هو الجزء الثاني من مذكرات فاروق الشرع، ويغطي فترة من رئاسة بشار الأسد، واصل في خلالها الشرع شغل منصب وزير الخارجية، ثم نائب رئيس الجمهورية، إلى أن قرر الاعتكاف في منزله في عام 2013. كان المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات قد نشر الجزء الأول من مذكراته تحت عنوان الرواية المفقودة، شاملًا الرواية السورية بتفاصيلها حول المفاوضات السورية-الإسرائيلية في عهد الرئيس حافظ الأسد، والتي ظلت غير معروفة إلى أن اقتنع الأستاذ فاروق بكتابتها ونشرها بالتعاون مع المركز، وسدّ في ذلك فراغًا في الكتابة التاريخية والسياسية عن هذا الموضوع. ننشر في هذا الكتاب تجربة فاروق الشرع في المؤسسة السورية الحاكمة وعلاقاتها الدولية في مرحلة حكم بشار الأسد، وروايته ورؤيته للأحداث التي عصفت بسور&
فاروق الشرع (مواليد 10 ديسمبر 1938)، نائب الرئيس السوري. شغل منصب وزير الخارجية منذ 1984 يعتبر من السياسيين المفضلين للرئيس السوري حافظ الأسد وأحد العوامل الأساسية في اتخاذ القرار السياسي في سوريا أثناء حكم خلفه الرئيس بشار حينما تم تعيينه نائبا للرئيس.
ولد فاروق الشرع في مدينة درعا الواقعة جنوب سوريا والقريبة من الحدود الأردنية في عام 1938 من أبوين سوريين وتخرج من كلية الآداب (اللغة الإنكليزية) في جامعة دمشق لعام 1963. وانتقل بعدها لدراسة القانون الدولي في جامعة لندن بين عامي 1971/1972 وبدأ حياته العملية في شركة الطيران السورية منذ عام 1963 وحتى عام 1976 وشغل فيها عدة مناصب منها مدير لمكتب الشركة في دبي ثم مدير إقليمي في لندن ومدير تجاري في دمشق. وبعدها اختاره الرئيس الأسد ليحتل مركز سفير سوريا لدى إيطاليا بين عامي 1976 و 1980. وقد ترك هناك انطباعات جميله يذكرها الصحفيون دائما حيث كان مقربا لهم. وفي عام 1980 عين وزير دولة للشؤون الخارجية وحتى 1984 حيث عين وزيرا للخارجية السورية، يشغل منذ 2006 منصب نائب رئيس الجمهورية.
يعرف وزير الخارجية السوري فاروق الشرع بالرجل الأيديولوجي الذي يحسن السباحة في بحر السياسة الواقعية ويوصف بانه خريج مدرسة حافظ الاسد السياسية والفكرية، وهو رجل دولة من الطراز البارع يمكنه أن يكون الرجل الهادئ في زمن الأعاصير وديبلوماسيا متحركا في خضم الآزمات.
رغم أن مضمون هذا الكتاب لم يأتِ بجديد لمن كان يتابع المشهد السوري ومسار الأحداث السياسية فيه، منذ استلام بشار الأسد الحكم كوريث لوالده، ومن ثمّ تتابعها متوالية من "ربيع دمشق" إلى "الربيع العربي" فالحرب السورية الداخلية (سواءً أسميناها "أزمة" أم "ثورة" أم "انتفاضة" أم "مؤامرة كونية")، وحتى الانتهاء من تحرير الكتاب في 2019، إلا أنه يعكس بوضوح أنه لولا تشبث الأسد بالحل العسكري حتى اللحظة الأخيرة، وتهربه الدائم والمستمر من إجراء الإصلاحات الواجبة والتعديلات اللازمة تجاه شعبه وبلده، وتلبية الوعود التي قطعها لنفسه ولمعاونيه ولمحاوريه من كافة الدول العربية والأجنبية الصديقة والمعادية، لكانت سوريا تجنبت أربعة عشر عاماً من القتل والدمار وهدر الدماء واستنزاف الأموال والثروات والموارد، ولما وصلت إلى ماهي عليه اليوم من وضع مُزري.
