ان الجاحظ لم يكتب ادبا خالصا او صافيا الا فيما ندر. لقد كان رجل فكر في المرتبة الأولى ورجل ادب في المرتبة الثانية. ولقد عبر عن فكره باسلوب أدبي، فجمع بذلك بين الفكر والأدب. ولكن دارسيه المعاصرين اقتصروا على الناحية الادبية عنده ولم يفطنوا او لم يهتموا بالناحية الفكرية وهي الناحية الأهم والغالبة عليه. وهذا ما قمنا به في كتابنا
- مجرد جولة خفيفة في كتب و رسائل الجاحظ ستريك بوضوح أن سبب الألفة القوية بينه و بين الكثير من المثقفين هي في أنه اتخذ المجتمع و مشكلات الحياة مادة لقلمه ! ، ثم النقد و التحليل اللذان تناول بهما تلك المواضيع في قالب ساخر ! و يمكن القول إن كتب أبي عثمان تشبه مرآة انعكست فيها أوضاع عصره من جميع النواحي ، و من هنا تم اعتباره ( عند كثير من الدارسين ) واضع اللبنة الأولى للأدب الواقعي ، أما الآخرون فقد اعتبروه بهذا مفكرا إجتماعيا أكثر منه أديبا ! كما أن بعضا من الباحثين بوأه مكانة الفيلسوف و الأديب معا ! ، إلى جانب كون طبيعته الضاحكة قد دفعته لأن يفلسف الضحك ! ما جعل نفرا من مؤرخي الأدب يصنفونه ضمن أدباء السخرية المتفوقين .
و إن أثر الجاحظ و كتاباته واضح جدا في الكتاب الذين جاءوا بعده ! ليؤكد لنا ذلك صواب ما اتفق عليه أرباب الأدب و أئمة النقد من أن أبا عثمان يعد بلا مراء : سيد البلاغة و فاتق النثر الفني و أديب عصر بني العباس الأكبر ! . و لا غرو في ذلك إذا علمنا أن كل من جاء بعد الجاحظ قد عمل جاهدا على تقليده في طرق التأليف و سبل تناول الموضوعات و حتى في الأساليب و الإنشائيات ! ، هذا إضافة إلى إجماعهم ( و هو إجماع نقله المستشرق العلامة شارل بلا ! ) على أنه لا يوجد كاتب معاصر أو لاحق يشبه الجاحظ ، و أن كل تحليل سنقوم به لإيجاد شبه ما ! بينه و بين أي أديب أو كاتب آخر ! فمآله سيكون الفشل المحتوم ، لأن الفوارق الشاسعة و أوجه التباين بينه و بين أي مؤلف آخر ستطيح بأي مقارنة مهما كانت متسامحة أو عفوية ! . إن مرور الجاحظ بأدبنا العربي كان كمرور الأساطير الحية ! و ذلك لعظم شأنه و عمق تأثيره و ظهور نبوغه و كثرة الرواة عنه ! و لأجل أن العصر الذي عاش فيه كان عصر تحولات مهمة ! تخلقت فيه أفكار و انصهرت فيه تيارات و طفت على سطحه نحل و معتقدات ! إلا أن الثابت من هذا كله هو أن آثار أبي عثمان اعتبرت حقا ينبوعا ثرا من المعلومات المهمة عن الفعاليات الفكرية و العلمية و الفلسفية و الإجتماعية عند العرب و المسلمين حتى أواسط القرن الثالث الهجري ! . كان لابد من الترجمة لحياة الجاحظ أولا قبل الولوج إلى صلب الموضوع ، من باب الجمع بين سيرة الرجل و أصل البحث ، كونهما مترابطان بعلاقة وثيقة جدا ! و هو ما قام به المؤلف لما خصص مقدمة أربت على 120 صفحة للحديث عن مولده و نشأته و تعليمه و أساتذته و اتصاله بالخلفاء ... الخ ، و قد قسم حياة الجاحظ إلى عهدين : عهد البصرة : و هو عهد التحصيل العلمي و الفاقة و خمول الذكر . و عهد بغداد : و هو عهد العطاء و التأليف و الشهرة و الغنى . و من هنا تعرض المؤلف باستفاضة واسعة لتاريخ هاتين المدينتين و تأثيرهما الشديد على الجاحظ و حياته و ثقافته ! ثم استرسل في الحديث عن الظروف السياسية التي كانت سائدة أيامئذ ! متحدثا عن آثار انهيار دولة بني أمية و قيام دولة بني العباس و أهمية الدور الفارسي في هذه الأخيرة ، و عن دور الشعوبية في تقويض ملك الأمويين ، و كذا عن الطبقات الإجتماعية التي كانت وقتذاك من العرب و الموالي و الفرس و الزنج و الترك و الروم ...