيئة… لكنها كانت تحتاج إلى اختزال أشد، وثقة أكبر بالصمت بين الأحداث. رواية أغالب مجرى النهر – سعيد خطيبي #دار _نوفل #هاشيت_انطوانيب #jalilareads #جليلة_السيد #القراء_البحرينيون
لم أعد أحتمل هذا الإصرار المستمر على إعادة إنتاج العشرية السوداء في الأدب الجزائري كأن نجاح أي كاتب بات مشروطا بالنبش في جراح التسعينيات، وكأن الجزائر عاجزة عن تقديم نفسها إلا من خلال ماضيها المؤلم
المشكلة ليست في تناول هذا الموضوع بحد ذاته، بل في تحوّله إلى قالب جاهز يكافأ ويُحتفى به، حتى وإن كانت الرؤية مشتتة أو غير مكتملة. أن يفوز عمل كهذا بجائزة بحجم البوكر يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير التقييم، بل ويعكس حالة من الركود في الذائقة الأدبية العربية
نعم، لا أحد ينكر أن الجزائر لا تزال تدفع ثمن تلك المرحلة، لكن هل نبقى أسرى لها؟ ماذا عن الحاضر؟ ماذا عن التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع اليوم؟ هناك تفكك واضح في الهوية، تطرف في الطرح، ابتعاد عن القيم الحقيقية، وانزلاق أخلاقي لم يعد خافيًا على أحد.
الواقع اليومي للجزائري أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، ومع ذلك يهمش أدبيا. بدل أن يكون الأدب مرآة لما نعيشه الآن، صار ملاذا مريحا للهروب إلى الماضي.
ترددت كثيرا قبل كتابة هذا الكلام، خشية أن أبدو منحازًا أو متشددًا، لكن الصمت في هذه الحالة لا يخدم الحقيقة. ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الحنين إلى الألم، بل شجاعة مواجهة الواقع كما هو… قبل فوات الأوان.
القصة تدور في جنوب الجزائر، حيث تكرّس طبيبة عيون حياتها لمداواة مرضى مهدّدين بالعمى، قبل أن تنقلب حياتها حين تُوجَّه إليها تهمة قتل زوجها. في الخلفية، يطلّ الأب: رجل ناضل دفاعًا عن الوطن، ليكتشف لاحقًا أنه أُقصي من الذاكرة الجماعية ووُضع على هامش التاريخ. مساران سرديان يسيران جنبًا إلى جنب، يلتقيان ويتداخلان، ليشكّلا نسيج الحكاية.
النص إمتدادٌ لنصوص كتبها سعيد خطيبي تميزت بالنبش في فترات مفصلية ومهمة من تاريخ الجزائر الحديث . هذه الرواية ظاهرها حياة قاسية وعمقها شعرية رقيقة، ينتصر فيها الكاتب لصوت الأنثى، ويواصل بناء رواياته على تعدد الشخصيات، ومن خلال الشخصيات تنكشف طبقات كاملة من تاريخ بلد بأسره. هذه الرواية تدفع القارئ إلى توسيع أفق التساؤل والتأمل. عبر فصول محبوكة، كل فصل يمهّد للذي يليه.
عقيلة، طبيبة عيون تسرق قرنيات الموتى بمساعدة زوجها مخلوف الطبيب الشرعي لتزرع قرنيات لمرضاها، تتهم بجريمة قتل. الضحية هو مخلوف الزوج، اما القاتل فبك شخصية في الرواية دافع للتخلص منه. شخصيات الرواية متعددة، و بكل منهم صلة بمخلوف، علاقات متفككة و زواج غير مستقر، عنف منزلي و تمييز بين الأخوة. اولاد "حرام" و بيت دعارة يكشف في غرفة كل الحقائق المتعلقة بالشخصيات. سياسة و حروب و مخلفات ذكريات لم تندثر بل بقيت متأججة في عقل عزوز الرجل الذي حارب و خسر كل شيء. رواية تأسرك من اللحظات الأولى للتحقيقات الجارية في مقتل المغدور، تروي من خلالها عقيلة و والدها القصة كاملة لتتكشف مع كل صفحة خيوط تتشابك من خلالها القصة و لكن توضح الصورة أكثر. رواية جميلة مختلفة فيها رائحة الجزائر من خلال حوارات و امثلة شعبية تجعلك تسكن مع شخصياتها.
كل الموتى يتشابهون حين تنفصل أرواحهم عن أجسادهم لكن حكاياتهم تتعدد الكذب يزهر لكنه لا يثمر للذاكرة غربال تستبعد أشياء وتحتفظ بأخرى الأزواج لا يثبون شرعيتهم بعقد الزواج بل بسطوتهم على نسائهم كلما زادت قسوة رجل على زوجته علت سمعته بين أقرانه الأطباء لا يتذوقون من فرح إلا مثل فقير يتذوق اللحم هذه الأيام الأطفال مثل السكارى لا يكذبون الحضن أصدق لغات العزاء يشعرنا أننا ماضون في زقاق الحياة وأن الغم ليس مقيماً الحضن يجفف الحزن ويخفف من أعطاب القلب المعاناة شرط من شروط الإقرار بالوقائع الصدق يجلب لنا أعداءاً لا رفاقاً الإنتظار شبيه بالموت