أن يكتب باحث يهودي من زمننا المعاصر تاريخا لليهود زمن الرسول في المدينة. كيف يكتبه؟
ما هي مصادره؟ كيف يقرأها وكيف يحللها؟ وهل هي مصادر موثوقة علميا؟
اعتمد المؤرخ على المصادر الإسلامية، قرأها وأتى منها باستشهاداته، حللها في ضوء قصائد الشعر وكتب السير والأخبار والمغازي اعتمد كذلك على علوم رمام يتوقف عندها كثيرون وأهمها الجغرافيا والطبوغرافيا طبوغرافية المدينة وجغرافيتها، وفي ضوء ذلك عرج على الجانب الاقتصادي للوجود التاريخي لليهود بها، وحاول من خلال هذا الموزاييك المعرفي أن يستنطق الوثائق بمعلومات ربما لا تظهر من خلال التعامل مع علم واحد بعينه، ولم يبالغ مترجم الكتاب عندما ذكر في مقدمته أن المؤلف تبخر كثيرا في كتب الأنساب. فالكتاب إذن هو كتاب في تاريخ المدينة زمن البعثة وقبلها، إضافة إلى تاريخ الأحلاف بتفاصيلها وأبعادها، كذلك جغرافيا المدينة وحصونها وبساتينها بيد أن المؤلف و يقف عند هذا الحد بل هدف إلى تقييم حالة التاريخ الإسلامي في أطواره
التأسيسية مناديا بضرورة الخروج من ضيق كتب السيرة النبوية إلى سعة المصادر الأخرى الأدبية للوقوف على حقيقة ما جرى في الحلية المحمدية
كتاب بهم مؤرخي التاريخ الإسلامي في أطواره التأسيسية، كتاب ينبع منهجية تداخل العلوم، ويهمنا قراءته والتعامل معه بنفس المنهجية العلمية في التناول نقدا وتحليلا
يحاول ميخائيل ليكر إعادة قراءة المجتمع الذي نشأت فيه الدولة الإسلامية في المدينة خلال القرن السابع الميلادي. يسعى الكتاب إلى تحليل أحداث السيرة ضمن سياقها الاجتماعي والسياسي والقبلي، مستندًا إلى قراءة نقدية لمصادر التاريخ الإسلامي المبكر مثل أعمال ابن اسحاق وغيرها من كتب السيرة والمغازي.
تكمن قيمة الكتاب في محاولته إعادة بناء صورة المجتمع المدني في المدينة قبل الإسلام وبعده. فقد كانت المدينة في ذلك الوقت مجتمعًا قبليًا معقّدًا يتكوّن أساسًا من قبيلتين عربيتين كبيرتين هما الأوس والخزرج، إضافة إلى عدد من القبائل اليهودية مثل بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. هذه الجماعات لم تكن تعيش في عزلة دينية منفصلة، بل كانت مرتبطة بشبكة معقّدة من التحالفات القبلية والعسكرية. فعلى سبيل المثال، تحالفت بعض القبائل اليهودية مع الأوس، بينما تحالفت أخرى مع الخزرج، ما جعلها جزءًا من الصراعات القبلية التي بلغت ذروتها في معركة بعاث التي أضعفت الطرفين قبل ظهور الإسلام.
يبرز الكتاب أيضًا في تحليله للأسباب التي جعلت المدينة المكان المناسب لهجرة النبي محمد. فالمجتمع هناك كان منهكًا من النزاعات الداخلية ويبحث عن سلطة توحّد القبائل المتنازعة، كما أن وجود جماعات يهودية ذات ثقافة دينية كتابية جعل فكرة النبوة مألوفة نسبيًا في البيئة المحلية. ومع ذلك، يشير ليكر إلى أن العلاقة بين المسلمين واليهود لا يمكن اختزالها في صراع ديني بسيط؛ بل ينبغي فهمها ضمن سياق المنافسة السياسية والتحالفات القبلية التي حكمت المجتمع آنذاك.
من الجوانب المثيرة للنقاش في الكتاب أيضًا محاولة المؤلف تقدير حجم المجتمع اليهودي في المدينة. فبدل الاقتصار على القبائل الثلاث المعروفة، يقترح أن هناك عشائر يهودية أصغر كانت منتشرة في الواحات والحصون الزراعية حول المدينة، ما قد يعني أن نفوذهم الاقتصادي والديموغرافي كان أكبر مما توحي به الروايات التقليدية. كما يناقش احتمال أن تكون بعض هذه الجماعات قبائل عربية تهوّدت مع مرور الزمن، لا جماعات منفصلة تمامًا من حيث الأصل العرقي.
طبعًا لستُ ممن يستطيع تقييم هذا الكتاب تقييمًا علميًا دقيقًا، إذ إن كثيرًا من الأسماء والأحداث التي مرّت فيه تتطلّب معرفة أوسع بتاريخ تلك المرحلة، لكنني خرجت منه بانطباع أنه أقرب إلى وثيقة تاريخية تقدّم صورة مختلفة ومثيرة للتأمل عن حال المدينة في زمن النبي، خصوصًا لمن يرغب في قراءة تلك المرحلة من منظور غير مألوف.