في شقتها في الطابق التاسع، تعيش الست مي وحيدة. ومن على شرفة سنواتها التي تعدو الثمانين، تطلّ على بيروت تتفقد أحوالها وتحولاتها. ولداها مسافران وقد أوكلا أمر الاعتناء بها إلى ناطور العمارة يوسف، وطبيب العائلة داود... ذات يوم تُفاجأ مي بصوت يناديها. من يكون الزائر، وكيف تُراه تمكن من الدخول والوقت فجر، والشقة مغلقة لا ببوابة واحدة، بل بإثنتين؟! رواية عن فخاخ الذاكرة ورضوض القلب، وامتناع الرغبة بالتورّط، حتى مع قطّة.
روائية من لبنان مقيمة في باريس.عملت في الصحافة المكتوبة والإذاعية والتلفزيونية. من رواياتها: "لغة السرّ". دارالآداب، بيروت 2004 "يا سلام". دار الآداب، بيروت 1999 La locataire du Pot de fer. Ed l’Harmattan Paris 1987 "باص الأوادم". دارالآداب، بيروت 1996 "حياة وآلام حمد ابن سيلانة". دار الآداب، بيروت 1995 "المُحوِّل". دار مختارات، بيروت 1986
***
Najwa Barakat was born in Beirut. After completing studies in theater at the Beirut Fine Arts Institute and cinema at the French Cinema Institution, she moved to Paris where she works in journalism, including newspapers, radio and television. She has done stories for Radio France Internationale, the BBC and Al-Jazeera. She is the author of several movie scripts and has directed several documentaries.
Najwa Barakat has published six novels (five in Arabic and one in French), among which The Bus of Good People (1996) received a prize for the best literary creation of the year from the Lebanese Cultural Forum in Paris in 1997.
In 2003, the Middle East-Goethe Institute choose her among several Lebanese writers to represent her country in the MIDAD Project.
Works
* The Secret Language (loughat al-sirr) * Ya-Salâm * The Tenant * The Bus of Good People (Bâs el-awâdem) * The Life and Passion of Hamad (hayât wa alâm Hamad ibn Siléneh) * The Transducer (Al-muhawwel)
*** Née à Beyrouth, Najwa Barakat est diplômée au Liban en arts dramatiques. Suite à la Guerre du Liban, elle émigre en 1985 en France, à Paris, où elle suit des études cinématographiques. Là, elle travaille dans la presse écrite, radiophonique et audiovisuelle (RFI, BBC, Al Jazeera) et anime des ateliers d'expression écrite et orale, en Europe et dans le monde arabe.
Reconnue comme l'un des meilleurs romanciers de sa génération, elle est choisie par le circuit du Goethe-Institut-Moyen-Orient pour représenter son pays dans le cadre du projet MIDAD .
Ouvrages
Najwa Barakat a écrit six romains (cinq en arabe et un seul en français) : * Le Transformateur (Al-mohawwel), 1989 * La Passion de Hamad (Hayât wa alâm Hamad ibn Siléneh), 1990 * Le Bus des gens Bien (Bâs el-awâdem), 1996 * La Locataire du Pot de fer, 1997 * Ya-Salâm, 1999 * La Langue du secret (loghat al-sirr), 2004
Le troisième, Le Bus des gens Bien 'bas el awaadem), reçoit le Prix de la Meilleure Création Littéraire de l'année attribué par le Forum Culturel Libanais. Le quatrième, La Locataire du Pot de Fer est adapté au théâtre et obtient le Premier Prix du Festival du Théâtre Amateur, à Amiens en 1999.
Ses livres traduits, rencontrent un vif succès auprès des critiques et des lecteurs.
*** Najwa Barakat è nata a Beirut, dove ha studiato teatro e cinematografia. Dal 1985 vive a Parigi, dove lavora come giornalista (stampa, radio e televisione). Ha scritto sei romanzi in lingua araba, tutti pubblicati presso Dar al-Adab di Beirut, la più competente delle case editrici del mondo arabo (ha in catalogo le voci più significative e pubblica la più prestigiosa rivista letteraria araba da più di cinquant’anni). Le sue opere sono tradotte in francese da Stock e sono oggetto di numerose tavole rotonde presso diverse università europee e americane.
عن الذاكرة و الذكريات "مي" ليست مجرد سيدة عجوز وحيدة بل هي شاهدة على تغير الزمن و تغير الجسد و توحش الذاكرة و غربة الذات عن نفسها فنحن شهود على هذا التغير من خلال سباتها في بيتها عبر تنقلها في غرفه و علاقتها الوحيدة مع ناطور العمارة يوسف و القطة التي اختارت ان تعيش معها . عمل يكشف عن مخاوف الشيخوخة و ألم الوحدة و تشظي الذات.
