Jump to ratings and reviews
Rate this book

غيبة مي

Rate this book
في شقتها في الطابق التاسع، تعيش الست مي وحيدة. ومن على شرفة سنواتها التي تعدو الثمانين، تطلّ على بيروت تتفقد أحوالها وتحولاتها.
ولداها مسافران وقد أوكلا أمر الاعتناء بها إلى ناطور العمارة يوسف، وطبيب العائلة داود...
ذات يوم تُفاجأ مي بصوت يناديها. من يكون الزائر، وكيف تُراه تمكن من الدخول والوقت فجر، والشقة مغلقة لا ببوابة واحدة، بل بإثنتين؟!
رواية عن فخاخ الذاكرة ورضوض القلب، وامتناع الرغبة بالتورّط، حتى مع قطّة.

224 pages, Paperback

First published March 1, 2025

13 people are currently reading
374 people want to read

About the author

Najwa Barakat

12 books27 followers
See نجوى بركات

Najwa Barakat is a Lebanese Arab novelist.

(from Wikipedia)

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
58 (32%)
4 stars
66 (37%)
3 stars
34 (19%)
2 stars
10 (5%)
1 star
8 (4%)
Displaying 1 - 30 of 59 reviews
Profile Image for Nadia.
1,630 reviews588 followers
December 26, 2025
عن الذاكرة و الذكريات
"مي" ليست مجرد سيدة عجوز وحيدة بل هي شاهدة على تغير الزمن و تغير الجسد و توحش الذاكرة و غربة الذات عن نفسها فنحن شهود على هذا التغير من خلال سباتها في بيتها عبر تنقلها في غرفه و علاقتها الوحيدة مع ناطور العمارة يوسف و القطة التي اختارت ان تعيش معها .
عمل يكشف عن مخاوف الشيخوخة و ألم الوحدة و تشظي الذات.
Profile Image for Amani Abusoboh (أماني أبو صبح).
566 reviews325 followers
April 20, 2026
رواية غيبة مي لنجوى بركات، التي وصلت إلى القائمة الطويلة ومن ثم إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2026، تبدو في ظاهرها محاولة جريئة للغوص في أعماق الذاكرة والشيخوخة والفقدان النفسي والاجتماعي، من خلال شخصية امرأة ثمانينية تعيش بمفردها في شقة في بيروت وتصارع ذاكرتها المتلاشية وحضور الماضي المختلط مع الحاضر، لكن ما كان يمكن أن يكون عملاً روائيًا قويًا ومؤثرًا، سرعان ما يتحول إلى تجربة قراءة متعبة بفعل التمدد السردي والتفاصيل الحشوية التي تملأ الصفحات بلا غاية واضحة تتناسب مع الثيمة الأساسية للرواية.

فقد انشغلت الرواية في مساحات واسعة من نصها بوصف دقيق جدًا لأشياء يومية ومشاهد صغيرة لا تضيف أكثر من وزن إضافي للقارئ الذي يبحث عن وتيرة سردية متماسكة، فتنقلنا من تفاصيل مشهد الاستحمام والحمام اليومي وشعور الجسد المتداعي إلى استرجاعات طفولية وحوارات خيالية وكأنها مونو دراما طويلة بلا توقف، وقد يبدو هذا الأسلوب ممتعًا لدى البعض ممن يحبون التدقيق في تفاصيل النفس البشرية، لكنه في محصلته يفقد النص خفّة الحركة والفعالية الدرامية التي تجعل القارئ مرتبطًا بالشخصية وقصتها بدلًا من الشعور بالانشغال بتفاصيل لا ترتبط دائمًا بسياقها العام.

ولئن كانت هناك نوايا جيدة في استحضار مخاوف الشيخوخة والذاكرة والوجود، فإن الإطالة في السرد ومبالغة الحشو تؤدي في كثير من الأحيان إلى تشتت الانتباه وإحساس بالرتابة بدلًا من تعزيز ثيمة الرواية، مما يطرح سؤالًا مهمًا حول ما إذا كانت هذه الزوائد السردية تخدم الغاية الفنية أم أنها أضرت برحلة القارئ داخل النص.

في نهاية المطاف، غيبة مي عمل طموح في موضوعه، لكنه يتطلب صبرًا طويلًا من القارئ، وربما كان من الأفضل لو تم اختصار بعض فصوله وتكثيف اللحظات الجوهرية بدلًا من التوقف عند كل تفصيلة ، لأن الكتابة السردية الجيدة ليست بطولها وحده بل بقدرتها على اختزال المعنى وإيصال الإحساس بفعالية. تقييمي (2.5/5)
Profile Image for Ghada Sabih.
194 reviews13 followers
April 18, 2025
تحفة ادبية …أسلوب، شخصيات، بعد نفسي فني إنساني، اعتقد ان نجوى هنا هي الأقرب إلى ذاتها من بين كل رواياتها …حتمًا سأقرأها مرة ثانية 👏👏👏👏
Profile Image for Nourhan Al-Kayyal.
148 reviews6 followers
April 19, 2026
"كانت تقف على خشبة مسرحٍ ما، وتؤدي دورها الأخير!"

📖 غيبة مي – نجوى بركات


تبدأ الحكاية بيوميات "الست مي"، سيدة في الرابعة والثمانين من عمرها تعيش في شقة فاخرة في الطابق التاسع من أحد مباني بيروت. تبدو أيامها عادية، لكنها مشبعة بهواجس الشيخوخة والقلق من تدهور الجسد... غير أنّ خوفها الأكبر لم يكن من العجز، بل من انطفاء عقلها.
خوفٌ يتسلّل إليها عندما تظهر سيدة غريبة – لكنها مألوفة على نحوٍ غامض – في صالونها.
القسم الأول يعاني من تكرار واضح أضعف الإيقاع؛
قد يُقرأ هذا التكرار كمحاكاة واعية لتدهور الذاكرة وهواجس الشيخوخة، لكنه لم يتطوّر بما يكفي ليضيف طبقات جديدة.

في القسم الثاني الذي استعادت فيه الرواية توازنها، تُكشف هوية هذه السيدة ويكتشف القارئ معها سرّ "الغيبة" التي دامت سبع سنوات، وكانت بداية انهيار مي وإصابتها بما أصاب جدّتها من قبل، وهنا كان السؤال: هل كانت علاقتها السامة في شبابها مجرّد تكرارٍ لـ"لعنة" عائلية تتوارثها النساء؟ أم أن سوء الطالع هو نصيبٌ لا فكاك منه؟

لغة الرواية واقعية مشبعة بنَفَس شاعري، مع اعتماد واضح على تيار الوعي في نقل هواجس مي.
لكن المشكلة الأبرز هي عدم الاستثمار الكافي في الشخصيات المحيطة (الأب، الزوج، الأبناء)، رغم تأثيرها المباشر على مسار البطلة.

وكعادة الأدب اللبناني، لا تغيب هموم اللبنانيين عن الرواية، من انهيار الليرة وسرقة الودائع إلى انفجار المرفأ، وفي هذه النقطة بالذات تتبنى الكاتبة سردية سياسية توجه أصابع الاتهام نحو جهة معينة دون غيرها، وكان الأفضل لو لم تذكر هذه النقطة صراحة..
كما يحضر اللاجئون السوريون بهمومهم في الرواية بشخصية الناطور يوسف والعلاقة المعقدة بين لبنان وسوريا.

ألاحظ أيضاً تكرار حضور المصحات النفسية في أعمال الكاتبة، دون اختلاف جوهري في توظيفها، ما يجعلها تبدو كحل متكرر أكثر من كونها ضرورة سردية..

باختصار: الرواية متوسطة، يعيبها ضعف القسم الأول من حيث الرتابة وعدم الاستثمار الكافي في بناء الشخصيات.
Profile Image for Suad Alhalwachi.
959 reviews109 followers
March 24, 2026
قصة مبهمة فحواها بسيط، بنت اشتهرت في المسرح، لعب بعقلها شخص واستغلها اشنع استغلال ثم تزوجها، وانجبت ولدين توم، وقبلها كانت قد أجهضت، ثم مات بالسرطان، وذهب الولدين إلى أمريكا ولم يرجعا، عاشت في بيت لوحدها وليس من يزورها سوى الخادمة والبواب، وقطة اسمتها فريدا

الرواية عن الذاكرة، ذاكرة بيروت بلد المعجزات كطائر الفينيق، يحترق ثم يخرج ثانية من الرماد، وآخر ما حدث فيها بعد كلل الدمار هو تفجّر المرفأ الذي طحن بيروت طحنا، وتبعه التسونامي.

لم أتوقع القصة أبداً، من ممثلة عظيمة إلى إمرأة تكاد أن تكون قد تكسرت أجنحتها. وكما في أحدى الجمل، لماذا نحن النساء ندعو الرجال الينا لكي يكسروا أجنحتنا؟

في الحقيقة لا أعرف كيف اصف شعوري تجاه هذه الرواية، كنت أقرأها وكأنني اعرف أن شيئا ما سيحدث، ولكن ما قرأته كان ليس متوقعاً أبداً، ولذا عرفت السبب في نجاح القصة واختيارها لتكون في قائمة البوكر القصيرة، بها إبداع غير معقول! وعجبتني جدا فكرة العالم الموازي (الطابق التاسع) كرمز للدخول إلى أبعاد أخرى او أمكنة خفية،


اقتباسات
والهجر أَقتل لي مما أراقبه أنا الغريق فما خوفين البلل (المتنبي)

بلد مجنون، عالم مجنون، وأنا هنا ، في أعلى منارتي، أقف على حافة نهاية حياتي مستمتعة بانكماش النور وتضاءله في فضاء هذه البقعة الملعونة

ليس التعرض للأذى هو دوما ما يدفع الى ارتكاب جريمة. بل ربما كنا جميعا احتمالات قتلة، لكن قلة هي من تقدم على هذا الفعل، إذ يبدو لها فعلا بسيطاً وفي المتناول.

الأبرياء هم فقط من لا تستيقظ فيهم رغبة القتل

أنزلت دمعتين لا أعرف من أين خرجتا. كأنها أمطرت عليّ، ثم فكرت أنهما نتيجة إحساس هائل بالتعب. تعب انتظرته طويلا وقد اهتدى أخيرا إليّ، فوجد ما يكفي من مكان ليمدد أطرافه في داخلي ، يستلقي ويرتاح.

نحن العجزة لا نحب الاغتسال لأنه يُعرينا ويُرينا ما آلت إليه أعضاؤنا من خراب

لِم ترانا لا نشيخ على حالنا؟ لم لا يحق لنا اختيار عمر معين والثبوت فيه على ان نتقدم في السن ونموت كماهو مقدر لنا؟

تذكر يا إنسان، أنت من الخراء وإلى الخراء تعود

نحن أبناء بلاد تعيش فوق صدوع، لكنّ بيروت ، مثلهامثل القطط، تمتلك سبع أرواح ولست أدري كم استهلكت منها إلى الان وكم تبقى لها

هل يُعمي الحب الى هذه الدرجة، أم أنها أنا وقد سرى السمّ في أعضائي وأعمى بصيرتي وصار صعبا ان أبرأ منه

فنحن في نهاية المطاف رجلٌ وامرأة ، والرجل يحب أن تؤكد له إمرأته أنه سيدها.

لحظةٌ تافهة قصيرة تكفي لإهلاكنا يا مي، لحظة تخلِّ تحرفنا عن مسارنا الآمن، لحظة لئيمة بقيتُ أتفكر طوال سنوات لو أنها مرت ولم تلتفت صوبي، لو أنها تجنبتني وراحت في سبيلها، فواصلتُ أنا طريقي في أمان.

كانت أبواب الحلم مشرَّعة على مداها، لا يحدّها حدّ، وما عليكِ سوى الدخول حيث ستتعثرين بآلاف الحالمين من أمثالك، مواطنين وغرباء، عربٍ وأجانب، وكلّه يصبُّ في هذه البقعة الصغيرة حيث يعوِّض البحر بمداه الشاسع ضيق الأمكنة.

