"انتهيت المكالمة بعدما فهمت الحكاية كاملة من كميل الذي أدركت أن نقمته بدأت تتخذ مجرى مختلفاً عن مجرى النشاط الحقوقي الذي ارتحل بي نحو جنيف ومجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة... كانت مكالمتي تنبئ أن كميلاً سيختط منذ اللحظة سبيل المعارضة المباشرة التي لا تتذرع بنشاطات حقوق الإنسان الفارغة، والتي تتملق تلك المنظمات من أجل أن تثبت شيئاً بسيطاً في تقاريرها مما تتعرض له في مدن الوحوش والضباع الجائعة والصحارى التي توغل عميقاً في بحرنا... ناصر المحيشي!!!... ضحية أخرى من ضحايا الحبّ... ضحية أخرى من ضحايا الصمت العالمي الذي استطاع أن يصم نظرته عن رؤية ما يحدث في بلاد نفطها ومصالحها الإقتصادية... ما حدث كما قال كميل في المكالمة أن ناصراً كان خارجاً بكتبه الجامعية من صالة رياضية بعدما أنهى محاضراته المسائية في الكلية التقنية التي كان أحد طلابها... في شارع الرياض الذي سُمّيَ بعدما بدأت الأحداث بشارع البحرين كانت نقطة تفتيش محاذية لتلك الصالة التي يقصدها يومياً من أجل الحفاظ على هيئته الجسدية التي سقطت يوم ذاك مثخنة برصاص الشرطة... كانت تلك النقطة من النقاط التي تنصب بين الحين والآخر في الشوارع التي تخترق وسط المدينة أو جوانبها لعلّ أحداً من المطلوبين لوجه الإستبداد يسقط فريسة شهية بين أنيابها... اخترقت جسده النحيل ثلاث رصاصات لتدرع روحه بين يدي خالقها... ظلّ ناصر عدة ساعات مرمياً على قارعة الحياة، وسط تجاهل تام لرجال الشرطة الذين تركوه مهملاً ينزف روحه شيئاً فشيئاً...
بعض من كان يطلّ على الحادثة من النوافذ المجاورة أوضح أن رجال الأمن وصنعوا رشاشاً بمحاذاته حيث سقط شهيداً، ومن ثم ثم تصويره بمحاذاة السلاح كي تكون الصور شاهدة إثبات أن رجال الأمن الأبرياء كانوا في حالة دفاع عن النفس، فلم يجدوا وسيلة للدفاع إلا ثلاث رصاصات غادرة جعلت ناصراً يسقط في حدائق الحبّ شهيداً جديداً سيفتح قائمة أخرى من الشهداء، كما افتتحها سعيد عيسى القصاب منذ اثنتين وثلاثين سنة، وليكون اسم أي اسماً ضمن تلك القائمة التي ضمت في صفحتها ستة وعشرين شهيداً... سقط شهيداً دون أن يعرف جرماً ارتكبه سوى أنه أحبَّ القطيف كأنها أمه التي ولدته وأرضعته واحتضنته منذ كان يشبّ في ريعان الطفولة واللهو والحب...
كان عاشقاً عذرياً لهذه المدينة التي احتلتها أسراب الجراد واللعنة، وكان مهووساً بترابها وشوارعها ورائحتها وتاريخها وأحزانها وموجاتها التي كانت تتماوج على ساحل قلبه المثمن بالعشق الصوفي... حملته القطيف بين أزقتها وطرقاتها طفلاً صغيراً، وها هي تحمله بين ترابها طفلاً شهيداً سقط في ساحات إيمانها كما سقط حسن رحمان في الساحة ذاتها منذ اثنتين وثلاثين سنة...".
يعيش حالة من الهذيان... فقد أضاع وطنه فمن مدينة السحر والطبيعة والشوكولا والساعات... كان عائداً نحو وطن يسحيه تجاوزاً وإعتباطاً وطنه، لكن ذاك الوطن ما زال يرفضه، كما كان في داخله يرفضه لفظاً سحرياً ودلالة إيمانية، كان رفضه يتخذ شكلاً أشدّ عنفاً وشراسة... فما معنى الوطن في هذا العالم... هل معنى ذلك أن يكون لك منزل صغير يأويك أنت وأسرتك في أي ركن من هذا العالم الشاسع الحزن؟!!!... وهل الوطن قيمة أزلية يجب الإيمان بها والولاء لقادتها الذين كانوا في حياة مواطنيهم أشبه بلعنة من القضاء والقدر؟!!!... إذاً ما مصير أولئك الذين ولدوا قبل ولادة الوطن؟!!!... هل كانوا من الجاهلية الأولى قبل أن يأتي الملوك والرؤساء ليعلنوا الوطن وذواتهم اقنومين مقدسين يشكلان إلهاً جديداً، من آمن به نجا ومن تخلف عنه غرق وهوى...
عازف الجيتار العجوز للروائي مظاهر اللاجامي، رواية مكتوبة بغضب يقطر من حبر كلماتها، لا أنصح بها من لا يحب قسوة الكلمات والألفاظ البذيئة والمشاهد الجنسية الصريحة.
تدور الأحداث حول بطل الرواية وحيد ابن الشهيد رحمن من قرية العوامية، رجل متذمر وحانق على جميع الاختلافات الدينية ومحتقر لكل التنوعات الفكرية والفلسفية ومزدري لجميع الطبقات الاجتماعية وخرافات العادات والتقاليد وناقمٌ على كل ما يمت لهذا الوطن بصلة، وذلك كله نتاج الظروف التي مر بها.