من أقسى و اروع ما قرأت ... رواية قلّ ما توجد كهذه: عميقة في معناها، شفافة في أسلوبها. فتحت أمامي أبواباً لم أعرف أنني أحتفظ بها، ثم تركتني أتساءل انتهت القراءة، لكن الرواية لم تنتهِ. بقيت باقية في روحي
جو الكتاب المثقل واضحًا منذ البداية، مما يوحي باستكشاف عميق لمخاوفنا وللنفس الانسانية. أدهشني بشكل خاص كيف بدت البيئة والشخصيات وكأنها تنبعث من بطلة الرواية، في قصة من واقع المسن اللبناني قصة تتكلم عن الوحدة والشيخوخة والذكريات والاهتمام والرعاية والموت. في بعض الومضات تذكرنا الرواية بروايتيّ "مئة عام من العزلة" و"la vie devant soi" شخصية الزوج لم تكن ناضجة كفاية، بدا وكأنه مجرد فكرة اضيفت في مرحلة لاحقة من تكوين القصة. كان الأب شخصيتي المفضلة غيبة ماي كتاب أتوقع أن يبقى في ذاكرة القراء لفترة طويلة
مي ... هذه رواية بدأت بالإسم وتلاها الغموض ... بيروت، ب شوارعها، سكانها، محلاتها، وتاريخها الجميل منذ الستينات حتى يومنا هذا. عاشت الألم، الصدمة، القهر، الحلم، الحب، الحرب، والخذلان. بسرد لطيف ولغة جميلة، كنت قد فهمت من هي مي، وحيدة، تتألم، أرادت أن تتحدى كل شيء وتعيش حلمها رغم كل الخسائر، ويبقى السؤال متى ؟ عندما فهمت معنى "نحن إعتدنا العيش على لطف الغرباء" لأن من لنا قد خذلونا.
قلّة هي الروايات التي تبدأ بداية رتيبة ثم تفاجئك بأحداثٍ غير متوقعة، وهذه واحدة منها.🫡
تبدأ الحكاية بيوميات "الست مي"، سيدة في الرابعة والثمانين من عمرها تعيش في شقة فاخرة في الطابق التاسع من أحد مباني بيروت. تبدو أيامها عادية، لكنها مشبعة بهواجس الشيخوخة والقلق من تدهور الجسد... غير أنّ خوفها الأكبر لم يكن من العجز، بل من انطفاء عقلها. خوفٌ يتسلّل إليها عندما تظهر سيدة غريبة – لكنها مألوفة على نحوٍ غامض – في صالونها.
في القسم الثاني، تُكشف هوية هذه السيدة ويكتشف القارئ معها سرّ "الغيبة" التي دامت سبع سنوات، وكانت بداية انهيار مي وإصابتها بما أصاب جدّتها من قبل، وهنا كان السؤال: هل كانت علاقتها السامة في شبابها مجرّد تكرارٍ لـ"لعنة" عائلية تتوارثها النساء؟ أم أن سوء الطالع هو نصيبٌ لا فكاك منه؟
بلغة شاعرية وواقعية مستخدمة تقنية تيار الوعي، نسجت نجوى بركات عوالم مي النفسية ببراعة، جعلتنا نعيش مخاوف الشيخوخة وفقدان الذاكرة، ثم فتحت أمامنا دفاتر الماضي المليئة بالألم والخذلان.
ولا تغيب هموم اللبنانيين عن الرواية، من انهيار الليرة وسرقة الودائع إلى انفجار المرفأ :
"لا أظن أحداً في الكرة الأرضية قاطبة عايش ما عرفناه هنا منذ خمسة أعوام." "نحن مواطنون يتامى، لا دولة تهتم بنا ولا مؤسسات."
كما يحضر اللاجؤون السوريون عبر شخصية الناطور يوسف، ومن خلاله العلاقة المعقدة بين اللبنانيين والسوريين، وتشابه محنة الشعبين والبلدين.
وإلى جانب الهموم الإنسانية، لم تغفل الرواية مآسي الكائنات الهامشية، فمن خلال علاقة مي المعقدة بالقطة "فريدا"، ترصد الكاتبة انعكاس الانهيار الاقتصادي حتى على الحيوانات الأليفة في بيروت؛ كيف تحوّل الاعتناء بها إلى عبءٍ إضافي في زمن الغلاء.
🎭 رواية مؤثرة جداً وهي واحدة من أجمل قراءاتي هذا العام 👍
كانت البداية بطيئة، إذ جعلتني أعتقد أنّي أقرأ يوميات ست عجوز عاديّة. لكننا غالبًا ما ننسى أنّه لكلّ ست عجوز قصة وماضٍ، وللست ميّ ماضٍ مؤلم جعلها ما هي عليه. شعرت بالأسى لما آلت إليه هذه الصبيّة التي كانت يومًا مفعمة بالحياة والطموحات، فغدت عجوزًا وحيدة لا يؤنسها سوى ناطور سيرلانكيّة ومواء قطة. ربّما فقدان الذاكرة نعمة!
