تعد رواية الصعيدي للكاتبة فاطمة العوا، والصادرة عن دار العين واحدة من أبرز المحاولات السردية الجادة التي تناولت ظاهرة التطرف الديني لا بوصفها حدثا عابرا أو خلفية درامية، بل كأزمة بنيوية ذات أبعاد سياسية ونفسية وإنسانية. تقدم الرواية معالجة سردية ناضجة لحياة رجل كان في يوم ما أحد القياديين البارزين في تنظيم داعش، وتعود بنا إلى ما بعد سقوط التنظيم، حيث تتقاطع بقايا الحرب مع محاولات الأفراد لصياغة معنى جديد للحياة،أو الهروب من ماضيهم أو تبرير خياراتهم.
إن ما يميز الصعيدي ليس فقط موضوعها الشائك، بل معالجتها الفنية الذكية التي تتجاوز التوثيق لتنتج نصًا يسائل، ويشكك، ويربك. فالرواية تضع شخصية البطل "الصعيدي"، وهو الاسم الحركي لا الحقيقي، في قلب شبكة سردية تتداخل فيها السياسة بالمخابرات، والعاطفة بالإدانة، والذاكرة بالخيانة. ومن خلال شخصيات متعددة الجنسيات، أهمها الزوجة البريطانية، والخبيرة الإيرانية، وضابط الاستخبارات، تطرح الرواية أسئلتها الأخلاقية والفكرية بلغة رصينة لا تغرق في المباشرة، ولا تتهرب من التعقيد.
تبدأ رواية الصعيدي لفاطمة العوا من نقطة زمنية بالغة الحساسية، وهي لحظة حدوث زلزال في سوريا وانهيار العالم من حوله وذلك بعد سقوط تنظيم داعش في الموصل بفترة زمنية، أي ما بعد اللحظة التي كانت تمثل ذروة الخطاب "الجهادي" وتمجيده، لتختار الكاتبة أن تروي من نقطة الانكسار والتلاشي. وفي قلب هذا السرد، تحتل شخصية "الصعيدي" موقعًا رمزيًا ومعنويًا شديد التعقيد، فهو لم يقدم بوصفه بطلا، ولا بوصفه ضحية، بل بوصفه تمثيلا مأزوما لهوية تتشظى بين الانتماء والمحو. ويأتي الزلزال برمزيته الموحية بالإنشطار والإهتزاز.
يبدو البطل من البداية شخصية مشروخة، مترددة، قلقة، وغير متصالحة مع الماضي، وكلما تكشفت ملامحه عبر التحقيقات والأحداث، نكتشف أننا أمام شخصية فقدت بوصلتها. الصعيدي في الرواية ليس صورة نمطية للجهادي كما في بعض الأعمال وهو ليس وحشا أحادي البعد، بل شخصية مأزومة، إنسانية، مترددة، تبحث عن المعنى، شخصية متداخلة تعيش تجربة تأرجح عميقة: بين اليقين والتشكيك، بين الإيمان بالفكرة وانهيار معناها.
رغم أن الرواية لا تستخدم صيغة السرد الذاتي، إلا أن مشاهد التحقيق في لندن تتحول إلى اعتراف داخلي متقطع. فالأسئلة التي يطرحها المحقق البريطاني لا تستهدف فقط جمع المعلومات، بل تفكيك صورة الذات. وفي تلك اللحظات، تفتح طبقات الشخصية واحدة تلو الأخرى: فتي الجنوب، الهارب، المحارب، المكلوم، المشتاق.
في تركيب شخصية الصعيدي، يمكن رصد ملامح البطل التراجيدي: أصل طيب وسقوط ناتج عن قرار ذاتي في سياق أكبر منه، عزلة مصيرية بعد انهيار المشروع الذي آمن به، معاناة وجودية لا خلاص منها حتى بعد النجاة الجسدية ثم نهاية مأساوية تطهيرية. ويأتي بناؤه بوصفه بطلًا مأزوما لا ليمثل الجهادي بل ليفككه، لا ليبرر أفعاله بل ليسأل عنها.