لقد أنهكتني بيروت من وقعتي يا مي، رفعتني من الارض ، كانت أما حضنتني وغذتني ودعمتني بالمقويات والمحفزات، وأنا أتعاطى وأنمو وتمتد جذوري وتتفرع أغصاني، حتى تتطاول السماء

لماذا لا يُفهموننا منذ نعومة أظفارنا: ستغمرين وتُخانين وتخيبين، ومفاده، لن يحميك الجمال ولا العشق ولا الإخلاص ولا التضحية بالذات، فكوني على بيِّنة، واعلمي أنَّه ليس لك الخيار!

فكلنا سنعبر ذات يوم وسيُمحى أثرنا

أتعلم، كائناّ من كنت، فأنا لطالما اعتمدت ُ على لطف الغرباء (جملة بلانش بطلة مسرحية "عربة اسمها الرغبة" لتنيسي ويليامز.
Profile Image for ◾ Najoua Fatima ◾.
89 reviews21 followers
November 13, 2025
من أقسى و اروع ما قرأت ...
رواية قلّ ما توجد كهذه: عميقة في معناها، شفافة في أسلوبها. فتحت أمامي أبواباً لم أعرف أنني أحتفظ بها، ثم تركتني أتساءل
انتهت القراءة، لكن الرواية لم تنتهِ. بقيت باقية في روحي
Profile Image for Hanane Dalloul.
32 reviews6 followers
December 19, 2025
غيبة مي رواية تحكي عن خيبات العشق وتداعيات الشيخوخة وألاعيب الذاكرة الماكرة…مي شخصية تعيش حاضرا ينبىء بالأفول !!، هي في حالة صراع مع تحدّيات الكِبر والعجز تبحث عن سر غيبةٍ محتها ذاكرتها كأداة نفسية دفاعية ضد صدمة قاتلة عاشتها في شبابها….
باختصار رواية تسرد بتفاصيل جارحة في واقعيتها حالة التدهور الجسدي والذهني والعاطفي المخيف التي ترافق الانسان في آخر ايامه، كما تنبش في ماضٍ منسي عن التأثير المدمّر للعلاقة الغرامية السامة على سلوك الشخصية وخياراتها…
لغة الرواية جميلة، تقنيات السرد بسيطة !!! تمكنت الكاتبة من استدراجنا الى دواخل عالم مي،السيدة الثمانينية ،شاركتنا هواجسها ،تحدياتها الحياتية اليومية، عزلتها وطريقة مقارباتها للأمور…. وبتركيبة متسّقة مع حالة الشخصية وعمرها ، نقلتنا الى عشرينيات مي التي عاشت تجربة حب فاشلة وصادمة ألقت بوزرها على كامل حياتها.
رواية سلسة تشبه روايات الحب الكلاسيكية: عشق عنيف وخيبة مدمّرة وشيخوخة تمهّد لغياب دائم…
عيب الرواية انها خلت من الإبهار !!! فالقارىء كان باستطاعته استباق الاحداث وفهم الحبكة بلا عناء… فانتفى عامل التشويق وجاء فصل يوسف ليفسّر المفسّر فكان كاستاذ يعيد شرح الدرس لمن لم يفهم من المرة الاولى مع رشة بهار عن النظرة للوافدين السوريين…
كنت اتمنى ان تبقي الرواية جانبا من الغموض يلاعب خيال القارىء ولا تكون بتلك المباشرة ….
Profile Image for Shahira alturkmani.
368 reviews30 followers
March 27, 2026
انتهيت من رواية #غيبة_مي للكاتبة اللبنانية #نجوى_بركات،
صدرت الروايه عام 2025 ، عدد صفحاتها 222 صفحه ، صادرة عن دار الآداب وتحتوي على ثلاثة فصول :
( مي ، هي ، يوسف )
وصلت الروايه الى القائمه الطويله في الجائزه العالميه للروايه العربيه البوكر لعام 2026 ، وهذه الروايه هي الروايه الثامنه للكاتبه اللبنانيه
( نجوى بركات ) .
في رواية غيبة مي لا نقرأ حكاية امرأة مسنّة فحسب، بل ننخرط في تجربة وجودية كثيفة عن التقدم بالعمر و فخ الذاكرة حيث يتداخل الخاص بالعام، والذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية، إلى حدّ يصعب معه الفصل بين مي الإنسانة ومي المدينة، بين جسد يشيخ وبلدٍ ينهار.
ولعلّ هذا التوغّل العميق في النفس البشرية ليس أمرًا عارضًا في تجربة بركات، بل امتدادٌ لمسيرتها الأدبية التي انشغلت منذ بداياتها بتفكيك الهشاشة الإنسانية، وخصوصًا في البيئات المأزومة. بركات، التي درست المسرح والنقد في باريس، تحمل في كتابتها حسًّا مسرحيًا واضحًا، يتجلّى في قدرتها على بناء شخصيات مأزومة من الداخل، وعلى إدارة الأصوات السردية كما لو كانت على خشبة، تتناوب الاعتراف والتواري. في أعمالها، لا تكون الحكاية هدفًا بقدر ما تكون وسيلة للنفاذ إلى مناطق الصمت، والجنون، والذاكرة المعطوبة. من هنا، تبدو «غيبة مي» امتدادًا طبيعيًا لهذا المشروع، عمل يتم بالكثير من النضج و الهدوء و كأنها كتابة تأتي من مسافة تأمل لا من اندفاع.
ستّ مي، الثمانينية المتمترسة في شقتها العالية المطلة على بحر بيروت، تبدو للوهلة الأولى كأنها تراقب العالم من علٍ، لكنها في الحقيقة محاصَرة داخله: داخل جسدها الذي يخذلها، وداخل ذاكرة تتآكل ببطء، كجدارٍ قديم تسلّلت إليه الرطوبة. يومياتها الرتيبة ليست سوى قشرة خارجية لحياة تضجّ بالانكسارات؛ إذ تتحوّل الذاكرة لديها إلى كائن حيّ، مراوغ، يلعب معها لعبة قاسية: يمنحها لحظات صفاء تستعيد فيها طفولتها مع الأب الحنون، ثم يسحبها فجأة إلى فراغٍ مربك، حيث تتوه الأسماء والوجوه.
هنا، تنجح بركات في جعل النسيان حدثًا دراميًا بحد ذاته، لا مجرد عارضٍ بيولوجي. فمي لا تفقد ذاكرتها فقط، بل تفقد سرديتها عن نفسها، تفقد القدرة على الإمساك بخيط حياتها. وكأن الرواية تهمس: نحن لا نعيش بما حدث لنا، بل بما نتذكره منه.
وفي هذا السياق، يكتسب حضور “مي الأخرى” — الشابة التي تنبثق من مرايا الذاكرة — دلالة عميقة. إنها ليست مجرد استرجاعٍ للماضي، بل تجسيد حيّ لانقسام الذات. مي العجوز تحاور مي الشابة، تستعين بها لتملأ فراغات النسيان، لكنها في الوقت ذاته تصطدم بها، لأن هذه “المي” تحمل كل ما حاولت دفنه: الحب المذل، العلاقة السامة، الجرح الذي لم يندمل.
هكذا، تتشكّل الشخصية عبر ثلاث طبقات متداخلة: طفلة محرومة من الأم، امرأة أخفقت في اختبار الأمومة، وعاشقة خرجت من الحب بندوبٍ باردة. هذا التكوين المركّب لا يجعل مي حالة فردية، بل نموذجًا إنسانيًا هشًّا، يعكس هشاشة الكائن حين يُترك وحيدًا في مواجهة ذاته.
على مستوى البناء، تعتمد الرواية على الوعي، حيث لا تتقدّم الأحداث بقدر ما تتداعى. الزمن هنا ليس خطيًا، بل متشظٍ، يتكسّر كما تتكسّر ذاكرة مي. وهذا ما يمنح النص طابعه الحميمي القاسي؛ إذ يشعر القارئ أنه لا يقرأ عن مي، بل يعيش داخل رأسها، داخل خوفها من التلاشي.
وفي خلفية هذا كله، تقف بيروت — لا كمدينة، بل ككائن موازٍ. فكما تتداعى ذاكرة مي، تتداعى المدينة تحت وطأة الأزمات: من ثورة 17 تشرين 2019 إلى انفجار مرفأ بيروت، مرورًا بانهيار العملة وأزمة المصارف. لا تبدو هذه الأحداث مجرد سياق خارجي، بل امتدادًا داخليًا لانهيار الشخصية. كأن مي وبيروت تتقاسمان المصير نفسه: ذاكرة مثخنة، وواقع يتداعى بلا رحمة.
وسط هذا الخراب، يبرز يوسف، الناطور السوري، كشخصية مضيئة بهدوء. ليس بطلاً تقليديًا، بل شاهدًا إنسانيًا على انحدار مي. علاقته بها تتجاوز الوظيفة إلى نوع من الحنان البديل، حنانٍ لا يكتمل لكنه يخفف وطأة الوحدة. وفي حضوره، تلمّح الرواية إلى تشابه المآسي بين الشعوب، وإلى أن الألم، في جوهره، لا يعترف بالحدود و لا بالسياسات
أما أكثر لحظات الرواية كثافة، فتتجلّى في استدعاء مي لذاكرتها المسرحية، وخصوصًا صرختها الأخيرة المستعارة من مسرحية “لقد اعتمدت دائمًا على لطف الغرباء”. هذه الجملة لا تأتي كاقتباس عابر، بل كخلاصة وجودية لحياة كاملة؛ إذ تختزل عجز مي عن بناء علاقات حقيقية، واعتمادها القسري على الآخرين، حتى في أكثر لحظاتها هشاشة.
نص يلتقط هذا الجوهر بدقة، خصوصًا في ربطه بين تدهور الذاكرة وتدهور المدينة، وفي إضاءته على فشل مي في الأمومة مقابل نجاحها المسرحي. ويمكن القول إن هذا التناقض هو أحد أعمدة الرواية: مي التي أتقنت تمثيل المشاعر على الخشبة، عجزت عن عيشها في الواقع.
كما أن وصف رتابة يومياتها، واستحضار لمشهد وداع التوأم، يلامس قلب العمل؛ فهذه اللحظة تحديدًا تمثّل القطيعة الكبرى في حياتها، اللحظة التي تتحوّل فيها الوحدة من احتمال إلى قدر.
في المحصلة، «غيبة مي» ليست رواية تُحكى، بل حالة تُعاش. نصّ بطيء، مثقل بفخ و فجوات الذاكرة ، لكنه ضروري، لأنه يضع القارئ أمام أسئلة لا مفرّ منها:
ما الذي يبقى منا حين تتآكل ذاكرتنا؟
وهل يمكن للإنسان أن ينجو من ماضيه، أم أنه محكوم بأن يعيشه مرارًا، حتى ينساه؟
إنها رواية عن الغياب بوصفه شكلًا خفيًا من الحضور، وعن الحياة حين تتحوّل إلى أثرٍ باهتٍ لشيء كان يومًا نابضًا
بعد انتهائي من قراءة غيبة مي، لم أتمكن من مغادرة عالمها بسهولة. ما زالت الرواية تسكنني، وكأنها تركت أثرًا عميقًا في داخلي. شعرت بأنني لم أكن مجرد قارئ، بل شريك في تجربة مي، أتنقل معها بين الوحدة والألم وتلك الذكريات القاسية التي تثقل الروح
في النهاية، لا تخرج من الرواية بحكاية، بل بسؤال:
هل الغياب شيء يحدث لنا… أم شيء ننزلق إليه بصمت؟ كما يوحي العنوان (غيبة مي) و ليس ( غياب مي)
وهل سنصير، يومًا، مثل مي—أجسادًا حاضرة، وأرواحًا تتوارى بعيدًا عمّا كانت عليه؟!
رواية أعجبتني عميقة في معناها واقعية في اسلوبها
أنصح بها
⭐️⭐️⭐️⭐️
مراجعة
شهيرة ابراهيم التركماني
March/2026