من جانب آخر، يبيّن نص الكتاب مهنية السيد فاروق الشرع بصفته دبلوماسي سياسي سوري مخضرم وعضو من أعضاء حكومة الأسد وحزب البعث الحاكم، كوزير خارجية وكنائب للرئيس لاحقاً، ومدى تمسكه "بالحل السلمي" وحرصه على مستقبل سوريا ومكانتها بين دول العالم، إلى حين وصوله إلى طريق مسدود واعتزال العمل السياسي، بعد سلسلة من خيبات الأمل والمحاولات الفاشلة، بدءاً من الحوار الوطني فبعثات المراقبين العرب فالمساعي الدولية، وصولاً إلى التدخل عسكرياً من قِبَل الروس والإيرانيين.
الكتاب مكتوب بأسلوب السيد الشرع السلس، وينساب زمنياً مع تتابع الأحداث أولاً بأول. قراءته سهلة لكنها تترك وراءها طعماً بالمرارة والحسرة على السنوات العجاف التي ضاعت هدراً من عمر الشعب السوري ووطنه.
أكتفي هنا للاستشهاد بفقرتين قصيرتين وردتا في الكتاب، وبحكمةٍ نقلاً عن الإمام علي بن أبي طالب: "إذا سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق".
أما الفقرة الأولى فقال فيها السيد الشرع: ""الحل المتبع أدخل البلاد في مأزق لا يمكن الخروج منه، إلا عبر سلسلة من الإصلاحات المرفوضة من سلطة خفية لا ترى وجوه أعضائها في أي اجتماع حكومي أو حزبي، لكنهم يتصرفون بمقدرات الحزب الحاكم والدولة كأنهم ورثتها الحصريون"".
وقال في الفقرة الثانية: ""الحكومة السورية تعرضت للتشكيك بشرعيتها، ليس لأن معظم الدول...قاطعتها، ...وإنما لأن النظام السوري نفسه لم يحترم دستوره الذي يحرّم قمع الحريات، فلجأ إلى الاعتقال التعسفي، ومارس القتل خارج إطار القانون، وملأ سجونه بالمعتقلين..."".
فلنعتبر من هذه الأقوال في رؤيتنا لأفق المستقبل، بعد أن بدأت الغيوم السوداء بالرحيل عن سماء سوريا، مبشّرة بغد أفضل !
اشتريت كتاب (مذكّرات فاروق الشرع 2000 - 2015) من شارع المكتبات في الحلبوني بدمشق. وهو صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الذي يؤكد أن فاروق الشرع فرغَ من كتابته عام 2019 وأوصى حينها بنشره بعد وفاته، ثم قرّر إصداره في آذار 2025، عقب التغيير المزلزل الذي شهدته سوريا في الثامن من كانون الأول 2024. ونُشر منه طبعتين حتّى اليوم.
يشكّل هذا الكتاب الجزء الثاني من مذكرات الشرع، بعد أن أصدر سابقاً الجزء الأول بعنوان الرواية المفقودة عام 2015. لم أقرأه بعد، ولكن ربّما أفعل.
انتهيت من قراءة هذا الجزء الثاني الذي يغطي فيه الفترة من 2000 - 2015، وكان حافزي لقراءته هو فضولي في معرفة تفاصيل داخلية عن السياسة السورية للنظام بعد الثورة، هذا إن وجدتْ، وطبعاً اتضح عدم وجودها خلال هذه الفترة، ويقول الشرع نقلاً عن مسؤولين ومن خبرته أنه كان هناك حكومة موازية تعمل في الظل مع الأسد ولا دور سوى الشكلي لمن هم في الواجهة.
كنت راغباً في معرفة تفاصيل عن حياة الديكتاتور المخلوع وتفكيره، ولم يُشبع الكتاب هذا الفضول. أكّد الشرع أن بشار لم يكن يسمع لمحيطه أصلاً، وكان يوقّع مرسوماً أو قراراً ثمّ ينكر موافقته عليه قبل أن يجف حبر توقيعه.
