سيأتيكَ الغزال: سيرة ذاتية لمنطقة ضائعة
«العجاج لعنة سماوية أصابت هذه الجغرافيا المنكوبة والمنهوبة والمستباحة، منذ قرون. لا أعلم إلى أيّة سلالة أنتمي؟ [ص98]
يبدو أن دافع الروائي في كتابة هذه الرواية هو جفاف الخابور، والآلام، والحسرات، وما آل إليه حال مدينته وقراها:
«يبُست بساتين الكروم وعرائش العنب التي كانت تظلل البيوت في القرى الآشورية، ولم يعد متاحاً تذوّق نبيذ تل تمر، وتل هرمز، وتل نصري، وتل شميرام. كان صديقي في الثانوية خوشابا دنخا، قبل هجرته إلى أمريكا للالتحاق بجالية آشورية كبيرة، نزحت إلى هناك، يتحدث عن النبيذ الآشوري بوصفه إكسيراً للحياة، يمنح من يتذوّق قدحاً منه قوة نبوخذ نصّر.» [ص138]
قليلة هي الروايات التي تناولت المنطقة الشرقية من سوريا (الجزيرة)، إذ أن هذه المنطقة منسية روائياً، أو متناساة، فقد تصادف رواية ذكرت على استحياء بمقطع منها حال (الجزراويين)، أو ترصد بصفحة ضائعة الحياة في الجزيرة، لكن أن تجد رواية مكتوبة بكاملها للجزيرة فهذا لا يتحقق إلا بيد ابن من أبنائها.
حققت (سيأتيك الغزال) الدهشة والمتعة، وهذان مطلبان أساسيان في الرواية الجيدة، فبدأ الراوي بسرد طفولته التي عاشها في قرية منفية في الجزيرة، تلك الطفولة المشبعة بقصص وأساطير متداولة في تلك البقعة الجغرافية المنسية. فيذكر مثلا (السعلاة) التي كان الجميع يخاف منها، فيسبحون في الخابور بسرعة خشية أن تصطادهم، وترغمهم على العيش معها تحت الماء.
قدم الروائي بأسلوب محبب الميثيولوجيا البدوية، على لسان الشخصيات التي تعددت وكانوا كلهم أبطالاً، فلا أدوار ثانوية في سيأتيك الغزال، يتكئ عليها الراوي كلما شعر بنفاد ملكته الكتابية...
مما يحسب لخليل صويلح هو تدوينه للتاريخ الشفوي لمجتمع، قد يقرأ لكنه لا يكتب. مجتمع مليئ بالسوالف، يتقن توزيعها لكنه لا يعرف تدوينها. وهنا يحسب للروائي عمله المهم هذا، فلا يمكنني أن أعتبر هذه الرواية إلا كسترة نجاة لتاريخ مدينة دفن مع الأجداد.
«في وقت لاحق سنملأ استمارات جماعية، بأمر من مدرس المادة العسكرية، للانتساب إلى الحزب، لكن هذه الاستمارات ستضيع في الأدراج، من دون أن نحقق أحلامنا في حضور اجتماع حزبي واحد.» [ص67]
الجميل في أسلوب صويلح، مما لاحظته في روايته هذه، اقترابه من الحيادية في الطرح، وعرض الوقائع كما جرت، بلا مساحيق تجميل، وبلا اثقال للنص بكلام يسمّن الرواية ويخفف تشويقها، فبقي محافظاً على خطوط رويه...
يرينا خليل نفسية الفرد، ويعريه بطريقة (خلع اللباس قطعة قطعة) لا بأسلوب التزليط المنفر، فيذكر مثلا:
«كان أحدهم يهتف بكامل حنجرته: "بعثية.. بعثية"، فيردد الحشد وراءه "بعثية.. بعثية"، فيهتف أحدهم بما يشبه الزعيق "أمة عربية واحدة"، قبل أن يقتحم الساحة حشد آخر بشعار مختلف "ناصر.. ناصر.. كلنا بنحبك ناصر" لكن القرويين يرددون الشعارين معاً حسب ما تلفظه موجة الحشود المنحدرة نحو شارع فلسطين...» [ص49]
سيأتيك الغزال، مثقلة بالثارات، والمواجع، والدماء... إنها صرحة حادة، ورفض لا رجعة عنه في وجه الواقع المعاش. كما أنها مليئة بكوميديا سوداء، تظهر على مسرح الأحداث بين فصل وآخر:
«... كما رشّوا شعر رأسه بمبيد حشرات تجنباً لحكة لازمته منذ عودته...» [ص101]
«أتت امرأة بدوية تصرخ وتولول، راجية ماكس بأن يتوسط لابنها كي يطلق سراحه من السجن، فسألها ماكس عن سبب سجن ابنها، فقالت بحزم: «لقد سجنوه ظلماً، أنه فقط قتل رجلاً». [ص99] عن كتاب (هكذا أحيا) لأجاثا كريستي، الكاتبة التي عاشت لفترة من حياتها، برفقة زوجها عالم الآثار ماكس مالاون في منطقة الجزيرة.
كنت أعرف أن هناك في الجزيرة الكثير من الأسر التي تضررت من جفاف الخابور، وأن الكثير منهم هاجر أرضه إلى مدن أخرى لكسب العيش، لكن أن يكون العدد بالملايين فهذا ما صدمني:
«لا توجد تسمية دقيقة لنحو مليون ومئتي ألف شخص، وجدوا أنفسهم في العراء والصمت والعزلة، ليس بسبب الحروب...، بل تحت وطأة فساد حكومي... في أضخم هجرة داخلية تشهدها البلاد منذ الاستقلال.» [ص160]
الرواية مهمة جداً، ومرجعا تاريخيا هاماً لمنطقة الجزيرة، الفصل الأخير منها موجع بحق.
الجدير بالذكر أن هذه الرواية كتبت قبل الحرب السورية بسنة تقريباً، لكنها رواية استشرفت مستقبل الجزيرة بطريقة قوية جداً، وكأنك تشاهد حال المنطقة تلك الآن.
طبعت الرواية في دار رفوف للنشر، دمشق 2011، في 164 صفحة. وطبعت إيضاً عن دار نينوى.