#غيبة_مي #نجوى_بركات ست مي الثمانينية المتمترسة بشقتها في الطابق التاسع في بناية فخمة بأحدى احياء بيروت الفاخرة المطلة على البحر، تروي لنا معاناة بيروت خلال السنوات الاخيرة، منذ ثورة ٢٠١٩ وانهيار العملة وازمة المصارف وانفجار المرفأ وما رافق ذلك من تدهور في البلد تزامن مع تدهور ذاكرتها التي صارت تمارس معها العاب كأن تسترجع ذكريات مي الطفلة مع والدها الحنون قي كل ما تقوم به في يومياتها الرتيبة، وكأن تعود مي الصبية من غيبتها لتخبرها ما سقط من ذاكرتها منذ كانت نجمة المسرح حتى عادت اما لتؤام في السابعة من عمرهما . حاولت مي ان تتقبل دور الامومة لكنها لم تنجح فيها مثل ما نجحت بادوارها المسرحية. في السرد تقمصت نجوى بركات جسد وفكر مي العجوز فابدعت بوصف كل التغيرات التي تصاحب كبر السن والوحدة التي يعاني منها اغلب كبارنا بعد ما سرقت الغربة ابنائهم. في الخلفية كان يوسف الناطور السوري حاضرا دائما ليكون البديل عن توأمها البعيدين، ليجد نفسه متورطا في حب أمومي لهذه السيدة النزقة بدا واضحا في سرده لايامها الاخيرة وخاصة اللحظة التي نزلت فيها عن المسرح للمرة الاخيرة، صارخة بجملة بلانش الاخيرة من مسرحية "عربة اسمها الرغبة": فأنا لطالما اعتمدت على لطف الغرباء.
من الرواية:
"ما عدت انظر إلى نفسي في مرايا ما أمنتُها يوما لأن ما تعكسه دائما مجرد وهم. المرايا لا ترينا يما نحن عليه، بل ما نريد ان نراه فيها..."
"لم ترانا لا نصدق كائننا الداخلي الصغير جدا، ذاك الملاك المختبىء في مكان ما في ذواتنا، يحاول تنبيهنا وتحذيرنا ممّا نحن مقبلون عليه. يصرخ ويقفز ويخبط بيديه وقدميه على جدران نفوسنا كي يبلغ مسامعنا، لكنه صغير ٌجداً في داخل عملاق نزق لا يعيره انتباهاً. نضع يدينا في النار، ثم نتندّم كيف اننا أسكتناه وأطلقنا في وجهه صخب العالم لكي يخفيه."
"نحن لا نغير احداً، يا مي، كل ما في الأمر ان الآخر يُخفي وجهه الحقيقي، يمسكه برسن ألى ان يجيء وقت إفلاته."
في البداية انسجمت مع تلك الذكريات التي كانت تبثها مي..تلك العجوز التي بلغت الثمانين، وتسكن وحيدة في الطابق التاسع، ويقوم برعايتها حارس العمارة وطبيبها، بتوصية من أبنيها المغتربين.. تتحدث عن مشاعرها إزاء الكثير من الأحداث والآلام التي شهدتها بلادها..وتعود بالزمن أكثر وأكثر فتتحدث عن مشاعرها تجاه والدها ومرض والدتها وكذلك وفاة زوجها.. نتعرف على طباعها وعاداتها وسلوكها..كيف تمر عليها الأيام.. وكيف ترى هي أيامها..
ولكن لم أنسجم مع تلك الفترة الزمنية الي جاءت تلك الزائرة الخيالية لتعيدها إليها وتذكرها بها، الأحداث غير مقنعة ولا أدري لماذا اختارت الكاتبة هذا السيناريو لتمر به بطلة القصة مي؟..هل هي أحداث حقيقية عرفتها الكاتبة عن إحداهن.. فالقصة كانت غريبة عن فتاة تترك والدها المتعلقة به وتلجأ إلى المساكنة مع شخص يهينها، وتعود لتجد والدها مريضا وبعد موته تعود مرة أخرى لنفس الشخص الذي أذلها..بدلا من أن تفكر بنجاحها! فعلا فعلا هي أحداث يهرب منها أي شخص يكون قد مر بها ولا يتمنى أن يذكره بها أحد! وأعتقد أن غيبة مي كانت تلك السنوات السبع المريرة التي عاشتها وخرجت منها بمرض نفسي وألم، وأنقذها زواجها..