كما يصفه بأنه بارع في تحميل المسؤوليات لكل من حوله، وأن وعوده للمسؤولين العرب والأجانب والمبعوثين العرب والأمميين كانت تتبدل قبل صعودهم إلى سلم الطائرة.
ويصل الشرع، في توصيفه لبشار الأسد، إلى استنتاج متأخر مفاده أن لديه ميولاً سيكوباتية، وهي حالة نفسية يفتقد أصحابها المشاعر كلياً، فلا خوف من العواقب ولا إحساس بالندم تجاه أي خطأ، وصولاً إلى وصفه بـ "هولاكو العصر".
كما يوضح الشرع مراراً أن المخلوع لم يكن يكترث بحزب البعث كما كان يفعل والده، ولا بقيادته القطرية، وكان يضعهم في مواقف محرجة لتهزئتهم، ثم يعزل أو يعيّن من يريد، من دون أي التزام فعلي بمعايير الحزب الذي يقوده. ويبدو واضحاً أنه يفعل عكس ما يريده الشرع الذي يؤمن إيماناً كبيراً بهذا الحزب الذي كان عضواً في قيادته لأكثر من خمسين سنة.
يظهر الشرع بين السطور مخدوعاً من الأسد الذي لا يسمع له كلاماً، ولم يستمع للإصلاحات التي طلبها حتى قبل الثورة، ومع اندلاعها يعرف الجميع أن المخلوع كلّفه بقيادة حوار وطني يجمع السلطة والمعارضة في تموز 2011، لكنه لم ينجح. وقال أن المبادرة أُفشلت من النظام والمعارضة معاً، وحمّل النظام فشلها، ليصارح الشرع المؤتمرين حينها: "هناك من لا يريد التغيير أبداً" وأيضاً "هناك من يريد أن يقلب كلّ شيء رأساً على عقب".
لا أعتقد أن الشرع، في هذا الكتاب الواقع في 272 صفحة مع الملحقات التي ألحقها، حاول كتابة صك براءته من ديكتاتورية الأسد، ولا يبدو أنه يسعى إلى ذلك. فقد كان في عزلة داخل منزله منذ بدايات عام 2013، ويبرر عدم انشقاقه بقناعته أن خروجه من سوريا لم يكن ليجعلها أفضل حالاً. ويرى أن استمراره داخل النظام لفترة أطول كان سيعني موافقته على "النهج المدمّر للبشر والحجر"، فاختار الاعتزال في منزله كحلّ.
لا أعلم إن كان قد أجرى تعديلات على الكتاب قبل نشره بعد سقوط النظام، لكنه لا يتحدث عن التحرير إطلاقاً. ويتوقف السرد - كما في عنوان الكتاب - عند حقبة 2000–2015، ويُختتم الكتاب وكأن الكاتب لا يعلم بما سيأتي لاحقاً، ما يعزز الانطباع بأن النص كان جاهزاً للنشر منذ عام 2019 من دون إضافات لاحقة.
حديثه عن السياسة الأمريكية والروسية حيال سوريا، وتعاونهما ضد السوريين، هو محض استنتاجات منه لأنه لم يكن بعد التدّخل الروسي إلى جانب الأسد وليس لديه اطّلاع على التدّخل الأمريكي في شمال شرق سوريا، ورغم ذلك فهي مهمّة منه كسياسي قديم وقراءة قريبة جداً من الواقع.
يتميز الكتاب من الناحية السرديّة أنه سلسل وسهل القراءة، خالية من المصطلحات السياسية الشوفونية، وبنبرة هادئة وغير متكلّفة، حتى عند تناول أكثر المراحل حساسية في تاريخ سوريا الحديث، وفي بعض الأحيان هناك قفزات سريعة تفتقر للتعمّق، فتجد نفسك بحاجة لمعرفة المزيد منه.
