نظر لي مبتسمًا، ثم قال:- تخيلي يا عالية، لقد نسيت سبب إصابتي بالنسيان.. أعتقد أن ذاكرتي مهووسة بالنسيان!
أخذت أردد لنفسي كلماته في سري ودون أن يسمعني:- ""ذاكرتي مهووسة بالنسيان""، ولم أفهم المعنى، كنت أريد أن أسأله عن معنى هذه الجملة الغريبة، لكني – كالعادة – ترددت وقررت ألا أفعل؛ أولاً لأنني كنت أعتبر نفسي أفهم كل شيء، وبالتالي لا يمكن أن أسأل أي صديق أو صديقة في عمري عن أي موضوع لا أفهمه، وثانيًا لأنه كان دائمًا يقول لي:- أنت صديقتي الوحيدة في هذا العالم يا عالية، أنت الوحيدة التي تفهمينني.
بصراحة شعرت بالخوف من خسارة ثقته، لو سألته عن معنى كلماته الغامضة فلن أكون (الإنسانة الوحيدة التي تفهمه في هذا العالم).""
تذهب عالية في مغامرة كبيرة لمعرفة سبب إصابة صديقها شادي بالنسيان، في مدينة الموتى الفرعونية حيث تطارهم شخصيات فرعونة ومومياوات وسحرة وراقصات.
إبراهيم فرغلي هو كاتب مصري من مواليد عام 1967 في مدينة المنصورة في قلب الدلتا المصرية، وهو حاصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة المنصورة، نشأ في مدينة المنصورة ثم عاش فترة شبابه في سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، بدأ حياته الأدبية كمحرر في مجلة روز اليوسف المصرية ثم مجلة نزوى العُمانية، ثم محرراً ثقافياً في جريدة الأهرام المصرية، ثم محرراً في مجلة العربي التي تصدر في الكويت.
أول مؤلفاته الأدبية هي مجموعة قصصية بعنوان (باتجاه المآقي) ثم روايته الأولى (كهف الفراشات) و(أشباح الحواس)، ثم ثلاثية (جزيرة الورد)، وله كتابات ومنشورات في أدب الرحلات، وقد حازت روايته (أبناء الجبلاوي) على جائزة ساويرس للأدب المصري في عام 2012، وله مؤلفات أخرى منها (شامات الحسن) و(مدينة الأقلام السحرية) و(معبد أنامل الحرير).
رواية ممتعة ومشوقة للغاية تعمل على غرس الإنتماء للحضارة المصرية القديمة فى أذهان النشئ الصغير وقراءتها مفيدة للصغار و الكبار على حد سواء فيها نقطتان جديرتان بالقراءة و التأمل الجاد العميق وهى لماذا كلما تقدمنا فى الزمن ليس من الضرورة ان يكون معنى ذالك أن نتطور وهو كان تساؤب عبى لسان أحد لكهنة النقطة الثانية لماذا تتباعد المسافة بين المصريين عموما ولغتهم الأم المصرية القديمة وهو تساؤل على لسان بطلة الرواية ثم معلومة ليست فى زمن الرواية لكنها لا تخل بالسياق العام وهو وجود العربة التى يجرها الحصان لكن الرواية عمل ممتع جدا إستمتعت به
حرية الاختيار الممنوحة للقارئ في تبني أي من الموقفين المفسرين للأحداث: التفسير الطبيعي، أم فوق الطبيعي، هي صورة من صور الإيمان بقيمة الحرية عند فرغلي، والتي هي ليست الحرية السياسية، أو حرية الصراخ والزعيق، ولا هي العلانية، ولا المشاعية، ولا الفضائحية، ولكنها حرية العزلة والخصوصية؛ حرية النفس الإنسانية في أن تكون هي ذاتها، وأن تعيش بلا عبودية؛ لا للأفكار المسبقة، ولا للعادات والقيم الموروثة التي تثقل على الروح وعلى الجسد. إن اختيار حنين لمواصلة العيش في فرنسا في (جنية في قارورة) هو لأن حريتها الحقيقية هناك، بعيداً عن زيف التعبيرات والحركات والأزياء التي يخدع بها المجتمع التقليدي نفسه.
وفي كثير من الأحيان تفشل الشخصية عند فرغلي فيما نجحت فيه حنين؛ فلا تقدر على تحطيم التابوهات الاجتماعية والدينية التي تمنعها من التعبير عن غرائزها، ومن اكتشاف الجوهر الكامن بداخلها، وتظل المحظورات القيمية والاجتماعية تدفع الإنسان للوقوف وحيداً ومنعزلاً، وتجهض محاولته لولوج عالم التجانس الذي تتحد فيه الأضداد، ويعثر فيه على ذاته الحقيقية.
الجنس نفسه عند فرغلي هو محاولة أخيرة للحماية من عنف وفوضى التابوهات والقيود الاجتماعية والقيمية؛ سعي لحماية الذات من الفناء. إن الإيروتيكا عند فرغلي ليست للإيروتيكا في حد ذاتها ولكنها محاولة للوصول إلى حالة من التجانس، وسعي لحالة من الحرية في أن يكون الإنسان هو نفسه، والتحرر من أغلال الآراء والأحكام القيمية التي تكبله. فالجنس هو نوع من البحث عن الخلاص، وعن البعث من جديد، وفيه تكمن الطاقة الأصيلة والأولية للإنسان؛ ففيه بذرة الحياة، لكن الطاقة الجنسية مقموعة باسم مبادئ مختلفة، بل وتؤدي العفة في قصة (جين بالتونيك)، وقصة (Screw Driver) مثلاً إلى نتائج سلبية ومدمرة للعلاقة بين الحبيبين. إن الشهوة عند فرغلي ليست معصية، بل المعصية هي كبت الشهوة.