اللغة في الرواية واضحة وأسلوب السرد جميل.. وأختم باقتباسات وبعض من خواطر مي: - فالعجائز بصفة عامة لا يحبون الجديد، بل ما تَلِف مثلهم واعتادوه. العتيق أنيس ومطواع، أما الجديد فقاس وعدواني. -غريب كيف تختلف طبيعة الأشياء باختلاف النظر إليها؟!.. - الطعام اللذيذ يبدل أسوأ الأمزجة ويصالحك مع العالم لتصبح كائن صفاء وهناء. - حياتنا، هي لا تفلت منا بالموت فقط، بل بما يتبقى منها انتقائيا، في ذاكرة الآخرين. -نحن غالبا ما ننسى أن أهلنا عاشوا قبلنا، أنهم كانوا صغارا وكانت لهم حياة. - فالشاشة الصغيرة بالوعة كبيرة ينبغي إحكام سدها كي لا تتسرب منها فوضى العالم وروائح تحلله. - حين ننسى ملامح أحبتنا، لا بد وأن يحرنوا ويلتفتو�� عنا إلى من يُبقون ذكراهم حيَّة. - نحن لا نغير أحدًا، يا مي كلُّ ما في الأمر أنَّ الآخر يُخفي وجهه الحقيقي، يُمسكه برسن إلى أن يجيء وقت إفلاته. - ينبغي أن أُفكر بالمصير المرعب الذي تؤول إليه أشياؤنا بعد مماتنا، لأسهل الأمر علي، وكيف تبخس وتُمتَهن وتُذَلّ، بعد أن كانت مميزة بالنسبة إلينا وغالية على القلب. ليتنا نسترجع عادة دفن الميت مع أغراضه، هكذا تحمى من عبث الأيادي وتفنى بفناء أصحابها. وأنا، ماذا كنتُ لأختار من أشيائي، لو قدر لي أن أختار؟
الذاكرة ليست مجرد مخزونٍ للصور والأحداث، بل هي الدليل الوحيد على أننا عشنا، وأن لنا جذورًا تمتد في الزمن. فكيف بمن يفقد ذاكرته؟ كيف يواصل حياته دون شريطٍ يعيد له طفولته، أحباءه، وخيباته الأولى؟ هذا السؤال الوجودي هو المدخل الذي تقودنا من خلاله الكاتبة إلى عالم روايتها، حيث تتحول الذاكرة إلى بطلٍ خفي، وإلى مساحة مثقلة بالجراح تشبه ذاكرة الأوطان المنهكة بالحروب والانكسارات.
ذاكرة مي ليست فردية فحسب، بل هي انعكاس لذاكرة بيروت نفسها؛ مدينة مثخنة بالآلام، من الحروب الأهلية، إلى الأزمات الاقتصادية، وصولًا إلى انفجار المرفأ. وكما المدينة، تعيش مي انفجاراتها الداخلية: وحدة قاسية، هشاشة نفسية، وخذلان متكرر ممن أحبت، حتى باتت مشاعرها غريبة عنها، لا تنتمي إليها.
تعتمد الكاتبة في بناء السرد على محورين زمنيين ونفسيين متوازيين. في المحور الأول، نلتقي بـمي في الرابعة والثمانين من عمرها، امرأة تعيش وحيدة في شقتها، بعد أن تركها توأماها، ورحل زوجها عن الحياة. يتولى البواب يوسف والطبيب داوود مسؤولية رعايتها، في صورة مؤلمة لعلاقات إنسانية تقوم على الواجب لا على العاطفة. هنا ترصد الكاتبة بدقة مشاعر الوحدة والفراغ، وتعود بنا إلى طفولة مي التي فقدت والدتها مبكرًا، وربّتها عمّاتها، ما خلّف داخلها نقصًا عاطفيًا عميقًا انعكس لاحقًا على علاقتها بأبنائها، إذ عجزت عن اختبار مشاعر الأمومة أو منحها، وهو ما سيصبح أحد أكبر مصادر ندمها وألمها.
أما المحور الثاني، فتقدمه الكاتبة بصيغة “هي”، في إحالة ذكية إلى الانقسام الداخلي للشخصية. “هي” تمثل مي في شبابها: فتاة عاشقة للمسرح، مسكونة بالفن، تقع في حب مخرج وكاتب مسرحي، تعيش معه علاقة خارج إطار الزواج، وتنتهي هذه العلاقة بإجهاض طفل لم يُكتب له أن يرى الحياة. تتصاعد الأحداث لتصل إلى محاولة قتله، ثم دخولها مصحة للأمراض العقلية، قبل أن تخرج منها وتبدأ حياة جديدة مثقلة بالندوب.
شخصية “هي” لا تغيب عن حياة مي العجوز؛ تراها في المرآة، تسمع صوتها في أرجاء المنزل، تحاورها رغم محاولاتها المستمرة لإسكاتها. هذا الحضور الدائم يعكس صراع الذاكرة مع النسيان، والذات مع ماضيها، ويمنح الرواية بعدًا نفسيًا عميقًا يجعل القارئ شريكًا في هذا الصراع الداخلي.
