يعد هذا الكتاب الضربة الورقية الكبرى للتيارات السلفية في المجتمع الذي يعيش فيه المؤلف ، لكن سيظل هذا الجهد حبرا على ورق مادام المقتنعين بأفكاره أقلية غير ممثلة في الواقع الإجتماعي الخليجي ، لكن لا يستلزم من نجاح الفكرة هو تطبيقها اللحظي في حياة قائلها ، فلم تقم للدولة الشيوعية قائمة إلا بعد وفاة كارل ماركس بسنين ، ولذلك ستجد أفكار هذا الكتاب عدد أكبر من الآذان الصاغية في مقبل الأيام.
تحدث المؤلف عن أوجه التشابه بين أوغسطين وابن تيمية اللذين درءا تعارض العقل والنقل بتطويع الأول لخدمة الثاني، وتحدث عن أوجه التشابه بين أوروبا القرون الوسطى والسلفية الحالية التي يتعايش معها المؤلف في السعودية ، فمثلا لم يكن باستطاعة أي مؤلف أوروبي التأثير في الجماهير مالم يكن قادرا على ربط الجديد بالماضي التليد ، فكان كل رأي أو نظرية بحاجة إلى سند تراثي يرضي نرجسية الأنا الجمعية المرعوبة بالأصالة والمحتمة بالمألوف.
تعرض العالم الاسلامي الحديث لثلاث موجات من الإرهاب بدأت بإخوان السبلة الذين أرادوا من الدولة السعودية أن تكون مشروع قتال دائم مع العالم وهم بذلك يطبقون مفهوم الجهاد التقليدي في كتب الفقه ، والثانية كانت الجهيمانية التي احتلت الحرم المكي وأعلنت المهدية ، والثالثة هي القاعدة ، ويربط بين الموجات الثلاث كونها نشأت في بيئة سلفية قريبة من البادية.
يدعي العلماء أنه لا يوجد كهنوت في الإسلام ، صحيح لم يوجد أبدا هذا المصطلح في الإسلام لكن بنيته وجدت في كل مكان في ممارسات علماء الدين بدءا من الأسماء التي أطلقوها على أنفسهم ( قاضي القضاة ، شيخ الإسلام ، طالب علم الخ ) والأزياء التي يرتدونها ( الملابس الأزهرية ، وعدم لبس العقال في نجد ) ومعارك الإضطهاد الفكري بين الحنابلة الحشوية والمعتزلة والأشاعرة والشيعة ، الشيعة يعترفون بالطبقية الدينية عندهم أما السنة فينكرونها وهم يمارسونها عمليا.
السلفي لا يجهل المعاصرة جهلا مركبا فحسب بل هو يجهل التراث الذي يحتمي به أيضا والذي مع إدمانه عليه إلا أن فهمه له لا يزال بدائيا ، فهو يعد العدو الأول للتراث لأنه محب جاهل ، وكذلك تتسم ثقافته السطحية بالغباوة على حد تعبير المؤلف.
تحدث المؤلف عن المنتكسين إلى التراث من أمثال سيد قطب الذي عده مثالا على المثقف الطموح الذي لم تسعفه قدراته الأدبية المتواضعة على مضارعة طه حسين وزكي محمود ، ومع رفض العقاد التقديم له ، جعل ذلك قطب ينتقل لمربع التقليد ليصبح المفكر الأول في وسط تقليدي يتصور المعرفة مجرد اجترار لمقولات الماضي.
ينظر المؤلف للربيع العربي على أنه حراك إيجابي في مجمله إلا أن الوعي الثقافي المصاحب له لا يزال كما هو قبل عقود والذي بدوره يعد صورة مشوهة لما كان عليه قبل قرون ، واذا استثنينا عراق صدام وسوريا بشار وليبيا القذافي فإن الدول العربية رغم ما فيها من تخلف وطغيان وبؤس أفضل حالا من كل سنوات الدولة الأموية والعباسية باستثناء سنتي عمر بن عبدالعزيز وسنة المهتدي العباسي ، وهذا ما يفسر تفشي أدبيات العدل المنشود في تلك العصور ، شخصيا لا أحبذ مقارنة دولة في القرن السابع بدولة في القرن الواحد والعشرين بسبب الفروقات التي لا تحصى بين الدولتين ، لكن المقارنة الأقرب للمنطق هي التي تكون بين الدول المتعاصرة وقد أشار د.علي الوردي إلى ذلك في كتبه كثيرا.
الكتاب كبير الحجم ، وشعرت في ربعه الثاني أن الكاتب بدأ يكرر أفكار الكتاب - وبأشكال مختلفة - ربما لأن أصله مقالات كتبت في أوقات متباعدة.