«لم تكن رغبتها في أن تراه سعيدًا، بل أن يسمحَ لها بمشاطرتهِ أحزانه؛ لا لإرغامهِ على أن يكون أكثر أُنسًا، بل لإقناعه بأن يكون حَسِن الظّنّ بنفسه» ***
بين عيوبٍ ونقائصَ متأصّلة في الطّبيعة البشريّة، وبين الأدوار الّتي تربط الشّخصيّات ممن لن ترجح كفّة الميزان لأحدهم على طول المسار القصصيّ، يقدّم لنا ترولوب الكتاب الأوّل من سلسلة «حكايات من بلدة باريستشاير»، ينتقد فيه ترولوب قضايا الفساد المؤسّساتيّ خلال العصر الفيكتوريّ، والدّور الحادّ الذي تلعبه الصّحف في مثل هذه القضايا، بلغةٍ حذرة لكن هادئة ومرحة حتى في أكثر لحظات التوتّر والنّزاعات بين شخوص الرّواية.
« ما من أحد يعرف أين تكمن العلة الحقيقية غير المعلول. ثمة بعض التفاصيل لا يمكن للمرء أن يقتنع فيها باتباع نصيحة شخص آخر، موضوعات معينة ليس للرجل إلا أن يتشاور فيها مع ضميره فقط».
كانت هذه فكرة طارئة من أنتوني ترولوب على لسان راعي المأوى السيد هاردينغ. وربما هذه الجملة هي اللبنة الأساس في هذا النص كاملًا. أقول ربما، لأن ترولوب له الكثير من التشعبات في هذه الرواية، وله الكثير من التدخلات في أمكنة أراد بإصلاحها ربما عن طريق الكتابة عنها وتسليط الضوء عليها. وربما لحاجة في نفسه لإيقاظ الشعب الإنجليزي برمته. فما ورد في هذه الرواية هي مجموعة تناقضات يحملها الإنسان في داخله. لأن الإنسان مجبول على التناقض، فلا يمكن لأحد ألا يُناقض نفسه، ويعمل على تأنيب ضميره مثله وحده.
في راعي المأوى نجد ترولوب يعمل على إيقاظ النزعة الإنسانية للإنسان، ويعمّد باستخدام أسلوب الحديث مع قارئه إلى توثيق عريّ الصداقة معه في توجيه الحديث له وتوضيح بعض النقاط له. كما وقد كان يُسهب في تشريح الفساد الكُنسي والفساد الأخلاقي الذي يحمله معظم رجال الدولة ورجال الدين. مع توضيح أن الفساد يسكن المرء ولكنه فقط من يتحكم بإظهاره من أو إخفاءه عن طريق عملية تهذيب يُخضع سلوكياته لها.
فصاحبنا الراعي كان في هذه الحكاية التي يقصصها علينا ترولوب كان يقظ الضمير، حسن المعشر، وطيّب القلب وصاحب حنان يدلق به على رعاياه الاثني عشرة. فهو لم يكن راعيًا إلا لرعايته لهم. لكن هناك من يعض اليد التي أحسنت إليه. وهذا ما فعله الرعايا الاثني عشرة مع راعيهم السيد هاردينغ ورغم ذلك أحسن لهم أيما إحسان يفعله المرء مع من أساء إليه. فقد استمر بدلق حنانه عليهم وعمل على احتوائهم جميعاً كأنما لم يسيئ إليه أحد منهم.
راعي المأوى ليست مجرد حكاية عن حرب أخلاقية بين رجال دولة ورجال دين وأناس لا ينتمون إلى أحد الفئتين، بل هي دعوة أخلاقية نتمسك من خلالها بإنسانيتنا وأخلاقنا والأهم من كل هذا الضمير اليقظ. الضمير الذي يجعل من صاحبه شخص يهنأ بالعيش رغم كل المصائب التي قد تحل عليه دون رغبة منه في خوض غمار الحرب معها.