... أثناء غيابي في غرفة العمليّات، كتبتْ ليلى زوجتي وسجّلتْ: "أدركُ وأثق بأنّ إشارات لغتنا الخاصّة تفعل فعلها الآن، هي خيوط متخفّية شكلاً، لكنّها في مضمونها تشكّل تواصلاً. نعم هذا صحيح، كثيرون في الآونة الأخيرة بدأوا في معالجة مرضاهم عن بعد. سَمِّهِ الإيحاءَ، سمِّه كما تشاء. للعيون صلة، وللقلبين دقّاتٌ مشتركة، وللحبيبين تواصلٌ. ما أبطأ الثواني، فكيف بالساعات؟ أنا قلقة، أتطّلع إلى الساعة في كلّ وقت. انخلعت الساعة من يدي، امتشقتْ دقّاتها الرتيبة، وثبتتْ في مجال نظري، تتطلّع إليّ وأرقب حركتها، أحثّها على الدوران، لكنّها لا تدور". هذه رواية تمزج بين الخاصّ والعامّ، في إطارٍ أدبيّ جذّاب، يعاين فيها فايز رشيد مسألةً واقعيّةً يعانيها الكثيرون.
ليس من السهل الكتابة عن حالة مرضية تصيب الفرد و تقعده مدى الحياة مع كل ماتحمله من الآلام جسدية و نفسية و في حالة هذا الكاتب المعاناة مع سرطان البروستات. الكاتب فايز الرشيد يمتلك من القوة لقهر مرض خبيث و التغلب عليه بقوة الارادة التي تثير الاعجاب و ليس بمقدور الكثيرين التغلب عليه و لكن الدكتور فايز رشيد يأخذنا الى تجربيه تلك رويداً رويداً و يدخلنا الى مكامن العلاج . اللافت في تلك التجربة معاناة دكتور و ليس شخصاً عادياً مع ذالك المرض و يبين ان الكثيرين يتسائلون “ و هل الطبيب يمرض فعلاً ؟ “ “ يعاني مثلنا ؟ “ و يجيب: “ نعم، نحن جمعياً من لحم و دم و نقع اسرى لكافة الامراض لكن طريقة تعاملنا معه تختلف من شخص لآخر”.
هذا و يمكن تقسيم التجربة الواقعية لمذكرات الكاتب الى ثلاثة اجزاء : - الجزء الاول ، في اكتشاف المرض و ما يصاحبه من اعراض ظاهرة. و هنا يشرح الكاتب بتفاصيل قد تكون مملة للبعض و لكن ضرورية لمعرفة الاجراءات المطلوبة للدخول في العلاج و خصوصاً لذوي الدخل المحدود كما هو حال الكاتب . و ينتقل الى شرح الاسباب المعروفة أو الغامضة للاصابة بذالك المرض الخبيت ..فالدكتور فايز الرشيد هو مناضل تعرض للاعتقال عدة مرات من قبل قوات الاحتلال و سجن لفترة طويلة و يشير الى ان معظم المعتقلين قد اصيبوا بهذا المرض بعيد خروجهم من الاسر و هذا يدل على وحشية الاحتلال الاسرائيلي في اعتماد اسلوب الابادة للشعب الفلسطيني سواءاً في المعتقلات او خارجها . و هذا يجدر الاشارة الى ان زوجة الكاتب هي المناضلة ليلى خالد و التي تملك رصيداً كبيراً في مقارعة الاحتلال.
- الجزء الثاني يتمثل في الدخول في العلاج و ما يتخلله من مصطلحات طبية لا يتوانى الكاتب في شرحها و كأنك تتلمس بعضاً من معانته و هو الذي يمتلك الوعي الذاتي و ادراكه لمحيطه. فيما يقدم جزءاً مثيراً لتجارب مروية لمرضى من كافة الاعمار و الخلفيات التقاهم اثناء ركوده في المركز الطبي .
- اما الجزء الثالث فيدور حول معالجة مضاعفات المرض و كيفية التعامل معه ذهنياً و جسدياً. الارادة و العزيمه على هزيمة المرض و عدم الاستسلام و المثابرة حتى الشفاء التام