الخ ، و عن مواضع الإتفاق و مواطن الإختلاف بين تلك الأعراق و الإثنيات و آثارها الحضارية ! . ثم فصل القول في آثار الجاحظ بروعة لا متناهية ! ذاكرا أهم المواضيع التي تم تناولها فيها و كيف أثرت على الحياة الثقافية آنذاك و الأسباب التي حملت أبا عثمان على تأليفها ! . و قد حصر المؤلف روافد ثقافة الجاحظ ( باختصار ! ) في ما يلي : 1 - البيت العائلي : الذي اعتبره مدرسة أبي عثمان الأولى ! ، و التي تعلم فيها اللغة و المعارف الأولية من ذويه و تحددت فيها تصوراته الأولى للمجتمع و العالم الخارجي . 2 - الكتاب : الذي تلقى فيه مبادئ العلم مع أترابه من أبناء العامة مستدلا بقصة حدثت له مع زميل له من أولاد القصابين مذكورة في كتاب ( الحيوان ) . 3 - المساجد و النوادي : و قد عرف عن الجاحظ ولعه بارتياد النوادي الثقافية في البصرة منذ صغره ، و حبه لمتابعة المناظرات الأدبية و الكلامية التي كان تنعقد بين أرباب البلاغة و فرسان الكلام آنذاك في المنتديات و الأسواق ( كسوق المربد ) ، إلى جانب حرصه على حضور الدروس المسجدية التي كانت تنعقد فيها حلقات علمية كثيرة ، فهذه حلقة للنحو ، و تلك للكلام ، و أخرى للفقه ، و التي تليها للشعر و أيام العرب و هكذا ... 4 - الرواة و اللغويون : و في طليعة هؤلاء كوكبة من فحول أئمة اللغة و رجال الأدب و نقاد الشعر ، كأبي عبيدة معمر بن المثنى ، و الأصمعي ، و ابن الأعرابي ، و خلف الأحمر و غيرهم ، روى عنهم الجاحظ الأشعار و الأخبار و اللغة و الطبيعيات و ذكرهم في كتبه و أشاد بهم كثيرا . 5 - أهل الكلام { المعتزلة } : و منهم : أبو الهذيل العلاف و النظام و ثمامة بن أشرس و بشر بن المعتمر و الكندي الفيلسوف ...الخ ، و هؤلاء كان لهم أثر هائل على أبي عثمان ! كونه انتمى إليهم و تربى على أيديهم و استقى منهم مناهج البحث و طرق التفكير و انتحل آراءهم و دافع عنهم و عمل على نشر مذهبهم حتى كانت له فرقة منهم خاصة به عرفت بالجاحظية ! . 6 - الكتب : و هي التي أمدت الجاحظ بغذائه العقلي الوافر ، و قد بلغ من حبه للمطالعة أنه كان يكتري دكاكين الوراقين ( و هم ناسخو الكتب ) و يبيت فيها للقراءة و النظر ! ، و هو الذي عاش في زمن أقدم فيه العرب على أضخم حركة للنقل العلمي في تاريخهم ! أدت إلى وضع تراث الأمم الأعجمية التي سبقتهم حضاريا بين أيديهم ! و لا شك أن غرام أبي عثمان بالكتب و نهمه بالقراءة هما اللذان صنعا منه المثقف الموسوعي الذي نعرفه الآن ! . إلتقت في الجاحظ ثلاث مزايا : الموهبة الأدبية ، و الفضول العلمي ، و الفكر النير ! و لذا يمكن عده أديبا و عالما و فيلسوفا ! ، و لم يجتمع هذا لأحد على ما نعلم قديما و حديثا !! . كما تميز بملاحظاته العلمية التي تتصف بالدقة و الموضوعية و الحذر ! و إن دقة ملاحظة الجاحظ تطالع القارئ في كل عبارة خطها قلمه ، فهو عين يقظة ترقب كل شاردة و واردة تمر به ! و قد كان يصور ما يرى بأمانة و مصداقية شديدة . و قد خرج كل من قرأ للجاحظ من آثاره بنتيجة واحدة و هي أن مكانته العالية في الأدب و البلاغة و النقد غير قابلة للنقاش أو التشكيك ! غير أن كاتب هذه الدراسة الفريدة قد آثر تناول جانب علمي آخر عند الجاحظ ، معتبرا أن الباحثين قد قصروا في الكشف عنه بحثا و تحليلا أو لم يطرقوه أساسا ! . و هو الناحية الفلسفية في فكر أبي عثمان و الذي كان رأس مدرسة إعتزالية خصها المؤلفون في الفرق و المقالات بصفحات كثيرة من كتبهم ، و يقصد بالنواحي الفلسفية تلك الإتجاهات الفكرية التي تنطلق مقدماتها و تنتهي نتائجها من و إلى ميادين الفلسفة و الفكر لا من ميادين الأدب و البيان ! ، ذلك أن للجاحظ حظا عظيما منها ، فقد أطل على الناس بآرائه الفلسفية و الكلامية في تضاعيف كتبه ، و بهذا اجتمع له ما يشبه أن