اقتباسات
✨( مجرد التفكير بما ينتظرني أشعرني بالتعب، أضف إلى ذلك صعوبة رمي الأشياء. أنا أجيد التخلي، صحيح، لكنّ التخلى لا يعني بالضرورة الرمي، ربما لاستمرار وجود رابط عاطفي والخشية من إغلاق الباب بشكلٍ نهائي. ينبغي أن أفكر بالمصير المرعب الذي تؤول إليه أشياؤنا، بعد مماتنا، لأسهل الأمر على ، وكيف تبخس وتمّتهن وتذل، بعد أن كانت مميّزة بالنسبة إلينا وغالية على القلب. ليتنا نسترجع عادة دفن الميت مع أغراضه، هكذا تحمى من عيث الأيادي، وتغنى بفناء أصحابها)
✨ نحن لا نغير احدا يا مي ، كل ما في الأمر أن الأخر يحمي وجهه الحقيقي ، يمسكه برسن الى أن يجئ وقت افلاته
✨"ما عدت انظر إلى نفسي في مرايا ما أمنتُها يوما لأن ما تعكسه دائما مجرد وهم. المرايا لا ترينا يما نحن عليه، بل ما نريد ان نراه فيها..."
✨"لم ترانا لا نصدق كائننا الداخلي الصغير جدا، ذاك الملاك المختبىء في مكان ما في ذواتنا، يحاول تنبيهنا وتحذيرنا ممّا نحن مقبلون عليه. يصرخ ويقفز ويخبط بيديه وقدميه على جدران نفوسنا كي يبلغ مسامعنا، لكنه صغير ٌجداً في داخل عملاق نزق لا يعيره انتباهاً. نضع يدينا في النار، ثم نتندّم كيف اننا أسكتناه وأطلقنا في وجهه صخب العالم لكي يخفيه."
✨ ‏ثمة أحداث أشبه بالسواطير ، تُخضع حيواتنا للتقطيع فتنسينا ما كانت عليه سابقاً.
✨ ‏أجل،ثمّة وجوه كالنجوم تضيء حيواتنا، وأخرى كالثقوب السوداء تسحب منها نورها. لكن، أنّى لنا أن نميّز بين هذه وهاتيك؟
Profile Image for Bahiji AKoury.
22 reviews4 followers
April 11, 2025
جو الكتاب المثقل واضحًا منذ البداية، مما يوحي باستكشاف عميق لمخاوفنا وللنفس الانسانية. أدهشني بشكل خاص كيف بدت البيئة والشخصيات وكأنها تنبعث من بطلة الرواية، في قصة من واقع المسن اللبناني قصة تتكلم عن الوحدة والشيخوخة والذكريات والاهتمام والرعاية والموت.
في بعض الومضات تذكرنا الرواية بروايتيّ "مئة عام من العزلة" و"la vie devant soi"
شخصية الزوج لم تكن ناضجة كفاية، بدا وكأنه مجرد فكرة اضيفت في مرحلة لاحقة من تكوين القصة.
كان الأب شخصيتي المفضلة
غيبة ماي كتاب أتوقع أن يبقى في ذاكرة القراء لفترة طويلة
Profile Image for Abdulkhalek Zohbi.
346 reviews82 followers
April 6, 2025
مي ...
هذه رواية بدأت بالإسم وتلاها الغموض ...
بيروت، ب شوارعها، سكانها، محلاتها، وتاريخها الجميل منذ الستينات حتى يومنا هذا.
عاشت الألم، الصدمة، القهر، الحلم، الحب، الحرب، والخذلان.
بسرد لطيف ولغة جميلة، كنت قد فهمت من هي مي، وحيدة، تتألم، أرادت أن تتحدى كل شيء وتعيش حلمها رغم كل الخسائ��، ويبقى السؤال متى ؟ عندما فهمت معنى "نحن إعتدنا العيش على لطف الغرباء" لأن من لنا قد خذلونا.
Profile Image for zeinab.
47 reviews12 followers
July 30, 2025
كانت البداية بطيئة، إذ جعلتني أعتقد أنّي أقرأ يوميات ست عجوز عاديّة. لكننا غالبًا ما ننسى أنّه لكلّ ست عجوز قصة وماضٍ، وللست ميّ ماضٍ مؤلم جعلها ما هي عليه. شعرت بالأسى لما آلت إليه هذه الصبيّة التي كانت يومًا مفعمة بالحياة والطموحات، فغدت عجوزًا وحيدة لا يؤنسها سوى ناطور سيرلانكيّة ومواء قطة. ربّما فقدان الذاكرة نعمة!
Profile Image for Nour Tamim.
26 reviews5 followers
April 4, 2026
رواية «غيبة مي» لنجوى بركات تتناول الأنثى الكامنة في كلٍّ منا، وتغوص في صدمات الطفولة والمراهقة، وغياب دور الأم، وما يخلّفه ذلك من أثر بالغ على الصحة النفسية للإنسان وخياراته في المستقبل. كما تلامس الرواية قضايا أرذل العمر، والوحدة، وندوب الحرب، بأسلوب آسر ولغة بديعة.
استمتعت بكل صفحة فيها، وتمنيت ألا ينتهي هذا الإبداع. بالتأكيد سأعيد قراءتها مرة أخرى.
Profile Image for mimi 미미 Hamma.
192 reviews5 followers
March 21, 2026
عن الذاكرة و تفاصيلها ، آسر بإستفزاز و عميقة في وقتها
Profile Image for Rawa’a Abu Eid🌻.
79 reviews5 followers
January 6, 2026
أقسى ما في الرواية..أن في حياتنا كلنا ست مي..بل ربما نكون نحن هي..بتلك الذاكرة المتلاطمة كأمواج البحر
Profile Image for Sima Hattab.
143 reviews6 followers
December 28, 2025

الذاكرة ليست مجرد مخزونٍ للصور والأحداث، بل هي الدليل الوحيد على أننا عشنا، وأن لنا جذورًا تمتد في الزمن. فكيف بمن يفقد ذاكرته؟ كيف يواصل حياته دون شريطٍ يعيد له طفولته، أحباءه، وخيباته الأولى؟ هذا السؤال الوجودي هو المدخل الذي تقودنا من خلاله الكاتبة إلى عالم روايتها، حيث تتحول الذاكرة إلى بطلٍ خفي، وإلى مساحة مثقلة بالجراح تشبه ذاكرة الأوطان المنهكة بالحروب والانكسارات.

ذاكرة مي ليست فردية فحسب، بل هي انعكاس لذاكرة بيروت نفسها؛ مدينة مثخنة بالآلام، من الحروب الأهلية، إلى الأزمات الاقتصادية، وصولًا إلى انفجار المرفأ. وكما المدينة، تعيش مي انفجاراتها الداخلية: وحدة قاسية، هشاشة نفسية، وخذلان متكرر ممن أحبت، حتى باتت مشاعرها غريبة عنها، لا تنتمي إليها.

تعتمد الكاتبة في بناء السرد على محورين زمنيين ونفسيين متوازيين.
في المحور الأول، نلتقي بـمي في الرابعة والثمانين من عمرها، امرأة تعيش وحيدة في شقتها، بعد أن تركها توأماها، ورحل زوجها عن الحياة. يتولى البواب يوسف والطبيب داوود مسؤولية رعايتها، في صورة مؤلمة لعلاقات إنسانية تقوم على الواجب لا على العاطفة. هنا ترصد الكاتبة بدقة مشاعر الوحدة والفراغ، وتعود بنا إلى طفولة مي التي فقدت والدتها مبكرًا، وربّتها عمّاتها، ما خلّف داخلها نقصًا عاطفيًا عميقًا انعكس لاحقًا على علاقتها بأبنائها، إذ عجزت عن اختبار مشاعر الأمومة أو منحها، وهو ما سيصبح أحد أكبر مصادر ندمها وألمها.

أما المحور الثاني، فتقدمه الكاتبة بصيغة “هي”، في إحالة ذكية إلى الانقسام الداخلي للشخصية. “هي” تمثل مي في شبابها: فتاة عاشقة للمسرح، مسكونة بالفن، تقع في حب مخرج وكاتب مسرحي، تعيش معه علاقة خارج إطار الزواج، وتنتهي هذه العلاقة بإجهاض طفل لم يُكتب له أن يرى الحياة. تتصاعد الأحداث لتصل إلى محاولة قتله، ثم دخولها مصحة للأمراض العقلية، قبل أن تخرج منها وتبدأ حياة جديدة مثقلة بالندوب.

شخصية “هي” لا تغيب عن حياة مي العجوز؛ تراها في المرآة، تسمع صوتها في أرجاء المنزل، تحاورها رغم محاولاتها المستمرة لإسكاتها. هذا الحضور الدائم يعكس صراع الذاكرة مع النسيان، والذات مع ماضيها، ويمنح الرواية بعدًا نفسيًا عميقًا يجعل القارئ شريكًا في هذا الصراع الداخلي.

نجحت الكاتبة في رسم شخصية مي عبر ثلاث صور متداخلة: الطفلة المحرومة من حنان الأم، والأم العاجزة عن منح الحنان، والحبيبة التي خرجت من علاقة نرجسية ببرودة عاطفية وندوب لا تُشفى. وبهذا تصبح مي مرآة لنساء كثيرات، يحملن هشاشتهن بصمت، ويواجهن خذلان الحب ومن أحببن
هذه رواية لا تُقرأ من الخارج، بل تُعاش من الداخل، بتفاصيلها النفسية الدقيقة، وبأسئلتها المؤلمة عن الفقد، والهوية، والذاكرة. عمل أدبي يترك أثره طويلاً، ويجعل القارئ يراجع ذاكرته الخاصة، ويسأل نفسه: من نكون لو فقدنا ذاكرتنا؟
Profile Image for حنان سليمان.
Author 2 books85 followers
March 27, 2026
لسنا هنا أمام مجرد سرد لحياة سيدة مسنة قاربت على التسعين، بل نحن أمام تشريح جنائزي لمدينة تنهار بالتوازي مع جسد بطلتها. تُشكل الست مي بؤرة السرد ومحور الحكي. تعيش خريفها الأخير في بيروت التي لم تعد تشبه نفسها؛ بيروت الغارقة في عتمة غياب الكهرباء، وانحلال المؤسسات، وسياسات الإفقار الممنهج التي تركت الناس يتخبطون بين انهيار العملة وضياع مدخرات العمر.

ببراعة مدهشة، يربط النص بين شيخوخة "مي" وتهاوي بيروت وكأنهما توأما الذبول إذ "ليس سهلاً على من يُقبل على الموت أن يعيش في مدينة مقبلة على الحياة"، لكن الفاجعة تكمن في أن المدينة نفسها لم تعد مقبلة على شيء سوى الفناء، وهكذا تخطو مي وبيروت معًا نحو النهاية. ومع ذلك، يستحضر السرد ذاكرة خصبة في الأيام الخوالي، حين كانت بيروت حية، كانت هي من أنهضت "مي" من قوقعتها، ورفعتها من الأرض، غذّتها ودعمتها حتى تفرعت أغصان روحها لتطاول السماء قبل أن تنتهي نهاية تليق بفنانة مسرح.

تتحرك "مي" في فضاء من الوحدة الموحشة، رغم كثرة الشخصيات التي تمر في ذاكرتها (الأب، الأم، الزوج، الابنان التوأم، الخادمة، حارس البناية، الطبيب... إلخ). تعيش غيبة مركبة؛ غيبة فقدان الذاكرة لسبع سنوات خلت، وغيبة اختيارية بالانعزال عن واقع بيروت المرير الذي يصل ذروته مع انفجار المرفأ. ذلك الانفجار الذي لم ينسف الحجر فحسب، بل نسف ما تبقى من روح في مدينة كانت تنازع لكنها لم تكن قد ماتت بعد.

تقدم الرواية "مي" كنموذج إنساني معقد؛ فهي ليست "الأم" كما ترسمها الكتب أو التقاليد، بل هي امرأة تخاف الخرف وتواجه تآكل ذاتها أمام مرآة الزمن. وفي ظل غياب الدولة والفساد المستشرِ، تصرخ الرواية بلسان حال أبطالها: "نحن مواطنون يتامى، لا دولة تهتم بنا ولا مؤسسات".