ما سبق هو مجرد رأي ومراجعة سريعة. قراءة ممتعة لمَن يرغب بقرائته
في هذا الجزء، والذي تشير مقدمته إلى أنه انتهى من تأليفه في عام 2019، واستطاع إرساله بطريقة ما إلى المركز العربي، أوصى المؤلف بطباعته بعد وفاته. ولكن الله تعالى شاء أن يسقط النظام ويتم نشر هذا الكتاب في حياة الشرع.
كما في جزئه الأول، فإن رواية الشرع التاريخية سلسة اللغة، متماسكة المبنى، ودقيقة التوثيق، كما يجب أن تكون رواية وزير خارجية مخضرم. ولئن مال الشرع إلى إسباغ شيء من القداسة أو الحكمة -أو على الأقل تبرير أفعال- حافظ الأسد في الجزء الأول من مذكراته، فإنّه في هذا الجزء يُظهر دون مواربة استخفافه بمهارات الأسد الابن الفكرية والدبلوماسية وعدم نضوجه في إدارة سوريا في المرحلة التي يؤرّخ لها. وهذا في الحقيقة هو موقف معظم الحرس القديم تجاه بشار الأسد.
نقد التحقيق في مقتل الحريري: يظهر الشرع بمظهر المدافع عن اتهام سوريا بقتل الحريري، وليس مدافعاً عن أشخاص أو أحزاب أو جهات بعينها. ينتقد الأجواء الإعلامية التهريجية والتحقيقات الجارية على عجل والقرارات الأممية مسبقة الصنع والهدف، بشكل منهجي وحاذق ومحترف، رغم أننا ندرك أن هذا النقد يعتمد في شيء منه على تغييب جزء من الحقيقة المعروفة.
الأزمة السورية (الثورة): رغم أنك تتمتع في قراءة ما كتبه الشرع في جميع الفصول (حتى ص 161) إلّا أنّك لا شك تريد أن تعرف ما هي مقاربته للأحداث السورية منذ عام 2011. بتلخيص موجز، وبكلّ وضوح وصراحة يحمّل الشرعُ الأسدَ مسئولية الأحداث وتفاقمها وتدهور الحالة الأمنية وانفراط عقد التوافق الحكومي/الشعبي. يتكلّم الشرع في توثيقه للأحداث من خلفية حزبية بحتة، وهو بعيد تماماً عن الهياج الثوري والانفعال الشبابي.
يثبت الشرع كيف أن الأسد استبدّ بالقرار الإعلامي والسياسي والأمني منذ بدء الأحداث دون أن يسمي الدائرة الضيقة التي كانت تؤثر عليه، وهو يؤكّد أن هذه الدولة العميقة لا يعرفها هو وأمثاله.
ونستفيد أيضاً من فهم بعض العلائق الوظيفية بين الشخصيات الحزبية والشخصيات الأمنية، ويوثق الشرع أن بعض الشخصيات الأمنية كانت أقلّ اندفاعاً من الأسد في مقاربته العنيفة، مما أدّى إلى عزلها لاحقاً، مثل اللواء سعيد سمور والعماد علي حبيب (لا يعني أن هذه الشخصيات بريئة من أحداث سابقة، ولكن مقاربتها للأمور كانت أنضج وأعمق غوراً من مقاربة الأسد الطائش، وأكثر خبرة وفهماً وأفضل رأياً في المحافظة على الدولة السورية).
يزعم الشرع، ولا نستطيع تكذيبه، بأن الروس والإيرانيين كانوا مع حلّ سياسي معيّن في عام 2011، ولكنّ الرئيس الأسد، بكلّ ما أوتي من عقد نقص، كان مفتوناً بالحل العسكري الذي يُعيد له -على ما يبدو- شيئاً من الهيبة التي أحس أنه فقدها.
آخر تاريخ تمّ ذكره في الكتاب هو عام 2017، والكتاب سُلم لدار النشر في عام 2019.. برأيي أن الكاتب كان سيغيّر من رأيه لو قيض له إعادة صياغة ما كتب اليوم.