تقدم الكاتبة شخصية الزوجة البريطانية اليزابيث ليس بوصفها شخصية ثانوية أو تابعة، بل بوصفها محورا سرديا موازيا يضفي على الرواية بعدا عابرا للثقافات، ويضع مفاهيم مثل "الهوية"، و"الإرهاب"، و"الانتماء"، تحت مجهر النقد. فهذه المرأة، التي تنتمي نظريا إلى عالم الحداثة الغربية، تختار بكامل وعيها الانسلاخ من هذا السياق والانتماء إلى تنظيم متطرف، فتقلب المعادلة: "التطرف" هذه المرة ليس ابن الشرق، بل آت من بريطانيا، حيث يفترض أن تكون الدولة الليبرالية/الديمقراطية بها الحلول والملاذات الآمنة لمواطنيها.
الرواية تشير إلى أن انخراط الزوجة في تنظيم داعش لم يكن نتيجة استقطاب ديني، بل نتيجة أزمة نفسية وفقدان توازن عاطفي واجتماعي في وطنها الأم. هذا التحول يبرز جانبا مهما من أطروحة الرواية: أن الانتماء إلى التنظيمات المتطرفة لا يتأسس بالضرورة على قناعات دينية، بل أحيانا على فراغات روحية وعاطفية.
إستطاعت الكاتبة أن تعيد كتابة سردية التطرف بعيدا عن الثنائية الاختزالية (شرقي/غربي – مخلص/مغرر به)، وتضع المسؤولية الأخلاقية على الأفراد، كما على الأنظمة السياسية التي سهلت أو تغاضت.
تمثل عناصر الاستخبارات والأمن في رواية الصعيدي أكثر من مجرد محرك للأحداث؛ فهي بنية سردية فاعلة تسهم في تفكيك العلاقة بين السلطة والمعرفة، والحقيقة والتضليل. فالرواية لا تقدم هذه الأجهزة بوصفها كتلا صلبة موحدة، بل كمؤسسات شبكية معقدة، تتقاطع وتتناقض أحيانا، وتخفي أكثر مما تظهر. وفي قلب هذا التعقيد، يتحول "الصعيدي" من رجل متوار عن الأنظار إلى "حامل للحقيقة الخطرة"، التي يراد دفنها أكثر مما يراد اكتشافها.
تقدم الرواية ضابط الاستخبارات البريطاني كشخصية متداخلة نفسيا، فهو أيضا ليس شخصية نمطية إذ لا يمثل "السلطة" بمعناها النمطي، بل يعاني من صراع داخلي بين ما يراه من تعقيد في قضية الصعيدي، وبين التعليمات التي يتلقاها من قياداته وبين رغبته في الوصول إلى الحقيقة.
رواية الصعيدي لا تكتفي بتفكيك تجربة الجهاد كحدث سياسي أو أمني، بل تتقدم خطوة أبعد إلى تفكيكه بوصفه سردية وجودية انتهت بلا "خلاص". فلحظة ما بعد الجهاد في الرواية ليست لحظة انعتاق أو توبة، إذ لم يمنح الجناة الفرصة للتوبة، ولم يمنح الضحايا العدالة، بل ترك الجميع في حالة تيه رمزي، تتآكل فيه الهويات وتذوب اليقينيات. ولعل هذه إحدى أكثر النقاط الفنية جرأة في الرواية: إن الهزيمة لا تعيد الإنسان إلى نقطة الصفر، بل تعيد تشكيله ببطء في ظل عالم لم يعد يؤمن به، ولم يعد يريده. فعندما نلتقي بالبطل في سوريا، نجده قد تخلى عن كل شيء: الاسم، السلاح، الأيديولوجيا. لم يعد يحمل راية، ولم يعد ينتمي إلى مشروع و يعيش متخفيا، متآكل الهوية. لا يعود "الصعيدي" طوال أحداث الرواية لأي من هوياته السابقة، بل يبقى طيفا إنسانيا هشا. هو مجرد شبح لرجل كان ذات يوم أخا وإبنا وزوجا ومحاربا، والآن يعيش في العراء، كأنه ينتظر قدرا لا يعرف ملامحه. هذا التحول ليس سطحيا، بل يجسد لحظة تفريغ الذات من كل القيم التي كانت تمنحها المعنى. إنه ليس تائبا، لكنه أيضا لم يعد مقتنعا، وهنا تكمن المفارقة: من تخلى عن الإيمان لا يعود تلقائيا إلى الحياد بل يدخل في مساحة اللاهوية واللاجدوى. ثم تأتي النهاية لتشعرنا أن بعض القصص لا تروى لأنها انتهت، بل لأنها منعت من الاكتمال.