استطاع مظاهر من تصوير المجتمع القطيفي بعاداته ومعتقداته مع ذكر بعض الوقائع الحقيقية في قالب روائي جميل وبالخصوص فيما يتعلق بمواقف المجتمع الدينية والسياسية، كما أبدع في خلق شخصية البطل لتكون محور الأحداث الرئيسة للمنطقة.
على خلاف روايته "بين علامتي تنصيص"، استطاع مظاهر من تبسيط لغته لتكون سهلة من غير تكلف، فلغة "عازف الجيتار العجوز" سلسة وجميلة على الرغم من كثرة الألفاظ البذيئة.
تقع الرواية في ٥٥٠ صفحة مقسمة على أربعة فصول فقط! كل فصل يمتد لأكثر من ١٥٠ صفحة مما يجعل قراءة الرواية أمر متعب.
أنصح بالرواية لمن لا ينزعج من الكلمات البذيئة، وبمحبي قراءة الأدب القطيفي فمظاهر اللاجامي من أبرز الروائيين في القطيف إن لم يكن أفضلهم.
**ملاحظة هامشية على الطاير: السنة الضوئية هي وحدة قياس مسافة وليست وحدة قياس زمن. مثلا لو أردت أن أقول كصيغة مبالغة "نمت لعدة سنوات ضوئية" كأنك بالضبط تقول "نمت لعدة أمتار"... إذ لا يستقيم الكلام.. والصحيح على سبيل المثال "شعرت أن بيني وبينه مئات السنوات الضوئية"..
"الذاكرة… الحب... الألم..." كانَ هذا عنوان الرواية في المجمل. هيَ تحدي للمجتمع والعادات والتقاليد، تحدي لبعض الجهل في مجتمعنا وإنحراف عن القاعدة الإنسانية المتداولة. الكاتب عرى الشخصيات بكلِّ مافيها وَمضى يخط كل الأفكار والألفاظ والصور التي تطرأ على فِكر الشخصيات وفكر الكاتب نفسه بلمسة قريبة للقسوة والحزن والألم والجرأة.. ونكران المجتمع المحيط بهِ.
"وحيد رحمان" صورة لإحدى ضحايا مجتمع مكبوت من نواحي كثيرة، كوّنت شخصاً مليئ بالألم والعداء. نحنُ نتاج طفولتنا وما آلَت إليه الحياة.. وذلكَ ما كانَ في هذا الوحيد.
وجدت صعوبة شديدة في تقبلها في البداية سواءً مفرداتها أو القسوة في الوصف أو المشاهد الجريئية الكثيرة فيها. كنت أتمنى إن كان لها علاقة بالقطيف ان تكون ألطف قليلاً وأسمى في وصولها وإحترامها للقارئ.
الإنتقال بين أفكار الشخصية الأساسية كان مربكاً قليلاً، تداخل الأفكار جعل من الصعب أن تربط الأحداث ببعضها. كثرة التفاصيل الدقيقة جداً جعلها مملة أحياناً وَأيضاً جرأتها قللت من جمالها برأيي.. أسلوب التشويق فيها رائع..
الرواية قاسية مؤلمة وَجميلة .. يثنى لها تطرقها لبعض المواضيع والأفكار الحساسه في المجتمع القطيفي..
في عازف الجيتار العجوز كمية كبيرة من البذاءة، الشخصية الرئيسية شخصية بغيضة فهو ذكوري، عنصري، متبلد الحس، سلبي وغير مسؤول، لا يخلو من طائفية، ناكر للجميل، نكدي وقادر على تحويل كل ما هو جميل في الحياة إلى كتلة قبح .. أظنني أستطيع القول أن هذه الرواية والتي هي عبارة عن خطاب طويل في هجاء هذا البلد نجحت في هجائها ومثلته عبر إظهار مدى بشاعة وعطب هذا المنتَج السعودي الحالي من خلال شخصية "وحيد رحمان" الذي جمع سوءات البلد بحذافيرها بكل تناقضاته وسيئاته، على سبيل المثال : وحيد يعبر عن دونية بنات الهوى حينما يستخدمهن كشتائم، لكن فجأة تصبح فتاة هوى "مثقفة" من المغرب معشوقته التي يحيا لأجلها .! يحسب للرواية جرأتها السياسية، لكن المؤلف لم يتبحر، أحسست أنه أورد الرواية منزوعة من جذورها . ولا أظن أن اللاجامي استنفد حده المعرفي ووقف عاجزا عن فحص الجذور وتحليلها، بل تخطاها عمدا انتصارا لإنسان اليوم حينما اعتبر أن الحاضر يفرض نفسه أيا كان شكل الماضي ومبرراته . وكنت أظن أنني سأقرأ شيئا من تاريخ القطيف أو بعضا من روح المكان، لكنني خرجت بوصف لبعض الطرق لا أكثر. أنصح ولا أنصح بقراءتها .. أنصح لأنها رواية معارضة سياسية يجب أن تُقرأ لفهم مكونات الانسان المعارض المقصيّ، رغم أنه لم يسهب في هذا الجانب بقدر إسهابه بشكل مبالغ فيه في جوانب أخرى أضعفت القيمة الأدبية للرواية برأيي، لا لأنها مقطوعات وصف لا أخلاقية بل لأنها مشاهد عادية ومبتذلة جدا، ولهذا السبب لا أنصح بقراءة الرواية . الرواية هجاء مقذع للإنسان المسحوق ودعوة إلى الحكومات لتحمل المسؤولية بقبوله بكل سوءاته في الوقت نفسه، هذا هو الحل الوحيد فهذا الإنسان معطوب تماما وغير قابل للإصلاح، وهو بعض مما صاغت واقترفت يداها.