من المهم أنّه يثني على حسن نصر الله ويجده شخصاً أفضل من عرفات مثلا.. من المهم والغريب عدم ذكر الشرع لقمّة دمشق 2008 في توثيقه المفصّل للفترة قبل 2011 رغم توثيقه قمماً أخرى حدثت خارج سوريا
لا يمكن أن توافق على كل ما ذكره طبعاً، ولكنك لا بدّ من أن تكون شاكراً لهذا الرجل الذي كتب كلّ هذه المحظورات وهو في دمشق.
بعد عشر سنوات على نشر الجزء الأول من مذكراته المعنونة بـ (الرواية المفقودة)، يعود فاروق الشرع اليوم من خلال الجزء الثاني من مذكراته، والتي تناولت فترة حكم بشار الأسد. وإن كنت اعتقد ان الجزء الأول، ظل فيه ما يذكّر بأن له من اسمه نصيب، فظل جزءًا مهمًا من الرواية مفقودًا. جاء الجزء الثاني ملبيًا لرغبة القارئ في معرفة خبايا عدة، بشكل أقرب وأوضح وعلى لسان شاهد من بيت النظام، بالإمكان إجمالها بـ: * طريقة تعامل بشار الأسد كرئيس للجمهورية العربية السورية مع الكثير من الأحداث المهمة التي وقعت في فترة حكمه، وهي لا تتوقف عند تصرفه طوال ما يقارب من ١٤ عامًا، هي عمر الثورة السورية. فقد أظهرت مذكرات الشرع كم النرجسية، والرغبة في التفرد في القرار، وترسيخ صورة القائد الأوحد، في عقلية بشار الأسد، وطريقته في التعامل مع القضايا الكبرى. * موقف فاروق الشرع من اختيار بشار الأسد كرئيس لسورية، وهذه النقطة يجب الوقوف عندها بشكل دقيق، فالشرع وإن لم يكن معارضًا بشكل واضح لتوريث حافظ الأسد الحكم لابنه، إلا أنه وعلى ما يبدو كان له بعض التحفظات على الطريقة التي تمت بها هذه العملية، خاصة حين نقرأ تعليقه على تعديل مادة القانون المتعلقة بعمر المرشح للرئاسة، والطريقة التي تم فيها ترقية بشار في الجيش السوري. * موقف فاروق الشرع من بشار الأسد كرئيس لسورية، وبهذا الخصوص يسهب الشرع وفي عدة فصول في انتقاد بشار، خاصة انه أعتقد كالكثيرين في بداية حكم بشار الأسد انه قد يكون النموذج المنتظر للرئيس القادم لإحداث تغيير، فيتحدث عن الفترة البسيطة التي اطلق عليها (ربيع دمشق)، والتي رفعت من سقف طموحات السوريين ببداية عهد جديد، عهد يشهد اطلاقا للحريات، وتعددا فكريا في البلاد، إضافة الى العمل على دفع عجلة الاقتصاد وتحسين الظرف المعيشي للمواطن السوري، إلا أن كل هذا لم يتحقق، بعد أن انقلب بشار نفسه على هذه الفكرة، مما أعاد العجلة إلى الخلف، وفي هذا يسهب الشرع في تقديم العديد من الأمثلة على آليات الحكم البالية التي انتهجها الأسد الابن. * إذا ما عرفنا ان هذه المذكرات كتبت وسلمت للناشر قبل سقوط نظام الأسد في ٢٠٢٤/١٢/٨، حيث أنتهى الرجل من كتابتها عام ٢٠١٩ وطلب عدم نشرها إلا بعد وفاته (والأسباب واضحة طبعًا)، وما كان يمكن نشرها في الوقت الراهن لولا سقوط نظام الأسد. وإذا ما أضفنا لذلك ما جاء في حديث الشرع في المقابلة التي أجراها مع جريدة الاخبار في ٢٠٢١/١٢/١٢. فإن هذا الكتاب يبين بما لا يدع مجالا للشك موقف الشرع من تعامل نظام الأسد مع الثورة السورية، وسعيه الحقيقي لوقف شلال الدم، ورؤيته التي تتبلور بأن الحل الحقيقي كان حلًا سياسيًا وليس حلًا عسكريًا. كما يحاكم الرجل تعامل النظام المخزي مع مطالب الشعب، ويسمي الأشياء بمسمياتها، ويحلل شخصية بشار الأسد خلال هذه الفترة، وميله لاستخدام القوة بدلا من الحوار، وتجاهله العمل على إصلاح النظام المتهالك. كما لا يتوانى عن لوم النظام على ارتكاب ممارسات وحشية ومجازر واعتقالات وتهجير، ولا عن وصف حالة بشار الأسد بأن لديه ميول سيكوباتية.