"نوا"، ابن الصعيدي واليزابيث، يعد أبرز رموز الرواية وأكثرها إيلاما. فهو: ثمرة علاقة ولدت في قلب الخراب. لم يختر هويته، لكنه يحمل عبء والديه. يعيش في عالم ما بعد السرديات الكبرى، حيث لا يوجد "جهاد"، ولا "حق"، ولا "خلاص"، بل فقط تشظ دائم. وجود نوا في الرواية يمثل سؤالا مفتوحا: ماذا نفعل بالأجيال التي تنشأ من رماد الكبار؟ هل يورثهم التاريخ الذي لم يكتبوه؟ أم يطلب منهم أن ينكروا إرثهم.
تتميز الصعيدي بأنها لا تمنح قارئها ما يسمى بـ"الرضا الأخلاقي" أو التطهير فلا اعتراف علني، ولا توبة تكفّر، ولا نهاية توحد الأطراف. بل العكس: تبقى الحقيقة ممزقة وتبقى العدالة معطلة. تبقى الشخصيات في حالة وهذا الاختيار السردي الجريء يعيد طرح سؤال: هل يمكن للأدب أن يعيد طرح سردية الإرهاب وأن يعيد تفكيكها ومساءلتها. من الزاوية السياسية، تشكل الرواية طرحا لما يعرف بـ"ما بعد الحرب على الإرهاب" (Post-War on Terror Fiction)، وهي موجة أدبية ظهرت بعد 2010، تركز على: نقد السرديات الأمنية الرسمية ومساءلة دور الدول الغربية في تغذية التطرف وإعادة الاعتبار للأصوات الهامشية المتهمة أو المنفية.
الصعيدي تنتمي بجدارة لهذا السياق، ولكن بلغتها الخاصة تقول: الضحية قد يكون "جهاديًا"، والجاني قد يكون مؤسسة، والسرد قد يكون أداة وفي هذا الإطار، تثبت فاطمة العوا أن بإمكان الرواية العربية أن تنخرط في أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا، دون أن تفرط في التبسيط أو تقع في فخ التنميط.
كتبت فاطمة العوا الصعيدي ليس بوصفها عملا عن "داعش" أو الإرهاب بل عن ما تبقى من إنسان حين تنهار الأساطير ويترك البشر عراة في مواجهة اختياراتهم.