اعتمدت الرواية لغةً منحوتة جزلة، مُفعمة بصور إنسانية شديدة الحساسية لحياة العجزة، وبإيقاع بطيء ينسجم تمامًا مع نبض الراوي المُتعب. يغلب على الرواية تيار الوعي الذي تتداعى فيه الأفكار بحرية دون ترتيب في إطار المونولوج. وفي مشهد مهيب، تطل مي من شرفتها إطلالة بانورامية على أضواء بيروت الساحرة، تراقبها من الحافة، من نقطة القطيعة، دون أن تنخرط فيها، وكأنها تودع حُلمًا جميلًا صار كابوسًا قبل أن تنسدل الستارة على حياة مي وحياة بيروت.
Profile Image for Ghada.
120 reviews9 followers
June 24, 2025
#غيبة_مي
#نجوى_بركات
ست مي الثمانينية المتمترسة بشقتها في الطابق التاسع في بناية فخمة بأحدى احياء بيروت الفاخرة المطلة على البحر، تروي لنا معاناة بيروت خلال السنوات الاخيرة، منذ ثورة ٢٠١٩ وانهيار العملة وازمة المصارف وانفجار المرفأ وما رافق ذلك من تدهور في البلد تزامن مع تدهور ذاكرتها التي صارت تمارس معها العاب كأن تسترجع ذكريات مي الطفلة مع والدها الحنون قي كل ما تقوم به في يومياتها الرتيبة، وكأن تعود مي الصبية من غيبتها لتخبرها ما سقط من ذاكرتها منذ كانت نجمة المسرح حتى عادت اما لتؤام في السابعة من عمرهما . حاولت مي ان تتقبل دور الامومة لكنها لم تنجح فيها مثل ما نجحت بادوارها المسرحية.
في السرد تقمصت نجوى بركات جسد وفكر مي العجوز فابدعت بوصف كل التغيرات التي تصاحب كبر السن والوحدة التي يعاني منها اغلب كبارنا بعد ما سرقت الغربة ابنائهم.
في الخلفية كان يوسف الناطور السوري حاضرا دائما ليكون البديل عن توأمها البعيدين، ليجد نفسه متورطا في حب أمومي لهذه السيدة النزقة بدا واضحا في سرده لايامها الاخيرة وخاصة اللحظة التي نزلت فيها عن المسرح للمرة الاخيرة، صارخة بجملة بلانش الاخيرة من مسرحية "عربة اسمها الرغبة": فأنا لطالما اعتمدت على لطف الغرباء.

من الرواية:

"ما عدت انظر إلى نفسي في مرايا ما أمنتُها يوما لأن ما تعكسه دائما مجرد وهم. المرايا لا ترينا يما نحن عليه، بل ما نريد ان نراه فيها..."

"لم ترانا لا نصدق كائننا الداخلي الصغير جدا، ذاك الملاك المختبىء في مكان ما في ذواتنا، يحاول تنبيهنا وتحذيرنا ممّا نحن مقبلون عليه. يصرخ ويقفز ويخبط بيديه وقدميه على جدران نفوسنا كي يبلغ مسامعنا، لكنه صغير ٌجداً في داخل عملاق نزق لا يعيره انتباهاً. نضع يدينا في النار، ثم نتندّم كيف اننا أسكتناه وأطلقنا في وجهه صخب العالم لكي يخفيه."

"نحن لا نغير احداً، يا مي، كل ما في الأمر ان الآخر يُخفي وجهه الحقيقي، يمسكه برسن ألى ان يجيء وقت إفلاته."


Profile Image for Rana AL Ech.
40 reviews3 followers
January 14, 2026
أنهيتُ غيبة مي للكاتبة نجوى بركات
وأنا محمّلة بشعورين ثقيلين: تعاطف… وخوف.
تعاطفتُ مع بطلة الرواية (مي ) لأنها امرأة لم تُهزم، لكنها انسحبت بهدوء من عالم لم يعد يراها.
وخفتُ لأن هذا الغياب ليس بعيدًا، ولا خياليًا، بل احتمال قريب نلمسه كلما تقدّم العمر وصار الصمت أعلى من الأصوات.
الرواية قاسية لأنها صادقة،لا تواسي، لا تفسّر، ولا تمنح نهاية مريحة.
تضعنا أمام الشيخوخة، والوحدة، وتآكل الذاكرة،
كما هي… بلا تجميل.
غيبة مي ليست عن امرأة واحدة،بل عن نساء كثيرات غبنَ بصمت،
وعن خوفٍ نسائيّ مشروع من أن نُنسى ونحن أحياء
الرواية تتعامل مع الذاكرة والغياب والشيخوخة، وكيف تصبح الحياة اليومية مليئة بالحصيلة النفسية والتأمل في الذات
Profile Image for Suhail Alsharif.
270 reviews4 followers
April 26, 2026
رواية ( غيبة مي ) للكاتبة اللبنانية نجوى بركات ليست مجرّد حكاية عن شيخوخةٍ معزولة، بل بناءٌ سرديّ يتوغّل في أكثر مناطق الوعي هشاشةً وعتمة؛ حيث تتآكل الحدود بين الحقيقة والوهم، ويغدو الإدراك نفسه موضع شكّ. تتمحور الرواية حول “مي”، امرأةٍ بلغت الثمانين، تعيش في شقّةٍ بيروتيّة كأنها جزيرةٌ منفصلة عن العالم، بعد أن تفرّق أبناؤها في المنافي، وتقلّص حضور الآخرين في حياتها إلى شخصياتٍ عابرة: بوّاب، طبيب، وظلال علاقاتٍ باهتة. غير أنّ هذا السكون ليس طمأنينة، بل فراغٌ كثيف، سرعان ما يتشقق حين تسمع صوتًا ينادي اسمها في لحظةٍ ملتبسة بين النوم واليقظة، فتبدأ الرواية من هذا الخلل الدقيق: هل ما تسمعه “مي” حقيقةٌ تتسرّب إليها، أم مجرّد ارتدادٍ لذاكرةٍ بدأت تفقد تماسكها؟

من هنا، تنسج نجوى نصًا قائمًا على التصدّع؛ حيث لا يُروى الحدث بقدر ما يُعاش كارتباكٍ داخلي. تتقدّم “مي” في متاهةٍ من الذكريات التي لا تعود ثابتة، بل تتغيّر، تتلوّن، وتعيد تشكيل نفسها كلما حاولت الإمساك بها. الماضي في الرواية ليس زمنًا منقضيًا، بل كائنٌ طاغٍ يقتحم الحاضر ويعيد كتابته، فتغدو “مي” أسيرة طبقاتٍ متراكبة من حياتها: أمومةٌ مشروخة لم تُنقذ أبناءها من الغياب، علاقاتٌ عاطفية ملتبسة لم تبلغ صفاءها، وقراراتٌ ظلّت معلّقة بين ما كان يمكن أن يكون وما حدث فعلاً. بهذا، تتحوّل الذاكرة من ملاذٍ إلى عبء، ومن وسيلة استرجاع إلى قوةٍ تفكّك الهوية بدل أن تحفظها.

وفي عمق هذا التشظي، تشتغل الرواية على فكرة “الغياب” بوصفه تجربةً مركّبة: فـ“مي” ليست غائبةً عن الآخرين فقط، بل عن ذاتها أيضًا. إنّها تعيش انزلاقًا بطيئًا خارج وعيها، حيث تفقد اللغة قدرتها على تثبيت المعنى، ويغدو العالم من حولها هشًّا، قابلًا للانمحاء أو التشوّه في أي لحظة. الأصوات تتداخل، الصور تتشظّى، واليقين يتبدّد، حتى يصبح الإدراك نفسه فعلًا غير موثوق. وهنا تبلغ الرواية ذروتها الوجودية: حين لا يعود الإنسان قادرًا على الوثوق بما يرى أو يتذكّر، ماذا يبقى منه؟ أيّ “أنا” تظلّ قائمة حين تتداعى الذاكرة التي كانت تمنحها شكلها واستمراريتها؟

أسلوبيًا، تعتمد بركات على لغةٍ متوتّرة، كثيفة، تتأرجح بين السرد والتداعي الحر، بحيث يشعر القارئ أنّه داخل وعي “مي” لا خارجها؛ يختبر معها التردّد ذاته، والالتباس نفسه، دون يقينٍ يُنقذه. لا تقدّم الرواية إجاباتٍ بقدر ما تفتح فجواتٍ في الفهم، وتترك القارئ أمام نصٍّ يراوغ القبض عليه، كما تراوغ “مي” نفسها ذاتها. وحتى النهاية لا تأتي بوصفها خاتمةً حاسمة، بل كامتدادٍ لهذا الغياب: انطفاءٌ هادئ لا يوقف العالم، بل يكشف قسوته في الاستمرار دون اكتراث، كأنّ وجود الفرد، بكلّ ما فيه من ألمٍ وذاكرة، لا يترك سوى أثرٍ خافت سرعان ما يُمحى.

بهذا المعنى، تبدو الرواية تأمّلًا عميقًا في الشيخوخة لا كمرحلةٍ زمنية، بل كخبرة وجودية قاسية؛ حيث ينكشف الإنسان على حقيقته العارية، بلا أوهامٍ أو أقنعة، ويواجه السؤال الأكثر إيلامًا: هل نحن ما عشناه فعلًا، أم ما نتذكّره فقط؟ وإذا خانتنا ذاكرتنا، فهل نغيب عن العالم، أم يغيب العالم عنّا؟
Profile Image for Randa Natsheh.
372 reviews19 followers
December 23, 2025
في البداية انسجمت مع تلك الذكريات التي كانت تبثها مي..تلك العجوز التي بلغت الثمانين، وتسكن وحيدة في الطابق التاسع، ويقوم برعايتها حارس العمارة وطبيبها، بتوصية من أبنيها المغتربين.. تتحدث عن مشاعرها إزاء الكثير من الأحداث والآلام التي شهدتها بلادها..وتعود بالزمن أكثر وأكثر فتتحدث عن مشاعرها تجاه والدها ومرض والدتها وكذلك وفاة زوجها.. نتعرف على طباعها وعاداتها وسلوكها..كيف تمر عليها الأيام.. وكيف ترى هي أيامها..

ولكن لم أنسجم مع تلك الفترة الزمنية الي جاءت تلك الزائرة الخيالية لتعيدها إليها وتذكرها بها، الأحداث غير مقنعة ولا أدري لماذا اختارت الكاتبة هذا السيناريو لتمر به بطلة القصة مي؟..هل هي أحداث حقيقية عرفتها الكاتبة عن إحداهن.. فالقصة كانت غريبة عن فتاة تترك والدها المتعلقة به وتلجأ إلى المساكنة مع شخص يهينها، وتعود لتجد والدها مريضا وبعد موته تعود مرة أخرى لنفس الشخص الذي أذلها..بدلا من أن تفكر بنجاحها! فعلا فعلا هي أحداث يهرب منها أي شخص يكون قد مر بها ولا يتمنى أن يذكره بها أحد! وأعتقد أن غيبة مي كانت تلك السنوات السبع المريرة التي عاشتها وخرجت منها بمرض نفسي وألم، وأنقذها زواجها..