يكون مذهبا فلسفيا شبه متكامل ! . إلا أن المؤلف يطلق لقب ( الفيلسوف ) على الجاحظ بتحفظ !! كونه يعتبر أن أبا عثمان كتب أبحاثا فلسفية كثيرة أغنى فيها غناء جيدا ! و لكنه ليس بفيلسوف ! لأنه لم تكن له نظرة فلسفية شاملة عن العالم . بحث الجاحظ في الطبيعة كمفكر حر عن علة واحدة أولى للكون ، مخالفا بذلك الفلاسفة الدهريين ! الذين لم يعترفوا بوجود الخالق ، إلا أنه آمن بوجود قوانين علمية صرفة ، تسير هذا الكون . كما كان من أوائل من أشاروا إلى قانون السببية في ذلك ! . و من خلال ما درسه الكاتب من آراء أبي عثمان الفلسفية و المبثوثة في تضاعيف كتبه ( و هي كثيرة جدا ! ) خرجت بما يلي من نظرياته التي أغنى فيها الكاتب البحث ، و أشبع الكلام عليها :
1 - مزج الجاحظ الدين بالفلسفة مزجا قويا يصعب الفصل بينهما ، فهو بذلك قد فلسف الإسلام و أسلم الفلسفة ! . 2 - تتجلى النزعة الإنسانية بشكل واضج جدا في عنايته بتحليل نفسية الإنسان و الغوص في أعماقها لمعرفة الميول الدفينة و الغرائز الفطرية التي تحرك هذا الكائن و تحدد سلوكه ! . 3 - اعتبر الجاحظ أن علم الكلام في حقيقته هو البحث عن الأسباب و عللها مثلما حدد أرسطو الفلسفة بأنها معرفة الأسباب و العلل الأولى . 4 - كما قال بأن الغريزة مبدأ أساسي في الحيوان و هي تقوم فيه مقام العقل في الإنسان . 5 - للجاحظ نظرية خاصة في المعرفة و هي برأيه تنقسم إلى قسمين : معرفة حسية و أخرى عقلية ، و الأولى في نظره طريقها الحواس الخمس ، و الثانية سبيلها العقل و هي أشرف من الأولى بالنسبة إليه كونها طريقة المفكرين الأذكياء ! . 6 - أهم طرق و منابع العلم في رأيه هي : الشك ، و المنطق ، و التجربة ، و السماع ، و العيان ، و تداعي الأفكار ، و الإلهام ، و التلقين ! . 7 - الجاحظ من أوائل من قال بنظرية التطور ! ( و له كلام و تفصيل في هذا فلينظر في كتابه : الحيوان ) ، كما أشار إلى أهمية تأثير البيئة في طباع الحيوان و الإنسان ! . 8 - فسر أبو عثمان نشأة اللغات عند البشر كوسيلة ضرورية للتواصل بالإلهام ! و معنى ذلك عنده أن اللغة من خلق الله تعالى ! ألهم الناس إياها أو أعارها لهم ! ، كما يرى أيضا أن بعضا من كلماتنا تشكلت من بعض الأصوات ، ثم تطورت بمرور الزمن و دخلت فيها ألفاظ عديدة من لغات أخرى ، و تولدت فيها كلمات جديدة كذلك ! . 9 - إلى جانب تقريره أن الإنسان إذا حرم من مناخ الحرية و ضرب على عقله الإكراه و الإستبداد ! انشل تفكيره ، و إذا فكر جاء تفكيره منحرفا غير مستقيم . و إن معركة حرية الفكر التي تدور رحاها اليوم في العالم قد أعلنها الجاحظ منذ أحد عشر قرنا من الزمن !! مؤكدا على أن الحرية للعقل كالنور بالنسبة للعين ! . و خلاصة القول في هذا الكتاب أنه - في نظري - يعتبر أوفى دراسة كتبت في موضوعها عن الجاحظ و فكره الفلسفي و آرائه الكلامية و نظرياته في اللغة و الفلسفة و علم الكلام و علم الإجتماع و السياسة و الجمال و غير ذلك ، و مما أعطى الكتاب أهمية خالصة إلى جانب ما ذكرناه ، أن المؤلف وضع في آخره كشافا كاملا بكتب و رسائل الجاحظ ، و هو في أصله كشاف قام بجمعه المستشرق [ شارل بلا ] فقام كاتب هذه الدراسة بتعريبه و إضافة ما فات ( بلا ) أن يذكره من طبعات كتب أبي عثمان التي أخرجتها المطابع محققة و في حلل قشيبة ! ، و هذا الكشاف يضم أسماء كتب الجاحظ كاملة مع الإشارة إلى معلومات جمة عنها تفيد الباحثين و لا شك ! . بالإضافة إلى كتب المؤرخين و المترجمين ( من المتقدمين و المعاصرين ) التي وردت فيها أسماء هذه الكتب ضمن جرد كتب أبي عثمان ! .
This entire review has been hidden because of spoilers.