بعد أن شرَّقت المجموعة الأولى من كتاب «الظل والحرور» وغرَّبت، ها هي المجموعة الثانية تأتي بعد طول انتظارٍ، وقد عانى فيها مؤلفها أضعافَ ما عاناهُ في المجموعة الأولى، لأن عيون السيَر الذاتية قد تقدَّمت في المجموعةِ الأولى، وما تبقَّى فإن أغلبه من السير المغمورة، ولذا كان الاختيار منها صعبًا.
ومع ذلك فقد تضمنت هذه المجموعة منتخَبَاتٍ مبوَّبةً من 140 سيرةً ذاتيةً، وقد أوفى حجمها على المجموعة الأولى، واحتوت من الفرائد والفوائد على ما يُمتِع ويُؤنِس، فكانت هذه المجموعة بحقٍّ سفرًا ثانيًا من مكتبة الحياة، وصُبابةً أُخرى من ذاكرة الأيام، وآثارَ خطواتٍ على طريق العُمُر، وينابيعَ من الحزن والمَسرَّة، وسَيْرًا في منازل الخُطَى الأولى، وشدوًا من أغاريدِ الطفولة ودهشةِ الصِبا.
إن حكاياتِ المُصابرة والمُجالدة، وقصصَ النجاح والطموح، وآثارَ الإحسان والمعروف، وعاقبةَ المكر والظلم، إنَّها كلَّها من العِبَر الإنسانية التي يَحْسُنُ أن يُكشَفَ أمرُها للناس؛ لتواسيَهم وتؤنِسَهم وتكونَ علاماتٍ يهتدون بها في دروبِ الحياة .. وهو ما نرجو أن يقدمه هذا الكتاب الفائق لقارئه ويفتح له نافذةً يرى منها حوادثَ الأيامِ وعِبَرَ السنين وخُلاصةَ العمر وصروفَ الزمان؛ ممَّا قد يُخَفِّف عنه بعضَ الأسى والألم، ويثير في نفسه شيئًا من بواعث الرضا والسرور وشُكرِ النِعَم
لا أتذكر المجموعة الأولى من الكتاب بشكل جيد لطول العهد بقراءتها، منذ ثلاث سنوات تقريبا لكن ما أذكره أني كنت أعرف الكثير من الشخصيات الواردة. هنا الأمر يختلف، فالذين أعرفهم قليلين جدا مقارنة بمن لا أعرفهم لا أبالغ إن قلت إنهم بعدد أصابع اليد. في البداية تسرب إلىّ الملل لعدم معرفتي بهم، لكن ذكرت نفسي بأهدافي أولهما: قراءة ما عندي من كتب ورقية، والثاني ترويض نفسي على الصبر والانقطاع لفترات طويلة على الكتاب. الأمر الذي يكون صعبًا جدا مع الكتب الإلكترونية. وثالثهما هو أني أحب هذا النوع من الكتب فهل أترك الكتاب للقليل من الملل؟
كنت أنقطع بشكل شبه يومي مع كوب الشاي ليلا، أحضر الكتاب وأبدأ جلسة قراءة مع نديم، حقًا كان وقتًا رائعًا.
أضاء هذا الكتاب لي عشرات الأسماء الأدبية والثقافية التي طالما قرأت أسماؤها على أغلفة الكتب دون أن أعرف عن أصحابها الكثير. وقد ركّز المؤلف بشكل لافت على سِيَر المثقفين والكتّاب والأدباء والعلماء من العالم العربي، مع إشارات نادرة إلى شخصيات أجنبية. ورغم ذلك، فإن المشروع ككل جاء ثريًا ومُلهمًا، ويُعدّ عملًا رائعًا وجديرًا بالقراءة