اللغة في الرواية واضحة وأسلوب السرد جميل..
وأختم باقتباسات وبعض من خواطر مي:
- فالعجائز بصفة عامة لا يحبون الجديد، بل ما تَلِف مثلهم واعتادوه. العتيق أنيس ومطواع، أما الجديد فقاس وعدواني.
-غريب كيف تختلف طبيعة الأشياء باختلاف النظر إليها؟!..
- الطعام اللذيذ يبدل أسوأ الأمزجة ويصالحك مع العالم لتصبح كائن صفاء وهناء.
- حياتنا، هي لا تفلت منا بالموت فقط، بل بما يتبقى منها انتقائيا، في ذاكرة الآخرين.
-نحن غالبا ما ننسى أن أهلنا عاشوا قبلنا، أنهم كانوا صغارا وكانت لهم حياة.
- فالشاشة الصغيرة بالوعة كبيرة ينبغي إحكام سدها كي لا تتسرب منها فوضى العالم وروائح تحلله.
- حين ننسى ملامح أحبتنا، لا بد وأن يحرنوا ويلتفتوا عنا إلى من يُبقون ذكراهم حيَّة.
- نحن لا نغير أحدًا، يا مي كلُّ ما في الأمر أنَّ الآخر يُخفي وجهه الحقيقي، يُمسكه برسن إلى أن يجيء وقت إفلاته.
- ينبغي أن أُفكر بالمصير المرعب الذي تؤول إليه أشياؤنا بعد مماتنا، لأسهل الأمر علي، وكيف تبخس وتُمتَهن وتُذَلّ، بعد أن كانت مميزة بالنسبة إلينا وغالية على القلب. ليتنا نسترجع عادة دفن الميت مع أغراضه، هكذا تحمى من عبث الأيادي وتفنى بفناء أصحابها. وأنا، ماذا كنتُ لأختار من أشيائي، لو قدر لي أن أختار؟
12 reviews2 followers
February 13, 2026
حتي منتصف الرواية هممت الي تقييمها ثلاثة من خمسة علي اقصي تقدير و الي ان بدأت ان اقرأ نصفها الاخير الي ان وصلت الي قمة المتعة والاثارة والتعاطف مع مي وقبل ان تنتهي قيمتها خمسه من خمسه ، اعتقد انها ستكون الرابحة بجائزة البوكر هذا العام ان لم تكن رواية اخري قد قررت الظفر بالجائزة
Profile Image for Fatimah.
258 reviews2 followers
April 17, 2026
الرواية من اللطف لدرجة اني خلصتها بجلسه وحده
مشاعر لا نهائية تحكيها لك امرأة في ٨٤ من عمرها
كيف يشعر من وصل لهذا العمر وكيف تجاوز خيبات السنين وماهو تأثير الماض على الحاضر والمستقبل
رائعه سلسة تحكي مشاعر فاضت بكل شيء
أحببتها كثيرا وأحببت الغوص في داخلها
Profile Image for Mai.
73 reviews127 followers
January 25, 2026
يالله كم هي جميلة مي وكم هو جميل أسلوب وسرد الكاتبة
أحب الروايات التي يرافقني أبطالها حتى وأنا لا أقرأها
كم فكرت بمي وأنا في العمل مشتاقة لأرجع للبيت لأقرأ عنها


Profile Image for راضي النماصي.
Author 6 books676 followers
March 16, 2026
أتى الفصل الأول مقنعًا للغاية، لكن أتى الفصل الثاني والثالث بما يقتل هذه الرواية.
عمل مؤسف، وأرجو ألا ينال به الزمن من سمعة مؤلفة روائع مثل "لغة السر" و"مستر نون".
6 reviews3 followers
January 11, 2026
رواية «غيبة مي» – نجوى بركات
رواية لا تُقرأ بحثًا عن حدث صاخب أو حبكة تقليدية،
بل تُقرأ بوصفها تجربة إنسانية عميقة تلامس الذاكرة والهشاشة والوحدة، وتطرح سؤال الغياب بصيغته
الأكثر إيلامًا: الغياب ونحن ما زلنا في المكان.

في هذا النص، لا تختفي مي عن العالم، بل تغيب عنها الذاكرة تدريجيًا، فنشهد انسحابها الهادئ من حياتها،
، ومن العلاقات التي لم تستطع أن تحميها أو تتمسك بها.
ومن خلال هذه السيرة،
تفتح الرواية نافذة على تحولات بيروت، وعلى تغيّر الزمن، وعلى الإنسان حين يفقد قدرته على الإمساك بذاته.

هذه رواية بديعة، عميقة المعاني، كُتبت بذكاء وبراعة. لا نخرج منها بعد قراءتها إلا مثقلين بالأسئلة،
متأملين في أحوال البشر، وفي المدن، وفي تحولات الزمن.
من هي مي؟ وهل غيبتها مجرد غيبة امرأة في أواخر العمر؟ أم هي غيبة الإنسان واغترابه عن ذاته؟
أم غيبة ذلك الزمن الجميل الذي مضى، والذي عاشته بيروت أيضًا؟

نرى بيروت وتحولاتها من خلال مي.
الست مي هي كل امرأة حطّمها حبّها لرجل انتهازي، كل امرأة كسرها ال��ب وخذلها الحبيب، فتحوّلت حياتها
من امرأة طموحة، حرّة، صاحبة قرار، إلى امرأة وحيدة، مخذولة.

وهنا تحضر إلى الذهن رواية «إيزيس كوبيا» للكاتب واسيني الأعرج، وما عرفناه من خلالها عن حياة مي زيادة.
فهل استلهمت الكاتبة من سيرة مي زيادة، ولذلك منحت بطلتها اسم «مي»؟

مي أيضًا هي بيروت، أو لبنان، في انعكاس الصورة. ولو جعلنا من مي مرآة نرى فيها بيروت، وتحولاتها،
وما أصابها من تغيّرات، وما تعانيه من أزمات ومشكلات، لوجدنا تشابهًا كبيرًا بين الحالتين.
لعلّ الكاتبة أرادت أن نرى بيروت من خلال شخصية مي، فكلاهما مرآة للأخرى.

استطاعت نجوى بركات أن تُدخلنا إلى عالم مي، فتابعنا معها تفاصيل أيامها، وشذرات من ذكريات طفولتها،
ثم معاناتها مع الوحدة، وتغيرات الجسد، والحاجة إلى المساعدة حتى في أبسط تفاصيل الحياة.
وقفنا مع مي الثمانينية على شرفة شقتها في تلطابق التاسع ،نراقب المدينة ومن فيها، ونتأمل في أحوالها وأحوالهم.

ثم دخلنا معها إلى شقتها، لنلتقي بمي الصبية، ونتعرّف إلى ماضيها، وما عانته ومرّت به من أحداث
غيّرت مسار حياتها.

تعرّفنا أيضًا إلى يوسف، ناطور العمارة السوري الأصل، الذي بدأ اهتمامه بها من باب الواجب، ثم تحوّل
هذا الاهتمام إلى ارتباط إنساني عميق، ففعل ما بوسعه لمساعدتها، بطرق عدّة، من بينها إدخال القطة
إلى بيتها لتؤنس وحدتها.

ولا ننسى الأب، والمساعدة السيرلانكية ،والأم الغائبة، والحبيب النرجسي، والأبناء الذين اختاروا الغربة.

إنه عالم رسمت نجوى بركات تفاصيله بذكاء، وأدخلتنا إليه بسلاسة وعمق.

وفي «غيبة مي» لا نقرأ حكاية امرأة اختفت، بل حكاية امرأة غابت عنها الذاكرة، وانسحبت من حياتها ببطء،
حتى انتهى بها الأمر إلى الدخول إلى مركز رعاية للمسنين.

رواية تذكّرنا بأن بعض الغيابات لا تكون بالمغادرة، بل بالبقاء في المكان دون القدرة على الإمساك
بالحياة كما كانت.
Profile Image for أحمد.
Author 1 book410 followers
March 26, 2026
كانت تجربة قراءة وعرة تحوّلت إلى إحساس بضرورة إنهائها لقضاء الواجب، ولمجرد إنهائها، لأن القصة كانت تبدو بلا حياة، ومتكلّفة كثيرًا، وإن صاحب ذلك انتعاشة أخيرة جاءت في الفصل الأخير، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان! فهذه الرواية عن حياة امرأة في الرابعة والثمانين تعيش وحدها في بيروت ويصرف عليها ابناها المغتربان في الخارج، فإن أضفنا إلى ذلك أن ابنيْها جعلا ناطور العمارة، أي حارسها، يهتم بأمّهما ويقوم بشؤونها، وأن هنالك خادمة تأتي أحيانًا لتقوم بشأن البيت وتنظيفه وإعداد بعض وجبات الطعام، فلا يتبقى من هذه الحياة المتخيّلة في أرذل العمر سوى قشرة هشة، لأنه إذا خلت الحياة من كل هذا، فمن أين تأتي الحياة؟! وقلت لنفسي حينذاك، ومنذ الصفحات الأولى بعد أن بانت ملامح هذه المعالم، إنّ هذا محكّ حقيقي لروائي حقيقي لكي يخلق هذه الحياة في تلك اللا حياة، ويرينا عن قرب حميمي خصوبة عيش ثمانين سنة في مدينة حبلى بالحياة، مثل بيروت.

غير أن الرواية جاءت متواضعة، وهاربة من كل ما قد يحبّ الروائي الحقيقي خوضه ببسالة، في الليل، ليأتي لنا بالجميل من كائنات ذاك الليل، فهذه اللا بسالة كانت واضحة في كل جانب من جوانب هذه الرواية القصيرة، بدءًا من اختيار لسان الحكاية، فرغم أن اللسان هو لسان هذه المرأة نفسها (عدا الفصل الأخير الختامي المحكي على لسان الناطور) إلا أنني لم أحس لحظة أن هذه المرأة الثمانينية تتكلّم إلينا، فالروائي ظلّ يراقب شخصيته من الخارج، لنراه هو، لا غيره، يخاف عليها من خرف الشيخوخة (ولا تطاوعني نفسي أن أقول: تخاف هي على نفسها من خرف الشيخوخة!) ويصف لنا نهوضها من سريرها ومغادرتها غرفة النوم:

قمتُ ودخلتُ الصالون، لم أتلفَّت حولي متوجّسة، لأنِّي كنت قد تيقَّنت من ماهيَّة ما ظهر منذ أيَّام: أضغاث ذكرياتٍ قديمةٍ ممحوَّةٍ وقد انبثقت فجأة، ثم اختفت مثلما جاءت، فأنا لا يشغلني سوى أمرٍ أوحدٍ وحيد: أن لا يجد دودُ الخَرَف طريقه إلى عقلي، وما عدا ذلك، كلُّ شيءٍ مقبول. أخال دماغي ثمرةً مصيرها الاهتراء، يتكاثر الدود في قلبها ويبدأ بقضمها من الداخل . جيوشٌ مليونيَّةٌ من الدود تعمل على محو كلِّ ما فيه. من دونه نحن لا شيء، قوالب فارغةٌ بلا محتوى، هدير طبول، أجسادنا أيضًا، ثمار الحياة، يأكلها الدود. كلُّ حيِّ ينتهي غذاءً له، أمَّا الجماد فلا خوف عليه. هل أنَّ قدر كلِّ الكائنات الاهتراء والدخول في مملكة تلك المخلوقات الصغيرة اللزجة الصغيرة التي تتغذَّى على كلِّ هشِّ وزائل؟

ثم يُدخلها الحمّام (ولا تطاوعني نفسي أن أقول دخلت هي الحمام!) ويصف ملامح الجسد المهترئ والتجاعيد في جسد وصدر هذه المرأة، ثم وهي تقضي حاجتها في حمّام بيتها، ثم وهي تتحرّك في مطبخ البيت تجهّز وجبة طعامها، ثم ربتتها الأخيرة على بطنها في امتنان الشبع، وكل هذا كان وصفًا من الخارج لم أحسّ فيه روح تلك المرأة، ولا وجودها الحقيقي في هذا العالم، وكان تزييف الحكّاء لهذا الوجود ثم ملئه بالحكم الفارغة، كان شيئًا يزيد من وعورة القراءة، فها هو يجعل المرأة تُنظر إلى نفسها في مرآة الحمام بعد أن غسلت يدها (ولا أقول كالعادة أنها التي نظرت إلى نفسها في المرآة!):

وقفت أغسل يديَّ تحت المياه الباردة، فركتهما بيدَيْ أبي ونظراته المتبسّمة دومًا، لا أرفع نظري إلى المرآة فوق المغسلة، ما عدت أنظر إلى نفسي في مرايا ما، أَمنتُها يومًا، لأنَّ ما تعكسه دائمًا مجرَّد وهم، المرايا لا تُرينا ما نحن عليه، بل ما نريد أن نراه فيها، ثمَّة فرق. صبيَّة، كنتُ لا أرى فيها وجهي، بل ما يحاول أن يستر ويُخفيه، كمن يرى الفواصل وحدها داخل نصّ، الآن، وقد تجلَّى النصُّ كاملًا أمامي، اختفت الفواصل ومعها النقاط والسطور.

ثم ها هي وقد أُخرجت من الحمام (ولا أقول خرجت!) وأُكّلت الطعام الذي تركته خادمتها شاميلي في الثلاجة في صحن من الفخّار:

يعجبني صحن الفخار، هشٌّ ومتين في آن، وفي صلب الموضوع.