نجحت الكاتبة في رسم شخصية مي عبر ثلاث صور متداخلة: الطفلة المحرومة من حنان الأم، والأم العاجزة عن منح الحنان، والحبيبة التي خرجت من علاقة نرجسية ببرودة عاطفية وندوب لا تُشفى. وبهذا تصبح مي مرآة لنساء كثيرات، يحملن هشاشتهن بصمت، ويواجهن خذلان الحب ومن أحببن هذه رواية لا تُقرأ من الخارج، بل تُعاش من الداخل، بتفاصيلها النفسية الدقيقة، وبأسئلتها المؤلمة عن الفقد، والهوية، والذاكرة. عمل أدبي يترك أثره طويلاً، ويجعل القارئ يراجع ذاكرته الخاصة، ويسأل نفسه: من نكون لو فقدنا ذاكرتنا؟
(فكلنا سنعبر ذات يوم ويمحى أثرنا) ست مي عجوز في الثمانينات من عمرها تأخذنا في حديث مع نفسها في الجزء الأول من الرواية فتجد لنفسك مقعدا في صالة منزلها ..تستمع إليها فتشفق عليها وتعيش مشاعرها . ثم ننتقل للجزء الثاني حيث نلتقي مع ست مي وطيف سيدة تداوم على زيارتها . ويأتي الجزء الأخير ( والأروع بالنسبة لي) مع يوسف الناطور ( البواب بالمصري) نرى القصة من زاويتة بمشاعر فياضة مكتوبة بروعة تجلب الدموع لعينيك. رواية صغيرة تحكي الشهور الأخيرة في حياة ست مي ( او الكثير من المسنين ) ... إقتباس: ( مجرد التفكير بما ينتظرني أشعرني بالتعب، أضف إلى ذلك صعوبة رمي الأشياء. أنا أجيد التخلي، صحيح، لكنّ التخلى لا يعني بالضرورة الرمي، ربما لاستمرار وجود رابط عاطفي والخشية من إغلاق الباب بشكلٍ نهائي. ينبغي أن أفكر بالمصير المرعب الذي تؤول إليه أشياؤنا، بعد مماتنا، لأسهل الأمر على ، وكيف تبخس وتمّتهن وتذل، بعد أن كانت مميّزة بالنسبة إلينا وغالية على القلب. ليتنا نسترجع عادة دفن الميت مع أغراضه، هكذا تحمى من عيث الأيادي، وتغنى بفناء أصحابها .)
غيبة مي ، نجوى بركات النوع: رواية (لبنان) عدد الصفحات: 223
كالمرايا تتشظى الرواية الى قطع متكاملة. من الطابق التاسع في بناية في قلب بيروت تطل مي من شرفة سنينها التي جاوزت الثمانين على واقع لبنان متشظ يلملم جراحه عبر النسيان و التناسي لما مر به من حروب طائفية و مواجهات مع العدو الصهيوني مرورا بأزمة كورونا و ثورة تشرين و إنفجار مرفأ بيروت و أزمة المصارف. تسافر بنا مي عبر ذاكرتها الى عالم عائلتها الخاص و هي الان مسنة تعيش على وقع الوحدة و الذكريات لا يعكر مزاجها الا قطة تقتحم مساحتها الخاصة و زائرة تتسلل من ثقوب الذاكرة لتكشف لنا مرحلة مفصلية من حياة نجمة المسرح في ستينات القرن الماضي، مي النجار.
بين نسيانات و زهايمر و حالة اشبه بالفصام تطل "هي" أي مي النجار أخرى شابة تواجه لوحدها آلام قصة حب مسمومة مع رجل نرجسي. هي قصة التيه و الاصرار على الخطأ و من ثم الانتقام. قصة تعصف بمصيرها كممثلة شهيرة لتقذف بها في عالم الجنون و المصحات النفسية. لكنها أيضا قصة مي اليوم التي تتجاوز الماضي بالانغماس في الحاضر بأدق تفاصيله محاولة بذلك تحصين العقل من التلف و الخرف و العيش بسلام مع قطة تقتحم عزلتها و مع من تبقى من حولها بعد وفاة زوجها و هجرة توأمها "الوصي" عليها من وراء البحار عبر طبيب العائلة و ناطور البناية، يوسف، الشاب السوري المهاجر، الذي يمتلك مفاتيح النهاية المؤثرة لقصة مي و غيباتها.
أما السرد فجاء سلسا غير مربك على لسان مي و "هي" و يوسف. صاغته نجوى بركات و كأنها تشرح بمشرط اللغة حياة أفراد يضيعون في غربة مدينتهم أو مدينة ساقتهم أقدارهم الى العيش فيها رغم كل هشاشتها و عجزها عن احتضانها لهم. عجز انتصرت عليه مي بالانتقام مرة و مرة أخرى بتقبل القطة الشريدة و احتضانها و اختيار فريدا اسما لها.