في النهاية، لا بد لنا من الاعتراف أننا أمام كتاب مهم جدًا، لواحد من أهم الشخصيات السياسية في التاريخ العربي المعاصر، كتاب يجيب على الكثير من الأسئلة، ربما يكون واحد منها هو سر اختفاء الرجل عن الساحة السياسية السورية ابتداءا من العام ٢٠١٣. إلا أنني وربما سيشاركني الكثيرون هذا الرأي، ما زلت مصرا أن (الرواية المفقودة، الجزء الأول من المذكرات) ظل فيه ما هو مفقود إلى الآن، وآمل أن لا يظل كذلك..
ليس ثمة مفاجآت كبرى في هذا الكتاب، هو شهادة يدلي بها وزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع عن فترة حكم الاسد الابن بين عامي ٢٠٠٠-٢٠١٥، يصف فيها الشرع هذا الأخير بقوله : "لديه بعض الميول السيكوباتية، وهي حالة نفسية يفتقد أصحابها كلياً المشاعر، فلا خوف من العواقب، ولا شعور بالندم تجاه الخطأ، ولا تفاعل مع آلام الناس أو هموم المحيطين به"،
في الكتاب مجموعة من بعض النقاط الهامة التي يذكرها الكاتب منها :
١. كان بشار الأسد ممن أسهمو في افراغ القمة العربية في تونس بأيار عام ٢٠٠٤ من محتواها و التي أتت رداً على طلب الرئيس الأمريكي جورج بوش بالقيام باصلاحات سياسية و اقتصادية في البلدان العربية، و هو ما لم يرق لبشار الأسد.
٢. في ملحق الكتاب يوجد النص الكامل لمقابلة بشار الأسد مع رفيق الحريري في ٢٦ آب ٢٠٠٤ و التي ضغط فيها الأسد على الحريري بقوة لقبول التمديد للرئيس اللبناني الأسبق إميل لحود مستخدماً لغة الآمر بينما كان الحريري يرفض.
٣. عزل فاروق الشرع من منصب وزير الخارجية عام ٢٠٠٦ و اصبح بعدها نائب للرئيس و رئيس للجنة السياسة في المؤتمر القطري لحزب البعث.
٤. كان مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في فندق صحارى في دمشق في تموز عام ٢٠١١ على درجة عالية من الطموح للإصلاح السياسي في سورية، و كان عدد كبير من المدعوين فيه ممثلين لشخصيات اقتصادية و سياسية و ثقافية هامة. من الطريف أن بشار الأسد سمح ببث الجلسة الافتتاحية للمؤتمر فقط بينما أمر بقطع البث التلفزيوني بعد ذلك كي لا يشاهد الشعب السوري حلقات النقاش. أيضا يبدو ان الأسد قد حرض الاتحاد العام لنقابة الفلاحين والاتحاد الوطني لطلبة سوريا على توجيه نقد لاذع للمؤتمر لإفشاله.
٥.القيادة القطرية لحزب البعث كانت ضد الحل العسكري للاحتجاجات و هذا ما حدا ببشار الأسد إلى حلها بشكل كامل عام ٢٠١٣ و عزل الشرع من جميع مناصبه.
٦. كان فاروق الشرع من المؤيدين للحل السلمي و الحوار و الإصلاح، وقد اعتزل العمل السياسي وجلس في بيته كنوع من الاحتجاج على استمرار الأسد بالتصعيد وذلك قبل أن يقوم الأسد بعزله من مناصبه فعليا في عام 2013، وبذلك سجل الشرع موقفا رفض فيه المصادقة على قتل الشعب السوري.
