يسلط كتاب "سراديب الآلهة" الضوء على مرحلة ما قبل حقبة الروحانيات والتي صاغ بها الإنسان الأول الركائز الأولى للأخلاق، حيث أبحر مع وعيه الأخلاقي في خضمّ معطياته النفسية التي جعلته يُنصّب في أعماق نفسه قاضياً يستمد قوته من ذاته الداخلية، قبل أن يعود ليُهرّب هذه الذات من قضبان النفس الداخلية إلى الأفق الخارجي فيما بعد. نشأ الوعي الأخلاقي من رغبات نفسية فردية، كان قد تم جمعها وغربلتها لتشكل سلوكيات أخلاقية تصب في مصلحة الوعاء الجماعي. حيث تغيرت هيكلة هذه السلوكيات، عبر العصور والأزمنة، تحت مؤثرات عدة، بما فيها عامل المناخ، لتتحول إلى ركائز أخلاقية للشعوب، وإلى ممرات مختلفة لتطور الثقافات.
هذه هي قراءتي الثانية لسراديب الآلهة، التي كانت ضرورة بعد قراءتي الأولى في سن التاسعة عشر. تحليل علمي عظيم و تفكيك منطقي للبنات الفكر الأسطوري و منابعه و آلياته النفسية، و ما تلاه من تطورٍ شوّه الذات الحرة للفرد، و أسرها عبدةً لصراعاتها النفسية فتاهت في سراديب الآلهة المظلمة جداً. الكتاب ليس مجرد نقد للتفكير الديني إنما يغوص في نشأة الأخلاق و علم الأعصاب و علم النفس و البيولوجيا و ما تلاه من اكتشافات فكرية للإنسان، ف بنظري هو كتابٌ شامل لجوانب التفكير الواعية و اللاواعية عموماً تجب قراءته مرة و مرتين و ثلاثة حتى. برأيي من الجميل أن نرى طبعة جديدة منه مستفيضة أكثر في ذكر الأمثلة و تحليل الدراسات العلمية المذكورة و أعمال العلماء أنفسهم و إضافة الترجمات الإنكليزية للمصطلحات العلمية.
"و بما أننا نتكلم عن الثقافات الثابتة، فلا بد لنا من إلقاء نظرة على أخلاقیات الأدیان الثابتة وعلى ینبوعھا المرتكز على النشاط النفسي المؤجج للمشاعر المتعاكسة فیما بینھا ، كالخوف والطمأنینة، الرعب والأمان.. لنجدھا عاملاً رئیسیاً في قوقعة وانعزال الفرد وجماعته. عدا عن ذلك، تعتبر الأدیان المؤثر الأكبر في تجمید الفكر الإنساني وخلوه من الإبداع والإكتشاف، فكما نعلم أن الإكتشاف ھو أساس المعرفة القائم بحد ذاته على مبدأ النقض والتشكیك، مما یعني أن التخلي عن مبدأ النقض ھو تخ ل عن الإكتشاف وبالتالي عن المعرفة أیضاً، لأن المعرفة ناتج استكشافي، والاكتشاف حصیلة إستفسارات عدة لملاحظات وأفكار شتى للواقع الخارجي، ومن ھذه الحصیلة تتأسس الفرضیات لإنشاء النظریات فیما بعد ووضع البراھین لإثباتھا في مرحلة لاحقة."