الشهوة هي صورة للرغبة في تجاوز الإنسان لذاته والذوبان في الآخر، عله يستطيع أن يحقق كماله وتعالية كإنسان عن طريق التوحد والذوبان، ولحظة الحب هذه هي لحظة التحقق، وهي التجربة الكلية لوصول الذات إلى حقيقتها، عندما يصل الحب نفسه إلى ذروته، وكثيراً ما لا يصل إلى هذه الذروة في أعمال فرغلي، بل وكثيراً ما يصاحب الارتباك ممارسة الشخصيات لتجربة الجنس؛ ذلك الارتباك الناشئ عن توقع الفشل واستشرافه، وكثيراً أيضاً ما يعقب الجنس الإحساس بالمهانة، ثم الهجر، وكأن ثقل التابوهات لا يتيح للنشوة تحققها، فتظل محكومة بالوجل والخوف ولا يعقبها إلا الحزن والفراق.
علاقة الحب لجميلة لا تتحقق في النهاية إلا مع برص سابق ومسخ حالي في (مشاهد من أعلى الجدار)، كما لا تجد الفتاة تحققها الجنسي إلا مع الشيخ العفريت الذي يحاول إخراج الأرواح مع جسدها في (أشباح الحواس). إن أشكال التحقق الجنسي غالباً ما تكون مشوهة في أعمال فرغلي، وهناك خواء يعقبها، وتأنيب للضمير وإحساس بالذنب مثل الذي نجده لدى عماد في (مشاهد من أعلى الجدار) بعد ممارسته للجنس مع جميلة في الطفولة. إن القمع الاجتماعي والقيمي أكبر وأقوى من محاولات الشخصيات للتحرر، وكأن تجارب الجنس هي سلسلة من الإثباتات للعجز، وكثيراً ما تكون أبواب الجنس في أعمال فرغلي مفتوحة للدخول لكن الشخصيات تعود منها كما ينسحب حيوان جُرح جرحاً قاتلاً، وكأن الخلاص الفردي يستحيل في بيئة قيمية معادية، وربما لذلك تدير حنين ظهرها لمصر في (جنية في قارورة).
-3-
إن قوى التحرر الإنساني، وهي نفسها القوى الدافعة للانسجام، والمحافظة على جوهر الإنسان هي: الخيال (المعكوس في الفانتازيا)، والليبدو (المعكوس في الإيروتيكا)، ولا يمكن كتابة تاريخ حقيقي للحرية بشكل منفصل عن تاريخ الخيال وتاريخ الشهوة.
الإيروتيكا في أعمال فرغلي ربما تكون وجهاً لرفض الحياة المعاصرة بشكلها القائم، وربما يكون الاشتهاء عنده نوع من البحث عن دواء ناجع من السأم الوجودي؛ كما لو أننا نسمع صوت أوكتافيوباث: “أنا أشتهي إذن أنا حي”. فالإيروتيكا (كفعل لا يهدف للإنجاب، بل للذة فقط) هي سر من أسرار الحياة التي يحاول بها الإنسان مواجهة التنميط والتوحيد والقولبة والانتظام السطحي السخيف المفروض قسراً بآليات مجتمعية واقتصادية قوية لا سبيل لمغالبتها. إنه الاحتفاء بالحياة وبالإبداع. والإيروتيكا في ممارستها تتطلب الخصوصية، وهي فعل لا يتم إلا داخل جدران أربعة. إن الحرية الحقيقية هي في الخصوصية لا في العلانية والمشاعية والعمومية، ولا يوجد أكبر من حرية ممارسة الجنس بين اثنين في خصوصية وعزلة. يقابل ذلك ممارسات الدعارة، والتي هي ضد الحرية الحقيقية، لإنها وسيلة سهلة من وسائل التسلية الجسدية، يتم فيها إشباع الشهوة بيعاً وشراءًا، ولا تتطلب إلا شخصاً واحداً أنانياً يدفع مقابل الحب، ولذلك تتم في بيوت أشبه بالسجون أو الملاجئ، والفعل نفسه يفتقد لبراءة الإيروتيكا التي تتطلب إرادة شخصين من نوعين مختلفين، وتحمل الدعارة كل تشوهات المجتمع الأبوي؛ فهي عبودية وليست تحرراً لا للجسد ولا للروح.
ولذلك نجد ممارسات الدعارة لا تؤدي إلا إلى الألم أو الموت، كما في قصة (قمر النشوان) على سبيل المثال، أو الشعور بالخواء والصغار كما في (فارق التوقيت)، فالدعارة هي انحراف استغلالي لمبدأ اللذة، في شكل استهلاكي يتحكم به التجار، ويحرفه عن غايته كفعل تحرر وإنارة، وكتجربة سحرية للاكتمال والتوحد. واستغلال الإنسان وانخراطه في الدعارة يجعله أصغراً لا أعلى. وكما أن الإيروتيكا عند فرغلي هي فعل لمقاومة النفاق الديني وحقده على الجسد (حقد مؤسسات الثقافة الأبوية)، فهي من ناحية أخرى ضد تسليع الشهوة، والطابع السلعي لاقتصاديات الدعارة الاستهلاكية.