غيبة مي رواية تحكي عن خيبات العشق وتداعيات الشيخوخة وألاعيب الذاكرة الماكرة…مي شخصية تعيش حاضرا ينبىء بالأفول !!، هي في حالة صراع مع تحدّيات الكِبر والعجز تبحث عن سر غيبةٍ محتها ذاكرتها كأداة نفسية دفاعية ضد صدمة قاتلة عاشتها في شبابها…. باختصار رواية تسرد بتفاصيل جارحة في واقعيتها حالة التدهور الجسدي والذهني والعاطفي المخيف التي ترافق الانسان في آخر ايامه، كما تنبش في ماضٍ منسي عن التأثير المدمّر للعلاقة الغرامية السامة على سلوك الشخصية وخياراتها… لغة الرواية جميلة، تقنيات السرد بسيطة !!! تمكنت الكاتبة من استدراجنا الى دواخل عالم مي،السيدة الثمانينية ،شاركتنا هواجسها ،تحدياتها الحياتية اليومية، عزلتها وطريقة مقارباتها للأمور…. وبتركيبة متسّقة مع حالة الشخصية وعمرها ، نقلتنا الى عشرينيات مي التي عاشت تجربة حب فاشلة وصادمة ألقت بوزرها على كامل حياتها. رواية سلسة تشبه روايات الحب الكلاسيكية: عشق عنيف وخيبة مدمّرة وشيخوخة تمهّد لغياب دائم… عيب الرواية انها خلت من الإبهار !!! فالقارىء كان باستطاعته استباق الاحداث وفهم الحبكة بلا عناء… فانتفى عامل التشويق وجاء فصل يوسف ليفسّر المفسّر فكان كاستاذ يعيد شرح الدرس لمن لم يفهم من المرة الاولى مع رشة بهار عن النظرة للوافدين السوريين… كنت اتمنى ان تبقي الرواية جانبا من الغموض يلاعب خيال القارىء ولا تكون بتلك المباشرة ….
جميلة الروابة ومؤثرة لاني في حياتي جربت العيش مع من فقد الذاكرة في البداية كنت انتظر ماذا سيحصل ثم بدأ الفصل الثاني عن مي سابقا أو حكايتها قبل شيخوختها الحالية
احببت الاسلوب ولو ان فيه بعض الكلمات التي لم اتوقعها لكنهاتناسبت مع شخصية الرواية المرأة العجوز
كان هناك بعض المعلومات عن لبنان وعن ألم لبنان متداخل في النص. في صفحاات قصيرة شعرت ان الكلام المكتوب لا يتناسب مع الشخصية العجوز التي تنسى وتتخيل. فيما عدا ذاك لم الحظ شيئًا
الكتاب كله من وجهة نظر البطلة كنت اتمنى لو كان الفصل الاخير من وجهة نظر أبنائها اظن كانت الرواية ستكون متكملة ومذهلة وكذلك الزوج احب وجهات النظر المختلفة في الروايات وهذه كان فيها مي الان مي سابقا وحارس العمارة
سبحان الله انا سمعت عن هذه الرواية ظننتها سيرة ولم اعرف انها رواية الا عندما اقترب وقت قرائتها
الاسلوب كماقلت حميل ومشوق واحببته وكنت مستمتعة بقرائتها وتاثرت مع بطلة الرواية وظلت في بالي حتى عند الانتهاء منها
الإنسان عندما يشيخ يعود إلى مرحلة الطفولة فيخترع ليسلي نفسه خرافات يقع في شركها ويصدقها ثمة أحداث أشبه بالسواطير تخضع حيواتنا للتقطيع فتنسينا ما كانت عليه سابقاً يقال أن الأمومة تبث في المرأة قوة وطاقة تمكنانها من تحريك جبال نحن لا ندرك أن الجرح طاب اذا لم نر أثر التئامه كيف نحزن على خسارة شيء أجهل محتواه ليس سهلاً على من يقبل الموت أن يعيش في مدينة مقبلة على الحياة العتيق أنيس ومطواع أما الجديد فقاسٍ وعدواني من يسيطر على ذاكرته يكسب معركة الحياة ضد عث النسيان ماذا تفعل بأيام يتوعدك الموت في نهايتها ؟ الوقت إذا يكون قابلاً للإحتساب لا يعود وقتاً يصير عداداً شرط الحياة الأول أن لا يُحتسب الوقت وان يكون في النهاية محتسباً الإنسان طماع لا يشبع من الحياة مهما طالت ثمة وجوه كالنجوم تضيء حيواتنا وأخرى كالثقوب السوداء تسحب منها نورها
في الرابعة والثمانين تطوف الست مي كسفينة جانحة عبر النسيان والتذكّر، ومحاولة وضع القطع الضائعة في لوحة حياة غشيها الضباب وأوجاع الشيخوخة الزاحفة.