ولكنها تجده باردًا فيجبرها الروائي على وضعه في المايكرويف ويُثبّت رأسها أمام لوحه الزجاجي:

تأملتُ الصحن يدور على نفسه وأنا انتظر الرنين الذي يعلن بلوغ السخونة المبتغاة، أكره الأكل البارد، الفاتر، الذي ينبّهك إلى أنه لم يُطبخ للتوّ، بينما تعيد السخونة المرتفعة إلى الأكل شيئًا من طزاجته.

ثم يصل الصحن الفخاري إلى درجة السخونة المبتغاة فتُجبر على إخراجه ووضعه برفق على الطاولة:

وضعتُه برفق على الطاولة، ما زالت الموجات تفعل فعلها، لذا ينبغي ترك الطعام قليلاً ليهمد، موجات لا نراها تصيب بسهامها جزئيات الطعام، وأخالها مثل أشعّة شمس متعجلة تضرب الأكل لينضج، لا شيء كالنار، لا شيء كملامسة ألسنتها ولسعاتها ورائحتها حين تحتضن الأشياء لتنضجها، لا بدّ وأنّ صحن الفخّار يشكو الآن ما تعرّض له من سوء معاملة.

ولكن الروائي يتذكّر شيئًا من عالم العجز، فيُوقفها في اللحظة الأخيرة عن تناول الطعام الساخن، ويُرغمها على أن تصب لنفسها كأسًا من الماء:

صببتُ كأس ماء، يجب أن أشرب، أن أُرغم نفسي على ترطيب جسدي الذي يزداد جفافًا وضمورًا كلّما تقدّمتُ في العمر، الرطوبة تلين، والماء يُحيي، رشفتُ رشفتَيْن، وتناولت الملعقة، وغرفتُ، ياه، ليس مثل لذّة لاكل حين تكون جائعًا، وحين تكون يدا شاميلي الصغيرتان الماهرتان في الصحن، يداها اللتان تجيدان التقشير والتقطيع والفرم وباستطاعتهما تحويل أي جسم إلى قطع صغيرة جدًا بحيث يصير صعبًا على العين المجرّدة تقصّي ما كان عليه في الأصل، تفرم شاميلي الثوم والزنجبيل أوَّلًا، ثم تهرسهما ليُطلقا نكهتيهما، قبل أن تضعهما في الزيت ليتحرقصا قليلًا ويتعانقا، قبل ذلك، تكون قد أعدَّت مهرجان الخضار المتنوِّعة: لوبياء، جزر، ملفوف، بصل أخضر، كراث، بازيلًا، إلخ، مشرَّحةً بالطول قطعًا رفيعة، ليأتي من ثم دورُ البهارات أتت بها من بلادها، أي من الحانوت الذي تقصده في مستديرة الدورة ويستوردها من سريلانكا، باستطاعة شاميلي تقطيع وفرم كلِّ شيء، بحبِّ وأناةٍ ومهما تطلَّب الأمر جهدًا ووقتًا، بإمكانها أن تفرم حتى الحزن .

ثم يُناولها بنفسه طعامها:

تناولتُ صلصة الصويا الممنوعة عليَّ لملوحتها، ورششتُ بالكاد بضع نقاطٍ على حبوب الأرزِّ البسمتيّ التي تشبه طاهيتها، رفيعةً وطويلةً ولا تحتوي على أكثر ممَّا يلزم من النشاء، على عكس بدانة شقيقَيْه المصريّ والإيطاليِّ اللذين قاطعتهما، ملأتُ ملعقتي ثانيةً وأكلتُ، فراحت النكهاتُ تتفتَّق تحت لساني وتطلق مذاقًا يودي إلى الجنون. تلذَّذت بطعامي وكدتُ أُطلق آهة طرب من قاع القلب. الطعام اللذيذ يبدِّل أسوأ الأمزجة ويصالحك مع العالم لتصبح كائن صفاءٍ وهناء. هذه هي الغبطة، فكَّرتُ، لذَّةٌ من دون تفكير، الإقامة في اللحظة، في ما تمضغه، متناسيًا كلَّ ما عداه .

وأعتذر عن هذه النبرة، ولكنها لا تعكس إلا القليل من الضيق الذي ساورني حال قراءتها، فكان عيب هذه الرواية أنها فقد خلت من الحياة، وجعلت حياة هذه المرأة الثمانينية تجري من وراء حجاب كثيف من عدم المعايشة، ثم إن أتى كل هذا على لسان هذه المرأة الثمانينية نفسها، فهذه ضربة قاتلة لهذه المعايشة، وربما لهان الأمر أو استساغ لو كانت هذه الرواية تروى بأكملها من منظور الخادمة أو الناطور صاحب لسان الفصل الأخير، عين مراقبة قد نلتمس لصاحبها هذا الحاجز من عدم المعايشة لحياة أجنبية عنه! وقد كانت كذلك محاولات وضع الحياة في هذه الحياة الأجنبية متواضعة أقصى ما يكون التواضع، وكأنه المؤلفة صادت هذه المحاولات من سطح الماء دون أن تكدّره أو تغص داخله ببسالة، فمن هذه المحاولة، وهي محور الحكاية الحيّة، الإتيان بقطّة على عتبة باب هذه المرأة، ثم لا ترحل القطة وتظلّ تجيء يومًا بعد يوم وتموء عند بابها وتخربش أسفل الباب، حتى تعطف المرأة عليها وتُدخلها بيتها في النهاية وتكتشف أنها مريضة فتعالجعها عند الطبيب وتعني بها بنفسها بوضع الطعام لها، فيما يفترض أن يعني هذا لنا تحوّلاً اجتماعيًا جرى في حياة هذه المرأة بدخول القطة حياتها وعطفها عليها بعد طول اشتكائها منها، وكذا! وهذا أمر ساذج صراحة، لأنه مبتذل أولاً، أو كما يقول البيت الشائع من مرثية الأندلس: "لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ"، فالمرأة ظلّت تنفر من القطة، ثم تعلم أن القطة مريضة بالسرطان، بعد أن ذهبت مع الناطور إلى الدكتور البيطري، ورغم نفورها المستمر تُدخلها في النهاية لييتها وتُعنى بها وتقدّم لها التونة وتمسّدها بيدها، في صفحة أو صفحة ونصف بالكاد ثم ينتهي كل شيء عن القطة!

إذن هل نتيجة هذا أن هذه المرأة صارت طيبة واجتماعية من بعد أن لم تكن؟! لا، لقد ظلت كما هي، طيب وعلاقتها مع الناس حولها (الناطور والخادمة) هل تغيّرت على الأثر؟ لا كذلك، لقد ظلّت تلك العلاقات على حالها في نفس التعامل النزق معهما، على أنها مع ذلك تظل فكرة مبتذلة! – أي فكرة شائعة ومن أفكار البديهة الأولى: أعط الشخصية المعمّرة حيوانًا أو طفلاً صغيرًا (مثل حفيد) وانظر كيف ستتعامل معها! ويزيد الأمر ابتذالاً لو جعلنا هذا الحيوان أو الحفيد مصابًا بمرض يستدرّ حتى دموع الأعداء!

ولم ينته صراحة دور القطة ههنا، فإننا نعرف لاحقًا في الفصل الأخير على لسان الناطور، أن الناطور هو الذي أحضر هذه القطة لها ووضعها على عتبة بابها، بعد أن جوّعها! وهذا من أجل يسلّي المرأة في وحدتها ما دام هو المشرف عليها تحت وصابة ابنيْها، وهذا صراحة غير منطقي، أعني، هل هناك قطة تتصرّف هكذا؟! هل هذه الكائنات النرجسية العزيزة يصلح معها أن يجوّعها أحدهم ثم يضعها على عتبة باب شقة سكنية في عمارة ممتلئة بالسكّان، وعندما لا تعبّرها ساكنة الشقة تظلّ تموء وتخربش الباب، وعندما تطردها تلك الساكنة تعود ثانية من نفسها، وكأن باب هذه الساكنة هو الباب الأخير في العالم، وعمارتها هي العمارة الأخيرة في العالم، ومكانها أمام بابها المغلق هو المكان الوحيد في العالم التي تؤمّل أن تحصل منه على الطعام؟! لا طبعًا، ولكن الروائي أرغم هذه القطة، هي أيضًا، على الدخول في حضرة حكايته! والقطة كما ذكرت، هي محور الحكاية الحيّة، لأنها لو غابت لانفردت الذكريات بهذه المرأة الثمانينية، وصارت الرواية كلها هي مواقف الذكريات الجامدة، وهي جامدة لأنها ظلت بعيدة في زمن عالمها غير المعاش، على طريقة كان أبي يفعل كذا وكذا، وكانت عمّتي تتحرّق للزواج، وكان وكانت ..!

ثم عندما ينتهي فصل المرأة، ويأتي فصل شخصية المرأة الذهانية، التي هي شخصية المرأة الثمانينية في شبابها القديم، ويتحاور الاثنان معًا في مشهد ذهاني، كانت رغم براعة الفكرة، لا شيء فيها سوى حوار حديث الذكريات الأحادي الطويل جدًا، والاحادي أي من جانب واحد لا غير، وهو جانب المرأة العشرينية، ففي هذا القسم من الرواية صارت المرأة العشرينية هي التي تحكي لنا (وهي تخاطب نفسها الثمانينية في حوار متصل!) قصة حياتها الماضية ودخولها عالم المسرح وقصة حبّها القديمة وزوجها الذي أساء معاملتها، حوار أحادي طويل، غابت فيه نسختها الثمانينة عن الوجود أمامنا، وإن ظلّت العشرينية تحاول الحفاظ على وجودها أمامنا بكلمات ساذجة لتجذب حضورها أمامنا قسرًا، كلمات مثل:

- هل غفوت يا مي؟! منذ ساعات وأنا احكي، وها قد هبط الليل وأنت لم تنبسي بعد بحرف، أنا حتى لا أسمع مواء قطّتك.
-لست قطّتي.
- ياه .. صوتك متورّم، لقد أبكيتُك!
- تابعي

وتتابع وحدها تمامًا، أي لنا!

ثم وبعد صفحات كثيرة أخرى من حديثها عن حياتها الماضية في شبابها ومواصلة عرض مأساتها وخيباتها، ينتهي هذا القسم، وتنتهي معها هذه الفكرة الذهانية التي كان ممكن أن تكون مؤثرة حقًا لو غاصت فيها في بسالة ولم تكتفي بهذا التلامس السطحي بين قصة المرأة في الحاضر وبين قصتها في الماضي! - تنتهي بقول النسخة العشرينية للنسخة الثمانينية منها:

أطلتُ عليكِ، هذي الحقيقية كلّها، وقد صرتِ تعرفينها، يا صديقتي، حان وقت رحيلي، أتركك ولن أعود لمضايقتك بعد الآن، سامحيني، يا ميّ!

ثم يأتي الفصل الأخير الذي يرويه الناطور، من بعد أن بلغ أن التواضع أقصاه! وهو أقصر الأقسام الثلاثة، ويأتي بعد وفاة المرأة الثمانينية وتكليف ابناها للناطور لكي يؤجر البيت الخالي (بالاتصال به، فلم يظهر الابنان قط طوال الرواية أو نسمع صوتهما) فيحكي لنا الناطور عن معرفته المرأة التي ماتت، من موقع المراقبة المستساغ هذه المرة، لا المعايشة، ثم لأوّل مرة نعرف منه قصّة لطيفة لم تمرّ علينا في الصفحات السابقة، فنحن ومن القسم الثاني، القسم التي تحكي فيها المرأة قصتها وهي شابّة، نعرف لأول مرة أن تلك المرأة الثمانينية كانت ممثلة مسرحية في شبابها، ثم يأتي هذا الفصل الأخير على لسان الناطور ونعرف أن في إصابة المرأة الأخيرة بالخرف أعادها لذكريات المسرح، فقد كانت تتزيّن في زينة لامعة، وتقف على باب بيتها خلال أحد مناسبات صعوده إليها للعناية بها، وتسأله بعد أن يطرق الباب وهي في كامل زينتها المسرحية:

- هه، طمّني، هل امتلأت الصالة؟

وهذه المواقف الأخيرة كانت لتكون جميلة في موضعها! غير أن القسم الاول كله التي كانت تحكيه المرأة على لسانها لم يكن فيه أثر لذلك الشغف المسرحي، لا ولا الملابس والمكياج الفاقع في غرفتها، ولا كلمة واحدة! ثم في القسم الثاني التي تقابل فيه شخصيتها العشرينية في تلك الحالة الذهانية، تكون ذكريات المسرح كلها حديثًا ماضيًا غير معاش، ولا يتخطّى عتبة ذكريات هذه المرأة العشرينية في خيبتها من الحياة عامة، ثم تنصرف المرأة العشرينية التي هي ماضي المرأة الثمانينية، بعد أن تعتذر عن الإطالة إليها في حديث الذكريات (الذي غرضه الوحيد أن المؤلفة تريد إجبارنا على سماع ماضي المرأة بأي طريقة ولو تحدّثت شخصية ذهانية لساعات وساعات في فضاء خالٍ من كل موقف وحادثة!)، ثم تنصرف لكي يأتي فصل الناطور ويقول لنا فيما يقوله عن المرأة أنها في خرفها الأخير كان يصعد إليها ويطرق الباب فتخرج بكامل زينتها المسرحية وتسأله هيه، طمّني، هل امتلأت الصالة؟!