الحقيقة هذه ليست دولة، بل مزرعة، فيها قواعد بالية يُقفَز فوقها متى شاء الحاكم، وكانت الرغبة في القفز دائمة. لم يأتِ الشرع بجديد، لكنه أعاد إظهار طبيعة الإدارة السياسية في بلدٍ كان يومًا ما يلعب دورًا مهمًا في المنطقة. حكمٌ شموليّ يميل يومًا بعد يوم نحو التفرد المطلق، وهياكل إدارية ـ رغم سوء تشكيلها وطريقة إدارتها ـ كان يُفترض أن تتيح شيئًا من المشاورة ضمن دائرة ضيقة مختارة، لكن حتى تلك الهياكل جرى القضاء عليها خلال حكم الأسد الابن المجرم.
أظهر الكتاب أيضًا زيف ما يُسمّى بالدول العربية؛ كلها جثثٌ مقتولة، عبارة عن أصفاد يضعها الزعماء على أيدي شعوبهم. أشباه دولٍ، البيروقراطية فيها ضعيفةٌ ضحلة، والارتجال هو القاعدة لا الاستثناء.
في الكتاب مجموعة من الأحداث التي رواها الكاتب بصفته شاهدَ عيانٍ شخصيًا، وكانت بعضها مضحكة بحق، مثل فرح بشار الأسد العارم بثنيِ بن علي عن التطرّق إلى ملف الإصلاح خلال قمة تونس؛ فرحةٌ عامرة لرئيسٍ ورث الحكم وكانت شعارات مسيرته “التطوير والتحديث والإصلاح”.
على الرغم من أن هذا الكتاب يبقى شاهد على هولاكو العصر الحديث، إلا أنه كالبعث كثيره غثٌّ والقليل جداً منه سمين. وطبعا كتب بطريقة جيدة بعادة فاروق الشرع المتكلم والمتحدث البارع، وعرّفنا على ما خفي عنا في مخرجات ما كان يجري خارج البلاد. ولكن إن كان لا يدري عن حقائق اغتيال الحريري إلا الرواية الحكومية فهو إما كاذب واستبعدها أو نقطة سوداء في تاريخه ومسيرته وسقطة كبرى لرجل الخارجية الأهم في سوريا من بعد الاستقلال. طبعا يُحسب له موقفه الشخصي من بشار الأسد بعد ٢٠١٢ عندما اعتكف في منزله وركب راسو بالمعنى الحرفي للكلمة وما كان يرد على حدا وأساسا ما بعرف ليش ما قتلو السايكوباتي.
الكتاب بالنسبة لي كان ممتعا، كواليس لأحداث متعددة عاشها وزير الخارجية السوري من ٢٠٠٠ الى ٢٠١٥. ابتعد الكاتب برأيي عن التحليل والتفسير الزائد للأحداث واكتفى بالسرد، تارة باختصار وتارة بالتفصيل الغير الممل.
محضر حديث الحريري والأسد من الأشياء القيمة في الكتاب.
ربما يأمل بعض القراء الحصول على تفاصيل تتعلق ببداية الأحداث في ٢٠١١، وفي هذا السياق يسرد الشرع تجربته عن الموضوع، لكن من موقعه كنائب الرئيس إلى أن تم "عزله"، دون الدخول في التفاصيل.
لم يأت هذا الكتاب بجديد لمن عاش أحداث الحرب السورية بكل تفاصيلها وقرأ التحليلات السياسية والتقارير الصحفية والاستخباراتية لخفاياها. لربما تأملت أن يأتيني بجديد و شعرت بتحفظ الشرع أو ربما الأصح تجنبه لمواضيع شتى. لكن في النهاية الكتاب هو عبارة عن مذكرات شخصية وليس تأريخا للحرب السورية بكل فصولها المأساويةويحق لصاحبه إيراد و إسقاط ما يراه مناسبا.