كتاب جميل على وجازته..
يحاول تنظيم سلوك تلقي الشبهة وتحليلها قبل الرد عليها.. وهي غاية نبيلة وطريق علمي قويم
وفي هذا الإطار كان من نفائس ما قرأتُ ما رواه ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه قال له: لا تجعل قلبك كالإسفنجة تشرب الشبهة بل اجعله كالبلور يرى الشبهة ولا تدخله.
ولقد وجدتني قديما، ووجدت أكثر من أعرفهم يستقبل الشبهة وهو يعطيها قدرا من الأهمية ويتشربها ويسأل نفسه "لم لا يكون هذا الكلام صحيحا"، ولولا هذه النفسية (الإسفنجية) لما راج بين الناس أمثال عدنان إبراهيم وشحرور وبحيري وغيرهم من الكذابين المجرمين.. بينما لو احترام الإنسان نفسه واحترم عقله وتوقف يتأمل فيما يُقال له لاكتشف كثيرا من الثغرات للوهلة الأولى، ثم بقيت أمامه بعض الثغرات التي تحتاج إلى بحث.. ولهذا فإن نصيحة ابن تيمية هذه نفيسة حقا: أن تستقبل الشبهة بقلب كالبلور ينظر إليها ويتأملها قبل أن يتشربها.. لا أن يتشربها ثم يبحث لها عن الردود.
يحاول هذا الكتاب تسليح القارئ بخطوات تأمل الشبهة والنظر فيها قبل التسليم لها.
لكن الكتاب جاء موجزا جدا، والإيجاز في هذا الباب مُشْكِل.. فالكتاب إن كان متوجها لأصحاب الخبرة في مجادلة المشككين أو معالجة الشبهات فهو على الحقيقة لا يضيف لهم شيئا.. وإن كان متوجها إلى عموم الناس فإن وجازته تمنعهم من فهم أمثلته وتمنعهم من فهم مرامي الكتاب!
الكتاب كتبه مجرب في محاورة المشككين -وهو أخونا وصديقنا العزيز أحمد يوسف السيد- ولكني أحسب أنه لم ينتبه في أثناء كتابته إلى الشريحة التي يتوجه لها بالخطاب.. فشريحة المجربين قد توصلت بالنظر أو بالتجربة إلى هذه الأصول وهي تجيد تفعيلها، وشريحة الضحايا لن تفهم كثيرا منه إما لمستوى العبارة المنطقية الغنية بالمصطلحات الفنية وإما لجهلهم بالأمثلة المضروبة على وجهها الصحيح.. وهذه النقطة تحديدا هي نقدي على هذا الكتاب.