وهذا جدّ متواضع! وقد كان في الإمكان المتاح زارعة مشاهد حيّة في بيتها عن هذا الشغف المسرحي القديم، وهي تفتح دولابها مثلاً، أو تتعثّر ببعض الذكريات المتعلّقة بتلك المهنة القديمة، ولكن هذه القفزة الباسلة في النهر لم تجر قط!

.
.

وهامش:

الذي زاد هذا التواضع في الصفحة الأخيرة من هذه الرواية، وبعد انتعاشة الناطور الأخيرة، هو صنيع حِرفي لا أستسيغه، وهو الإتيان بالهوامش بدلاً من جعل الهامش جزءًا من النصّ نفسه، فوجود هامش في الرواية (ما لم يكن لحيلة فنّية شكلية) لا يعني لي إلا شيئين، إما استجهال المؤلف لقارئه وخوفه من أن تفوته إشارة واضحة! وإما عجزه عن وضع هامش العالم الخارجي داخل بنية العالم المتخيّل، ففي الصفحة الأخيرة من تلك الرواية، وعندما يستدعي الناطور الطبيب الذي أتى بصحبة مساعديْن في ثياب بيض لاصطحاب المرأة التي خرفت (بعيدًا عن أن هذا المشهد بهذا الشكل صار مبتذلاً كثيرًا) يستأذنهم ليدخل عليها هو وحده في غرفتها لإحضارها، حتى لا تخاف منهم، ويراها وهي أمام المرأة تتزيّن وهي في ملابسها وزينتها الفاقعة المرزكشة، والتفتت إليه وعرفت أنه قادم لأخذها.

همّتْ بالتراجع، ثم نظرت نحوي وابتسمت، وقالت بصوت كسر قلبي:
-من أنت؟
-أنا يوسف
-أتعلم؟ "كائنًا من كنتَ، فأنا لطالمًا اعتمدت عل لطف الغرباء" (١)

نزلنا في المصعد، وتبعنا الطبيب ومعاوناه، كان عدد من الجيران قد تجمّعوا على الشرفات وأمام مدخل العمارة
..
إلخ


فعند هذه الجملة التي قالتها المرأة المسرحية السابقة، ظهر هامش، وهو الهامش الأول والأخير في تلك الرواية، هامش برز لكي يقول لنا أن هذه الجملة الأخيرة للمرأة الثمانينية هي نفسها:

(١) جملة بلانش الأخيرة، بطلة مسرحية عربة اسمها الرغبة، لتنيسي وليامز

وهذه الطريقة في الإشارة تذهب بتأثيرها المفترض على ذهن القارئ (دع عنك الارتباك الناتج إذا قرّر أحدهم تحويلها إلى كتاب صوتي أو غيره!) وكان من الممكن معالجة هذا، كأن نرى ذكرى من من خلال ذكرياتها الكثيرة في هذه الرواية، تعود إلى تمثيلها القديم لتلك المسرحية وإلى هذا المشهد بعينه، قصاصة صحفية مثلاً تبدو فيها وهي تؤدي ذلك المشهد، وهو ما لم يحدث، بل لم يُذكر اسم تلك المسرحية أصلاً إلا في هذا الهامش! وإني أحبّ هذه المسرحية المشار إليها، وكنت سأقدّر كثيرًا حقًا لو عرفت، ولو من الهامش! أن هذه الرواية كانت تحاكي طوال هذا الوقت، وفي عالم موازٍ، شخصية بلانش في المسرحية، ولكن واقع الحال أنه لا تشابه بين المرأتين في شيء، باستثناء المشهد الأخير في الرواية الذي يحاكي بالطبع المشهد الأخير في المسرحية، فبلانش (وهي امرأة مندفعة في أوائل الثلاثين من عمرها، لا مسنّة خانتها ذاكرتها) تتعرّض لظروف كثيرة دفعتها في النهاية إلى حافة الانهيار العصبي (لا الخرف ولا فقدان الذاكرة ولا الجنون المطلق) فعندما يدخل الطبيب والممرضة لأخذها، نعرف أنها عارفة بمَن هما، وأنهما جاءا لسبب تعرفه جيدًا، بل تسمع الممرضة تقول للطبيب أن يعطيها القميص الأبيض (قميص المجانين) لتُلبسها إياه، وهو الأمر الذي يهيج بلانش أكثر، حتى يتدخّل الطبيب بسماحة ويقول إنه لا داعي للقميص، فتهدأ عن وعي، وتطلب منه "في صوت خافت ضعيف" - حسب إرشادات المسرحية المطبوعة - أن يجعل الممرضة تطلق سراحها، فيأمر الطبيب الممرضة بذلك فتتركها! فتخرج بلانش، وبكامل وعيها، مع الطبيب إلى الخارج بعد أن تقول بهذه العبارة الأخيرة، فهي فعلاً أول مرة تبصر فيها هذا الطبيب الشاب اللطيف، فلم تقل جملتها عن "لطف الغرباء" جرّاء فقدها للذاكرة! إذن وباستثناء مشهد دخول الطبيب بالقميص الأبيض، فليس هناك مشابه بين المرأة الثمانينية وبلانش الثلاثينية، في أي من نواحي الحياة، ولكن المؤلفة أحبّت المشهد فحسب وأرغمت نفسها، هي هذه المرة، على إدخاله في حكاية لا ينتمي إليها.
Profile Image for Monira AL Dasher.
57 reviews3 followers
March 17, 2026
رواية : غيبة مي
الكاتبه : نجوي بركات
الروايه وصلت للقائمه القصيره لجائزة الروايه العربيه لعام 2026
الروايه ثلاثة أجزاء .. مي .. هي .. يوسف .. وكل جزء فيه عدة عتبات بدون اسماء بدون عبارات تعريفيه .. فهي رواية الاسماء المحدوده والاماكن المعدودة والحيز الضيق لحركة بطلة الروايه وهو شقة في الدور التاسع في عماره تطل علي بيروت ورغم ضيق الحيز وقلة الشخصيات لن تترك الروايه إلا في نهاية آخر سطر فيها وخصوصا جزء هي وجزء يوسف .. تصاحبك الدموع والغصه رغم تمتعك بقدرة الكاتبه علي توصيل المشاعر الانسانيه بكلمات رائعة الوصف عميقة الاحساس .. لغه الروايه سلسه منسابه تفتح فخاخ الذاكره وهموم القلوب وحسرتها وتشعر انك مع شخصيات حقيقيه تجلس امامك وتحكي لك وليسوا شخصيات في روايه من خيال كاتبه متمكنه من ادواتها .... كقارئ عشت حاله انسانيه مع كل سطر من سطور الروايه حزن مغلف بشجن الذكريات والمآسي والسقوط والظلم والوحده وغياب الاحباب وابتعادهم .. مي اوصلت ولديها التوأمين للمطار ووقفت تنتظرهما لينهيان اجرائات السفر .. وقفت مستعده لتلويح لهما ولكنهما لم يلتفتا ورائهما ليحيوها ولو بنظره قبل ان يغادرا .. عَرفت مي وقتها انهما لن يعودا و عاندت هي و لم تذهب اليهم وعاشت امرأه وحيده شديدة العناد مشاغبه كالاطفال رغم بلوغها الثمانيين من عمرها .. تحكي مي لمي عن ابيها الحنون وعن تجربة الحب القاسيه المذله التي عاشتها ودمرت كينونتها وانسانتيها وكادت ان تحولها لقاتله … نجوي بركات ابدعت رغم بطئ الصفحات الاولي لكنها اعطتنا روايه تمس مكنونات النفس وهواجسها وخوفها من الشيخوخه ومن المرض ومن الوحده واضائت علي حياة فئه عمريه قل ما كتب عنها كُتابنا وضوت علي بيروت ومعانتها وما مرت وتمر به من مآسي و نكبات 🎩
Profile Image for Marwa.
497 reviews3 followers
August 21, 2025
غيبة مي .. نجوى بركات

(فكلنا سنعبر ذات يوم ويمحى أثرنا)
ست مي عجوز في الثمانينات من عمرها تأخذنا في حديث مع نفسها في الجزء الأول من الرواية فتجد لنفسك مقعدا في صالة منزلها ..تستمع إليها فتشفق عليها وتعيش مشاعرها . ثم ننتقل للجزء الثاني حيث نلتقي مع ست مي وطيف سيدة تداوم على زيارتها .
ويأتي الجزء الأخير ( والأروع بالنسبة لي) مع يوسف الناطور ( البواب بالمصري) نرى القصة من زاويتة بمشاعر فياضة مكتوبة بروعة تجلب الدموع لعينيك.
رواية صغيرة تحكي الشهور الأخيرة في حياة ست مي ( او الكثير من المسنين ) ...
إقتباس:
( مجرد التفكير بما ينتظرني أشعرني بالتعب، أضف إلى ذلك صعوبة رمي الأشياء. أنا أجيد التخلي، صحيح، لكنّ التخلى لا يعني بالضرورة الرمي، ربما لاستمرار وجود رابط عاطفي والخشية من إغلاق الباب بشكلٍ نهائي. ينبغي أن أفكر بالمصير المرعب الذي تؤول إليه أشياؤنا، بعد مماتنا، لأسهل الأمر على ، وكيف تبخس وتمّتهن وتذل، بعد أن كانت مميّزة بالنسبة إلينا وغالية على القلب. ليتنا نسترجع عادة دفن الميت مع أغراضه، هكذا تحمى من عيث الأيادي، وتغنى بفناء أصحابها .)
Profile Image for Nour Ahmad.
6 reviews1 follower
March 30, 2026
غيبة مي
السنوات السبعة التي غابت فيها مي عن الدنيا
هي فقدان ذاكرة اختياري. أو انسحاب قسري من الواقع، لا إرادي. جسد مي أدخل نفسه في غيبوبة كآلية دفاع ضد كل ما تعرضت له:
ارتباطها برجل نرجسي، أحبته بجنون وأعطاها حباً شحيحاً متقطعاً سحب طاقتها واستنفذها.
لم يعترف لها بحبه حتى… تركها إلى أن فقدت صبرها فاعترفت هي بحبها له وظهرت بمظهر من تترجاه أن يحبها.
قطعت صلتها بسببه بوالدها، آخر موائل الحنان في حياتها.
وتركت لأجله مهنتها وموهبتها كممثلة شابة جميلة صاعدة تعشقها خشبة المسرح.
سرق حتى جهدها في كتابة النصوص المسرحية ونسبها لنفسه.
غاب عنها لساعات وأيام وتركها في المنزل تتآكل متساءلة عن مكانه، وعمن برفقته، وعن خياناته.
حتى إذا ما شعر أنه فقدها، أعطاها لمسة حب واحدة
تحيي روحها لأيام
فتعذره لشهور.

في النهاية
سحب منها كل مظاهر الحياة، امتصها حتى آخر رمق.
فغابت
غابت عن الدنيا
ونست كل شيئ.

