المأساة الثالثة في نحت الذاكرة العمانية:
رواية السركار ليست استعادة لحروب مضت، ولا تسجيلًا لسجلات رجال الدولة، بل هي انبعاث لجمرات لم تخمد في الذاكرة العمانية في رواية السركار لا نقرأ تاريخًا جامدًا، بل نعاين تشكل الروح العمانية وسط صراع مرير بين الإرادة السياسية والهوية الدينية والخذلان الداخلي. لا تقدم الرواية شخصياتها كرموز، بل كذوات في طور التشكل، في مأزق وجودي، في امتحان أخلاقي يختبر ما تعنيه السيادة، وما يترتب على الدفاع عنها.
الشيخ الإمام نور الدين السالمي والأمير صالح بن علي الحارثي بين المبدأ (الدين) والتطبيق:
ثنائية السالمي والأمير لا تقوم على التعارض بل على التكامل. السالمي هو الحكمة، الحلم، والعزم، الذي يرى قيام الدولة مرتبطًا بنقاء القلب وصفاء العقيدة ووضوح الفكر، بينما يمثل الحارثي الجذر المشتعل، الرؤية الواقعية، الهمة والهيبة معًا وضرورة الفعل حين لاتفلح الكلمة. العلاقة بين الرجلين ليست فقط تحالفًا، بل ميثاق وعهد قطعاه لله فلا توان ولاعذر ولن ترجح عندهم إلا كفة دين ﷴ ﷺ.
السيد فيصل بن تركي هزيمة الداخل أم الخارج:
أما السيد فيصل، فالرواية لا تعاديه، بل تفكك مبدأه. فهو نموذج للحاكم الذي يحاول التكيّف مع ما لا يحتمل. محاصر من البريطانيين، من مشائخ القبائل، من ذاكرة الحكم العريق وتوريثه، ومن التغيرات التي لا يملك أدوات مواجهتها. الرواية تطرح عبره سؤالًا وجوديًا: هل كل تراجع هو خيانة؟ أم أن بعض الخيبات حتمية في سياق الوصول لغاية ضبابية؟
القبيلة كعائق للهوية السياسية:
الانقسام الهناوي الغافري لا يظهر كأحداث عارضة، بل كمرض مزمن في جسد الوطن. كأن كل مشروع وطني في عمان يولد وهو يحمل ضده في أحشائه، يحمل من يشكك فيه، ويجره إلى الخلف. الرواية لا تتعامل مع القبيلة كتشكيل اجتماعي فقط، بل كحالة نفسية تسكن الناس حتى وهم يبنون دولتهم، فتجعل من كل محاولة إصلاح ساحة اختبار للولاءات الشخصية قبل المبادئ.
الزمن هنا جدل مستمر:
زمن الرواية ليس متسلسلًا، بل دائري. كأن كل لحظة سقوط تعيدنا إلى نقطة البداية حيث السؤال الأول: من نحن؟ وما الدولة التي نريدها؟ فلا شيء يحسم نهائيًا، ولا أحد ينتصر تمامًا. الحكاية تنسج جدلًا بين الماضي والحاضر، بين ما جرى وما لم يكن له أن يجري. تتقاطع الأزمنة، تتداخل الأصوات، ويتحول السرد إلى مشهد فسيفسائي من الذكريات والاعترافات والتأملات. شخصياته لا تقدم كرموز جاهزة، بل ككائنات قلقة، تتفاوض مع واقعها، ومع نفسها، باستمرار.
اللغة كمساحة لتثبيت الذات:
لغة الرواية تمزج بين التوثيق والتأمل، بين صرامة السرد التاريخي ولمعان التجربة الإنسانية. في كل فقرة تتردد أصداء أئمة العلم والخطباء، لكن أيضًا أصوات الناس العاديين، أولئك الذين لا تكتب أسماؤهم في الوثائق لكن أرواحهم تعيش في تفاصيل الأرض التي دافعوا عنها.
السركار رواية تعيد بناء الذاكرة العمانية عبر مساءلة صامتة لا تبني بطلًا خارقًا ولا تكتفي بإدانة المستعمر. هي أشبه بجنازة فكرية لمرحلة مهزومة، يعاد فيها الاعتبار لكل من قاوم، وفكر، وخذل. هي تذكرنا أن التاريخ ليس ما حدث فقط، بل كيف نرويه، ولمن نمنح صوتًا ولعل أجمل ما في السركار أنها لا ترفع أحدًا، ولا تُدين أحدًا.
وبين اللغة العذبة والطرح العميق، تتحول الرواية إلى صلاةٍ طويلة على أطلال وطنٍ لم يجرب فيه شيء كما جربت الأنظمة، ولا ضحي فيه بشيء كما ضحيت فيه الفكرة. تسأل الرواية القارئ هل عرفت أي نظام تريد؟ وهل يمكنك أن تدفع ثمن تحقيقه؟ لأنها في النهاية، ليست عن الذين حكموا، بل عن الذين حلموا، وفشلوا، وظلوا أنقياء رغم الهزيمة. نحن لا نقرأ السركار لنسترجع أحداثًا فقط، بل لنفكك أثرها الوجودي في الذات العمانية والواقع العماني.