أو كما يعرف بالداء و الدواء , يبدأ الكتاب باستفتاء أحد ال��شخاص لابن القيم بالسؤال التالي : ما قول السادة العلماء في رجل ابتلى ببلية و علم أنها إن استمرت به أفسدت دنياه و آخرته و قد اجتهد في دفعها عن نفسه , فلم يزداد إلا توقداً و شدة , فما الحيلة في دفعها ؟ وما الطريق إلى كشفها ؟ فرحم الله من أعان مبتلى ....
فيجيب ابن القيم بكتاب كامل في ما يقارب 350 صفحة !
جوابه لم يكن لسؤال السائل السابق بل كان جواباً خاصاً له و عاماً لأناس لم تسأل ! حيث حُفَ الكتاب ( أو الجواب ) بالجوانب الإيمانية من المنظور الإسلامي , و ظهرت فيه قدرة ابن قيم العالية في ذكر الاستدلالات من القرآن و السنة و أحياناً من واقع عايشه أو قصص عُرفت في زمنه و ربطه المواضيع ببعضها البعض بسلاسة و انسيابية
لكن كما ترى , فإن السؤال يعتريه الغموض .. فهو لم يبين ما نوع البلاء , وما كنهه , و كيف ابتلى به ... و غيره من الأمور التي تعد مهمة في طرح السؤال , ربما لحرج في نفس السائل .. و يبدو من أن السائل كان يقصد الداء الذي ابتلى به الكثير , و تغيرت حياتهم و قُتل من قُتل بسببه وقد يبدو هذا جلياً في قوله ( فلم يزداد إلا توقداً و شدة ) .. نعم , أقصد العشق!
و بين سطور الكتاب تتبين فطنة ابن القيم لهذا الشيء , فهو تدرج من الإجابة البسيطة في فصل ( لكل داء دواء ) و انتهى بفصل ( أقسام الناس في العشق ) , مروراً بعقوبة الزنا و اللواط من ترهيب , و ذكر جزاء الصابرين من ترغيب .. و الأسباب الداعية للحب و العشق , أقسامها , أنواعها و موانعها وغيرها من أمور . و توقفه و تشديده كما هو واضح في سطور الكتاب عندما يذكر دواعي العشق أو نواتجه , وذكر أيضاً وجوب التنبه من هذا الداء الخطير الذي قد يصل للبعض لمرتبة لا تحمد عقباها مثل قول القائل:
يرتشفن من فمي رشفات هن أحلى فيه من التوحيد
أو قصة المؤذن الذي افتتن بجارته النصرانية , فطلب يدها للزواج فأبت إلا إن تنصر .. وهذا ما حدث!
لكنه في نفس الوقت فرّق بين هؤلاء الذين تجاوز حبهم هذا الحد من الإفراط , و بين أناس أحبوا وعفوا , وآخرين أحبوا زوجاتهم و غيرها من قصص الحب العفيف الطاهر والذي قد يكون أمراً محموداً .. إذ أن هذا الأمر أمر مجبول في الطبيعية البشرية لا دخل للإنسان فيه مثل ما قال عمر ابن الخطاب عندما قيل له : رأيت امرأة فعشقتها فقال : ذلك ما لا تملك . فهناك رجالٌ عشقوا نساءً و نساءً عشقن رجالاً لم يعب عليهم أحد في تاريخ الإسلام ما دام في العفة والحلال ...
و ذكر العديد من القصص في من عشق و اشتهر أمره من أصحاب الدين و الخُلق , و أولهم و أفضلهم أكرم الأكرمين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام وحبه لزوجته خديجة رضي الله عنها و أمثال حب عبيد الله بن عبد الله بن مسعود .. أحد الفقهاء السبعة, حتى إنه كانت له أشعار عن العشق و العفة , منها :
آلام النفس لا تموت فينقضي
هواها ولا تحيا حياة لها طعم
تجنبت إتيان الحبيب تأثما
ألا إن هجران الحبيب هو الإثم
فذي هجرها قد كنت تزعم أنه
رشاد ألا يا ربما كذب الزعم
و حب عمر بن عبد العزيز الخليفة الإسلامي المعروف لأحد الجواري , وغيرهم .
كتاب الداء و الدواء أحد الكتب المعروفة لابن القيم و من المداخل المناسبة لمن أراد الدخول في الكتب و التراث الإسلامي العريق , في فصول مهمة مثل ( السيئات و أضرارها ) طرقها و كيف تبدأ حيث فصل فيها تفصيلاً جميلاً , إلى فصول العشق المحمود و المذموم و غيرها من الفصول التي سطرت بحروف و كلمات نحن في أمسّ الحاجة لقرأتها خصوصاً في هذا الوقت .