على مدى ثلاثة أصوات تتشكل حياة الست مي الآخذة بالذوبان، الأول صوتها في لحظتها الراهنة وهي تشهد تحولات العمر والعجز والعزلة. والثاني صوتها القديم الذي اندس في اللاوعي، ثم ظهر لها على شكل خيال امرأة أخرى تجرد حصيلة مُرّة من أوجاع الحب وخيباته ومهالكه. والثالث صوت حارس بنايتها والشخص الأخير الموكل بالعناية بها ورصدها في أحوالها وتقلباتها وأعبائها، يؤدي ذلك بشهامة وحدب وفهم لهشاشة الإنسان أمام ظروفه القاهرة، التي تكاد تتوحد مع غربته هو ومعاناته كنازح طالما غالب الحرب والفقر وقلق الهوية. تنتهي الست مي إلى غيبوبة العقل، وتُنقل إلى دار الرعاية، تاركة وراءها الكثير من أسئلة الحياة والموت وما بينهما.
في عملها الروائيّ الحديث " غيبة ميّ " ( دار الآداب – 2025 ) ترسم نجوى بركات الشخصيّة الأنثويّة الساعية إلى الهروب من العتمة والخوف نحو الضوء، هاجسها الزمن...مي التي تجاوزت الثمانين وتسكن في الطابق التاسع وحيدة، تحاول أن تتفوّق بالصوت المفرد الداخليّ على كلّ ما هو متوقّع...صراع مع الاحتمال، هو ما يميّز الرواية فإذن أو بشكل موضوعيّ هو ما يعرّف عنها، صراع كان خاليًا من أيّ مفاجأة، من أيّ " لامتوقّع"، فميّ أو الراوي الذي صاغها اهتمّت بالتفاصيل، بتعدادا ما حولها، بنسخ اليوميّات، حتّى الأصوات الأخرى ، صوت الناطور، صوت ولديها التوأمين كانت باهتة تخضع بسلطتها لميّ العجوز التي تطارد بعبث قطّة لم يستطع السرد جعلها عنصرًا مباغتًا، فما هي قضيّة ميّ؟ وهل لغيبتها الأثر الذي سعت إلى إظهاره نجوى بركات ؟ وكيف خرج السياق إلى القارئ؟
*الشيخوخة: ظاهرة يتمّ تعويمها*
حاولت نجوى بركات أن تجعل من الشيخوخة موضوعة واحدة موحّدة لجميع الأنساق السرديّة والمشاهد التي رسمها، وقد نجحت في ذلك، فانتقلت بعد الصفحات الأولى إلى التعريف بسمات "ميّ" المرأة البيروتيّة العجوز، الأم الثمانينيّة التي تخشى ألزهايمر ونسيان أولادها لها، البليدة المشبثة بالحاضر، رافضة صياغات المستقبل...كلّ هذه التراكيب والملامح ساعدتْ في تكوين الصورة أو بطاقة الهويّة الخاصّة بالشخصيّة الأساس، لكنّها لم تنتج صوتًا روائيًّا مؤثّرًا، فالقارىء الذي يعدّ كاتبًا آخر للنّص، لن يفاجأ بامرأة مسنّة تحاول التأقلم مع شيخوختها، بل ينتظرُ القضيّة، ما جعل نجوى بركات ومن غير قصد، تعوّم ظاهرة تحدّث عن روائيّون آخرون كجزءٍ من كلّ ، نأخذ على سبيل المثال لا الحصر روايات : باب الشمس ( دار الآداب-1998 ) حيث كانت أم حسن مطلع الرواية والموضوعة والتي انطلقت منها ومن مآسي موتها وشيخوختها معالجة الروائي للقضيّة الفلسطينيّة والحرب الأهليّة في لبنان بشكل بانوراميّ، وكذلك الأمر حصل في رواية منزل الذكريات لمحمود شقير ( هاشيت أنطوان نوفل-2025 )، حيث كانت مأساة الشخصيّة أبعد بكثير من الشيخوخة، تبدأ بها وتنطلق نحو المحيط والاحتلال الاسرائيليّ والماضي والزواج وغيرها. ظنّت نجوى بركات من خلال تفصيل وتخصيص المساحات السرديّة أنّها تمسرح " الشيخوخة" فوقعت في فخّ القصّ جاعلة المتلقي يغرق في المشاهد المحفورة وصفًا بحثًا عن متنفّس أو عنصر مشوّق، معتبرًا أنّ الحوارات القليلة المنصوصة في المتن الحكائيّ متنفسًا له علّه يعثر على ما هو مباغت أو يفهم إلى أين تتجّه الرواية بموضوعتها.