أحبها الطبيب الذي عالجها، ارتبط بها رغم هول أزمتها النفسية. اعتنى بها، وعالجها، وتزوجها. حملت منه وأنجبت توأم صبيان.. لم تعي طفولتهم. ولكن هو الطبيب المحب المعالج اعتنى بها وبهما... في توصيفها لهول غيابها قالت أنها لا تذكر منه إلا قدميه، حذائه، كناية عن مدى إطراقها طوال الوقت إلى الأرض. ومع ذلك أحبها، وداوى جراحها، وكان الأب والأم لطفليها.
ثم مات
وهما سافرا.

وبقيت مي لوحدها
في شقتها في الطابق التاسع وسط بيروت.
وهنا تفتتح الرواية في فصلها الأول على الست مي الثمانينية النزقة، التي لا يجيد أحد التعامل معها إلا ناطور البناية يوسف.
غيبة مي لنجوى بركات هي رواية 3 ب 1
يمكن قرائتها منفصل أو متصلة
الفصل الأول: الرواية الأولى: هي الست مي التي تضع القارئ بكامل هواجسه أمام حقيقة أن هذا قد يحصل لك أيضاً. ستكبر وتتغضن وتتجعد وتنوء بك ركبتيك وتخذلك عضلاتك، والأصعب بالنسبة لمي، أن تخونها ذاكرتها، أو تفقد قواها العقلية.
فصل روائي ممتع جداً في سبر يوميات امرأة مسنة نزقة تتقصد أن تجعل التعامل معها صعباً لتوأميها، ولمدير البنك، وللجيران، وللبواب.. وحتى للقطة المسكينة التي أبت أن تغادر.
أمر واحد أضفى الطابع التخييلي الروائي على هذه اليوميات، وهو استدعاء مي الثمانينية لمي العشرينية في جلسة مصارحة امتدت لليلة كاملة.
روت فيها مي العشرينية كل ما جرى، فاتضحت الصورة، وتفسر سبب نزاقة مي المسنة، وبعدها عن ولديها، وعدم تصالحها مع أحد.
الفصل الثاني: الرواية الثانية: هي قصة مي العشرينية، وحتى الطفلة التي ماتت أمها فاحتضنها أبوها بحنان واهتمام لا مثيل لهما. ومع ذلك تركته وهربت إلى أحضان الساحر، المخرج المسرحي العظيم،، الذي أغواها بسحره.
كانت مشروع نجمة على خشبة المسرح عندما ظهر في حياتها ليتركها كقطعة قماش مهترئة مرمية على أعتاب والدها الذي مات بدوره، حسرةً عليها ربما.
وهنا ظهر البطل الحقيقي في حياتها، الغائب عن روايتها، زوجها وأبو أطفالها.
الفصل الثالث: الرواية الثالثة: يوسف الناطور يروي كل ما سبق من وجهة نظره في قصة قصيرة لذيذة يعرج فيها على أحداث سوريا، ذلك أن الجارتين، سوريا ولبنان، تنزفان ألماً مشتركاً.

ملاحظة: الرواية فيها قصة داخل قصة، أو بالأحرى مسرحية داخل رواية. فالمسرحية التي تكتبها مي للمخرج فيها أمرأة تفقد جزءاً من ذاكرتها، والجزء المفقود موجود داخل حفرة. والأداء المسرحي سيدور حول حفرة وسط خشبة المسرح تدور حولها البطلة في مونودراما عزف منفرد محاولةً استجلاء ما بداخل الحفرة.



اقتباس
- ندمي باتساع محيط. لم ترانا لا نصدّق كائننا الداخلي الصغير جداً، ذاك الملاك المختبئ في مكان ما في ذواتنا، يحاول تنبيهنا وتحذيرنا مما نحن مقبلون عليه. يصرخ ويقفر ويخبط بيديه وقدميه على جدران نفوسنا كي يبلغ مسامعنا، لكنه صغير جداً في داخل عملاق نزق متعجرف لا يعيره انتباهاً.
- هنا كان خطأي القاتل، يا مي، أني رأيت في سلوكه هذا أمارات حب لا يجرؤ على الاعتراف به، ولماذا؟ ورحت أفكر وأحلل وأقدّر وأتساءل وأزن، لقد رمى إليّ بسلوكه لغزاً، لغماً، انكببت أنا على تفكيكه: ألا يكون متزوجاً، مرتبطاً، لا يحب النساء، معقداً نفسياً، طبقياً، جنسياً...؟ ما هي بداية الحب يا مي أكثر من أن يستولي من تحبين على فكرك وعقلك وخيالك.
- كنت مأخوذة بحب ساحر يمارس ألاعيبه عليّ – بل إني كنت أنا بطلة سحره – بما فيها شطري نصفين وقطع رأسي واختفائي بغتة من أمام أعين الجمهور.
- فرحت أصدّقه من جديد وأفكّر بعقله هو، وأتبنّى شروحاته وتبريراته.
مذهلة الرواية في وصفها الدقيق المستفيض للشخصية النرجسية. ومذهلة في وصفها علاقة امرأة تحب نرجسي. قدرتها على العطاء الدائم لتثبت له حبها، والقدر اليسير من الرضى الي يمنحها إياه بعد جهد جهيد، يجعلها تبتكر طرقاً أكثر لإرضاءه وتحاول أكثر.
تفنن في لف حباله حولها حتى فقدت صبرها واعترفت له بحبها في ثورة غضب عكست مدى تخبطها في حين وقف أمامها باسماً.
لم تكن من عائلة متحررة ومع ذلك قبلت مساكنته، دون أن تشكك في عدم ارتباطه بها رسمياً.
تغيّر معها وجعلها تشعر أنها أقل منه رغم أنه يسرق إبداعها، وكلما اشتهاها ابتعد عنها ليتركها حائرة متألمة ومتسائلة.
شكت بنفسها.. خالت أنها سبب انطفاءه وأنه مع غيرها قمراً منيراً.
محاولات استرجاعه عدتها مناورات، أرهقتها لأنها تضطر لرفع العيار أكثر كل مرة.
أدمن القمار ووصل إلى حد فك ساعتها والمقامرة بها ومع ذلك لو طلب كليتها كانت ستعطيه، إلا أنه عرضها على أحد خصومه. عرض مي شخصياً على خصمه إن ربح.
النرجسي يعزل ضحيته عن محيطها، وهو بالفعل عزلها، عن عائلتها أولاً، ثم عن محيطها المسرحي الذي تجاهلها لكثرة ما رفضت عروضاً درءاً لغيرته.
متلون وخبيث لدرجة أنها عانت جهداً جباراً للتخلص منه، فعرف كيف ينفذ إليها من جديد.
تزوجها ثم أجهضها، نزفت لأيام، ثم دخلت في غيبتها.
.
الفصل الثاني من رواية غيبة مي هو روشتة، وصفة حقيقية، لكثيرات يعشن مأخوذات بحب رجل نرجسي يستلب الحياة من أرواحهن. المميز في التفاصيل أنها واقعية وحقيقية عن أساليب النرجسي في التعامل مع الفتاة التي تحبه. ربما لم تسمِ الكاتبة الخطوات بمسمياتها العلمية أو كما يفندها علم النفس، ولكنها برعت في توصيفها على لسان المسكينة مي.

النرجسي:
يعزل ضحيته عن محيطها
يتعامل معها بالصمت العقابي
يشككها في نفسها وجمالها وإمكانيتها
يقتل مواهبها أو يحرمها من عملها كمصدر قوة لها
يقلب الحقائق Gaslighting
يغرق ضحيته بالاهتمام في البداية، يصنع صورة مثالية عن نفسه، ثم ينسحب ببطء، ويجعلها تركض خلف الفتات
يعاقبها بالبرود والاختفاء لا لأنه لا يهتم، بل ليعيد ضبط ميزان القوة لصالحه
يحمّلها مسؤولية أخطائه: إن خانك فبسبب إهمالها، وإن ابتعد فبسبب ضغطها
يمنحها لحظات صفاء محسوبة، فقط ليضمن استمرار تعلقها
يتغذى على ردات فعلها، على غيرتها، على ألمها، لأنها تؤكد له سلطته
يخلق منافسة خفية أو معلنة بينها وبين أخريات ليبقيها في حالة إثبات دائم
يختفي حين تحتاجينه، ويظهر حين تبدأين بالتعافي

وفي الختام، فكرة قاهرة تستفزها الرواية داخلي كقارئة. سفر النرجسي إلى الكويت وأن الحياة منحته فرصة ليبدأ من جديد. فرصة أن يبدأ مجلة يرأس تحريرها براتب مغري. وكل ذلك في بلد بعيدة حيث سيتعرف على فتاة جديدة، سيسخر أمامها من زوجته السابقة في لبنان وستصدقه. لن تكتشف ماهيته إلا بعد أن يحولها قماشة مهترئة كما فعل بمي.

Profile Image for Jalila Alsayed.
Author 2 books132 followers
March 4, 2026
قراءة في رواية غيبة مي للروائية اللبنانية نجوى بركات
رواية كتبت الشيخوخة كما لو أنها مرآة عاكسة لنهاية العمر. مرآة صادقة، قاسية أحيانًا، لكنها عميقة إلى حد يجعل القارئ يبطئ القراءة كأنه يمشي في ممرٍ طويل من الذاكرة.
أحببتُ الرواية كثيرًا. أحببتُ أسلوب نجوى بركات ولغتها المتقنة؛ لغة حادة أحيانًا، جريئة إلى حد الوقاحة في بعض المواضع، لكنها صادقة ومتماسكة مع طبيعة الشخصية والعالم الذي تتحرك فيه.
أحببت الربط الواضح بين مصير مي ومصير بيروت؛ مدينة بدأت لامعة في الستينيات ثم انتهت مثقلة بالانكسارات، كأن الشيخوخة أصابت المكان أيضًا.
الفكرة الأساسية للرواية مؤثرة جدًا: امرأة في الرابعة والثمانين، تعيش وحدتها في شقة عالية في بيروت، تتآكل ذاكرتها ببطء، بينما تتدفق حياتها الماضية في تداعٍ طويل من الاعترافات والذكريات.
نجحت الرواية في رسم صورة الشيخوخة بوصفها غيابًا متعدد الطبقات: غيابًا عن العالم، غيابًا عن الآخرين، وغيابًا تدريجيًا عن الذات. شخصية مي بدت لي صادقة للغاية؛ امرأة عاشت حبًا سامًا، وخسرت الكثير، ثم انتهت إلى عزلة ثقيلة تحرسها قطة صامتة وناطور بناية سوري وخادمة سيريلانكية. عالم صغير، لكنه كافٍ ليكشف هشاشة الإنسان حين يصل إلى آخر الطريق.
ما لم ينسجم مع ذائقتي كان الفصل الأخير. شعرتُ أنه زائد عن الحاجة، وكأنه يعيد سرد ما عرفناه بالفعل من خلال صوت مي نفسها. إعادة الأحداث على لسان الشاهد يوسف بدت لي تكرارًا أكثر منها إضافة، الأمر الذي أضعف برأيي الإيقاع النهائي للرواية. كنتُ أشعر أن النص قد اكتمل قبل هذا الفصل، وأن حذفه ربما كان سيترك الرواية أكثر قوة وغموضًا، وربما أكثر احترامًا لذكاء القارئ وقدرته على جمع الخيوط بنفسه.
كان بالإمكان، في تقديري، أن تُختم الرواية بحبكة مختلفة تكشف مصير مي بطريقة أكثر فنية، دون اللجوء إلى شاهد أخير يخبرنا ببساطة أنها نُقلت إلى مصحّة ثم توفيت لاحقًا. نهاية كهذه بدت تقريرية بعض الشيء، مقارنةً بجمال البناء النفسي الذي سبقها.
ومع ذلك، تبقى غيبة مي رواية جميلة ومؤثرة، نجحت في الاقتراب من منطقة قلّما يكتب عنها الأدب العربي بهذه الحساسية: منطقة الشيخوخة، العزلة، وتآكل الذاكرة. رواية تجعلنا نرى العمر الأخير للإنسان كأنه مسرح هادئ… يؤدي فيه المرء دوره الأخير بصمت، تمامًا كما فعلت مي النجار.
#غيبة_مي
#نجوى_بركات
#قراءة
#روايات
#jalilareads
#جليلة_السيد
#القراء_البحرينيون
Displaying 1 - 30 of 59 reviews