رحت أفتش بدأب عن «حتة النور»، وكنت على يقين من أنني سأصل إليها، ولم تخذلني المثقفات الحيات، وكسبت الرهان، مثلما كسبته في رحلة التفتيش في حياة وسيرة مبدعات راحلات كان التفسير الصوفي لحياتهن بمثابة هذيان وضرب من الجنون، فإذا بي أمام نتائج مذهلة، أتصور أنك ستشاركني فيها الإحساس بمتعة الاكتشاف والكشف. في فصول هذا الكتاب ستعيد اكتشاف كاتبات وأديبات، مثل عبلة الرويني وسلوى بكر وهالة البدري وضحى عاصي وصفاء النجار ومخرجات مثل هالة خليل وجيهان الأعصر، ومطربات مثل أم كلثوم وفيروز، وشاعرات مثل علية الجعار، ورائدات مثل أديبة الشرق مي زيادة.
"كل مبدع لا بد أن يكون بداخله قبس من نور ويزداد هذا النور ويتجلّى في روح المرأة المبدعة" جملة واحدة كانت كفيلة بأن تُضيء شيئًا بداخلي ظننته انطفأ. "مثقفات ومتصوفات" صوت هادئ يشبه صلاة هامسة ينصت فيه القارئ إلى حكايات نساء لم يكتفين بالتفكير، أصبحن فكرًا، ولم يكتفين بالشعور بل صرن روحًا تتجلى.
عبلة الرويني، تحدثت عن الدين كرحمة لا كقيد. وهالة خليل كشفت هشاشة الفقد التي نخفيها طوال الوقت و وضعتني امام جرحي الغائر حين اعترفت "ان الموت والفقد اشكالية في حياتها" اختزلت هذا الألم الكبير في كلمات قليلة. المفاجأة كانت فيروز .. فيروز التي لم أكن أحبها يومًا، أو أراها قريبة مني جعلتني أراها بعينٍ جديدة، حين قالت "لا أستطيع أن أفصل بين الفن، والدين، والحب." بدت وكأنها تخلع اجنحة الغموض وتجلس أمامي إنسانة كاملة، عاشقة، ضعيفة، ومضيئة في آن واحد.
تأثرت بكل امرأة مرّت في هذا الكتاب، من ضحى عاصي إلى جيهان الاعصر وصولًا بـ مي زيادة. كل واحدة تمثل وجهًا مختلفًا للحكمة، للتجربة، للتصوف والنور الداخلي، للقوة الناعمة. هؤلاء النساء لم يكتبن فقط، بل قدمن لي مرآة، وحضنًا، وقبسة نور. "مثقفات ومتصوفات" عمل مفعم بالحياة والحب، يجعل القارئ يعيد النظر في علاقته بالكتابة، بالدين، بالفن، وبنفسه. كتاب عن النساء، لكنه موجّه لكل من أراد أن يرى العالم من زوايا مختلفة أكثر صدقًا وأقل قسوة. تجربة روحانية، وجدانية، أنثوية، بكل ما في الأنثى من فوضى وعمق ونور 💜✨
يتميز هذا الكتاب بأصالة فكرته، فهو تجربة مميزة، عمل الكاتب فيها على شكل محرر، وضمن الكتاب أحد عشر مقالاً، عن سيِّدات يشاركن تجاربهن الرُّوحيَّة، والإيمانيَّة. إذ يؤمن المؤلف إن ❞ كل مبدع لا بد من أن يكون بداخله قبس من نور. ويزداد هذا النور ويتجلى في روح المرأة المبدعة. ❝ ووتولى الكاتب مهمة الحديث عن تجربة ثلاثة سيدات وهنَّ: السَّيدة أم كلثوم، وفيروز، واﻷديبة ومي زيادة. وآخر اثنتين مذكرورتان هما الوحيدتان من بين بقيَّة السَّيدات من خارج مصر. إذ التِّسع الباقيات كلُّهنَّ من مصر، أغلبهنَّ من الرِّوائيَّات ومنهنَّ الشِّعارات والمخرجات. أذهلتني فكرة الكتاب وأعجبتني . وأحببت أوَّل مقالان، إذ سعدت بالتعرف على زوج الشَّاعر أمل دنقل، ومشاركتها لتفاصيل الَّلحظات الأخيرة في حياة الشَّاعر. وأحببت أنّ اطلع أكثر على إنتاج الروائية سلوى بكر، وأحببت حديث الكاتب عن أم كلثوم وفيروز، إذ كان في غاية الموضوعيَّة، تناول الجوانب الصُّوفيّة في حياة كل منهم دون التَّعرض لمساءل جانبيَّة. وأحببت مقال المخرجة جيهان، وأحبَّت أنَّني قد تعرَّفت على الشَّاعرة عليه الجعار رحمها الله إذ تولت قريبتها الحديث عنها. وقد تعرفت من خلال هذا الكتاب على عددٍ من الشَّخصيَّات المصريَّة المهمة المركزية في الوجدان الروحي في مصر. أمَّا عن بقيَّة المقالات شاركن بقيَّة السَّيدات تجاربهن الرُّوحيَّة، وربَّما بعض منهن لم يستوعبن فكرة الكتاب والغرض المنشود منه، وأكثرهن في نظري هي المخرجة هالة إذ أطالت الحديث في الصِّراعات الأيدلوجيَّة وأسهبت اسهاب في غير محلِّه. ولم تكن وحدها من جرَّت الحديث وأطالت في الصِّراعات الأيدلوجيَّة. فعوضًا عن التَّركيز في الحديث عن قبس النُّور الّذي خصص الكاتب هذا الكتاب للحديث عنه، اطالت بعض السَّيدات في الحديث على من شوه في نظرهن هذا القبس، وحجمه وحصره في مظاهر معينه ولم يهتم في جوهره. وعن تاريخ الإسلام في مصر، وكيف كان في مصر وكيف أصبح، أنا لا أرفض الكلام في تلك القضايا ولكنني لا أجدها في هذا السِّياق. وتكرر في الكتاب في أكثر من مقال نقد لاسماء معينة، من غير تبيان العلَّة للنقد ولم أجد أنَّ السِّيَاق كان يستدعي ذكر اسماء تلك الشَّخصيات وذمها. إذ أنَّ غرض الكتاب هو البحث عن " حتتة النُّور". بعض الاقتباسات: ❞ أن الثقافة والمناخ السياسي والبيئة الاجتماعية تعكس تأثيراتها في فهم الدين وفي التصورات الدينية، ❝
❞ إن لم تكوني شاعرة. إن تذوق الشعر وحده موهبة، ❝
❞ وتعلمت في تجاربي مع الحج ومناسكه وزيارة المقام النبوي وطقوسه أن لا أزاحم أحدًا، فكل شيء بإذن مهما زاحمت وفعلت. ❝