وصل نصّ نجوى بركات موضوعاتيًّا إلى مسألة تعويم الشيخوخة ، أي نجحت في تجسيد الظاهرة دون أي اضافات أو محاولة لدمج الموضوعة بالواقع القائم وأحداثه من حروب وأزمات اقتصاديّة وغيرها، ولم تكن الاشارة إلى هويّة الناطور بنبرة سيميائيّة إلّا سقطة تثير النفور، فلو رسمت ملامحه الهويّاتيّة بشكل واضح لأعطت النّص واقعيّة أكثر إلى جانب قصص كان لا ينبغي التغاضي عنها.
*التقنيّة وما لم يجده القارىء*
في نقده لنظريّة التجريبيّن " يولد الإنسان صفحة بيضاء " اعتبر المفكّر الأميركيّ نعوم تشومسكي أنّ الإنسان يولد محمّلًا بتجارب كثيرة وأنّ اللوح يستحال أن يكون أبيض منذ النشأة، إنطلاقًا من هذا النقد، نجد الرّابط بين القارىء الذي يعتبر وفقًا لدانيال بِناك خالق دائم للتفاصيل وما بين التحريض على التوليد وهو الجانب المفقود في نصّ بركات، فالمشاهد الجاهزة، والتفاصيل المتوقّعة والممكن الذي قدّمته ميّ في غيبتها واستنباطها واسترجاعها للأحداث لم يكن سوى معجم ثابت متّبع لمعاجم توثّق الشيخوخة كمفهوم اجتماعيّ عاطفيّ. تحاول ميّ أن تتجاوز صمت الشخصيّات التي خسرت فرصة التلقّي والتعبير، وهو ما جعل القارىء يرتطم بانكسار دائرة العوامل التي رسمها مسبقًا غريماس والبنيويّون في السرد الروائي والتي تتألّف من العوامل المساعدة والمعاكسة والعامل الذاتيّ المنفصل تمامًا عن العامل الموضوعاتيّ. أضاعت ميّ قضيّتها من خلال إنسلاخها شبه الكلّي عن المحيط وتقوقعها في بوتقة الذات فكانت الرواية امتدادًا لما سبق، فضلًا عن تأثّر بنصوص ومدوّنات روائيّة سابقة تعرفها الكاتبة لكنّها لا تظهر علنًا هذا التعلّق النصيّ بما سبق، ربّما حفاظًا على فرادة النّص أو ربّما لمحاولة انكاره.
باسلوب واقعي سحري تاخذنا …. لمرافقة مي العجوز ذات الرابعة والثمانون، احداث يومها الرتيبة، شقة في فضاء بيروت، كاس قهوة، حاجب عمارة وخادمة اسبوعية، حتى تقابل امرأة في صالونها، قد تكون مي تتسائل من هذه المرأة التي تحاول ان تتجاهلها ولكني امضيت النصف الاول من الرواية احاول ان اعرف اين ذهبت سنواتها السبع التي خرجت من ذاكرتها لاقضي النصف الثاني نادمة، قائلة يا ليتني ما عرفت. اما مي فهي ما ان تجرأت وتعرفت على المرأة القابعة في صالتها حتى استعادت سنواتها السبع وفقدت باقي سنينها، لتلحق بجدتها وتصاب بما اصابها، خرف كانت تهرب منه وهو يعدو نحوها، يتربص بها، يقبع في زاوية بيتها يتحين الفرصة المواتية لينقض عليها. رواية ما ان تنتهي منها حتى تضعك في مقابلة فردية مع الموت، ذاك الموت الذي نهمله ولا نفكر به، تصفعك الرواية به لتعيد تقليب دفتر حياتك، يهتز بدنك وتدمع عينك. فماذا فعلتي يا مي!!! مي العجوز التي عرفتها عجوزاً ولم أكن لاتخيلها طفلة او شابة، كأنها ولدت الآن، لأكتشف ان لها حياة طويلة مضت خارج الشقة، قشور كثيرة التحفت الواحدة بالاخرى لتغلف العجوز وتصير ما هي عليه. كتابة بدأت بطيئة ورتيبة، تماماً كعجوز تحاول ان تقطع شقتها، ثم انقلب الايقاع في النصف الاخر منها فالاحداث اخذت تتسارع والتفاصيل ايضاً لتلائم شابة يافعة تغوص في عالم بيروت الليلي والثقافي، لتنتهي بصوت اخر لانسان ثانوي جداً ترى بعيونه ما يراه كل الناس من الست مي فتكون كتابة مشتتة. بينما تروي الكاتبة حكاية مي لم تنسى انفجار المرفأ، ولا الوضع السوري اللبناني، لم تنسى الهجرة ومعضلة الحيوانات الضالة، لم تنسى بيروت. رواية انصح بها بشدة.