أسم الكاتبة / دكتور فاطمة العوا أسم العمل/ الصعيدي نوع العمل / رواية دار النشر/ دار العين للنشر - ElAin Publishing عدد الصفحات/306 صفحة
تأتي رواية الصعيدي للكاتبة فاطمة كعمل روائي استثنائي يتعامل مع التطرف الديني لا باعتباره حادثة عابرة أو خلفية لدراما إنسانية بل كجذر عميق لأزمة معقدة تتشابك فيها السياسة بالأمن والنفس البشرية بظلال التاريخ أختارت الكاتبة نقطة انطلاق جريئة مرحلة ما بعد انهيار تنظيم داعش تحديدًا بعد سقوطه في الموصل حيث لم يعد الصوت الجهادي في ذروته بل في حالة انكسار وتلاشي وسط هذا الخراب نلتقي بالبطل المعروف باسم الصعيدي الذي لا يُقدم كضحية أو بطل بل ككيان ممزق بين هويات متناحرة عاجز عن التوفيق بين الماضي والحاضر حتى الزلزال الذي يفتتح به السرد ليس مجرد كارثة طبيعية بل استعارة لانشقاق الذات وسقوطها
يأتي الصعيدي خلفية إنسانية طيبة سقوط ناتج عن قرارات فردية في سياق أكبر منه عزلة مصيرية بعد انهيار مشروع آمن به ثم معاناة وجودية بلا خلاص لا يقدم هنا كنموذج جاهز المتطرف بل كشخصية متشظية مترددة تبحث عن المعنى وسط الركام تظهر شخصية الزوجة البريطانية إليزابيث كشريك سردي كامل لا كظل للبطل وجودها يعيد تعريف ثنائية الشرق/الغرب ويكشف أن التطرف ليس حكرًا على بيئة أو جغرافيا بل قد يولد من أزمات نفسية وفراغات روحية داخل قلب المجتمع الغربي بهذا تكسر الرواية الصورة النمطية للجهادي القادم من الشرق وتطرح أسئلة عن مسؤولية الأنظمة الليبرالية في إنتاج أشكال من الاغتراب الذي يقود إلى التطرف
أما أجهزة الاستخبارات في الرواية فهي ليست كيانات صلبة ومطلقة السيطرة بل هياكل متشابكة متناقضة تعمل أحيانًا على طمس الحقائق أكثر من كشفها المحقق البريطاني جاك مثل الصعيدي نفسه ليس صورة نمطية إنه ممزق بين واجبه المهني ورغبته الإنسانية في فهم القصة كاملة
الصعيدي لا يعيد تدوير سردية الإرهاب كما عرفناها بل يذهب إلى ما هو أعمق إلى سؤال ما بعد الجهاد حين لا توبة ولا عدالة ولا يقين النهايات هنا مفتوحة على الفراغ والهويات متآكلة والحقائق بلا ختام مرض وحتى ابن البطل وإليزابيث نواه يأتي كرمز لجيل يولد من رماد الحروب والسرديات الكبرى حاملاً عبء ما�� لم يختره ولكن حضوره في الخاتمة يمنح القصة بعدا إنسانيا رقيقا كخيط أمل وسط العواصف عن أدوار الدول الغربية في صناعة التطرف وتستعاد أصوات المهمشين والمشتبه بهم لكن الرواية تقول بلغتها الخاصة الجاني قد يكون مؤسسة والضحية قد يكون جهاديًا والقصة الحقيقية قد تكون هي التي لم تُرو أبدًا إنها رواية عن ما يتبقى من الإنسان بعد أن تسقط الأساطير عن الفراغ الذي يتركه انهيار اليقين وعن العراء الذي يقف فيه البشر حين يكتشفون أن كل ما عاشوا من أجله قد تبخر
جاءالسرد مزيج بين السرد البطيء التأملي والمقاطع الدرامية السريعة مقسم إلى مشاهد أو فصول قصيرة كل منها يحمل إحساسا بالمكان والزمان بوضوح
أما عن لغة الرواية في الصعيدي ليست مجرد أداة للسرد بل جسد نابض بالحياة تمتلك فاطمة العوا قدرة لافتة على تطويع اللغة بحيث تتحول إلى شخصية قائمة بذاتها جملها ثرية ذات نفس شعري ومع ذلك لا تفقد وضوحها أبداً تكتب بكثافة محسوبة تختزل المعنى الكبير في عدد قليل من الكلمات فتترك أثراً عميقاً في ذهن القارئ والأكثر تميزًا هو تمكنها الباهر من اللهجات فاللهجة الصعيدية بين يديها تخرج أصيلة غير مفتعلة تنبض بصدق البيئة لتمنح شخصياتها جذرًا لا يمكن انتزاعه أما حين تنتقل إلى اللهجة العراقية فإنها تمسك بروحها بإتقان يدهش القارئ وكأنها ابنة تلك الأرض وفي مقاطع أخرى حين تحضر اللهجة السورية نلمس تناغم سلس يجعل القارئ يتنقل بين البيئات وكأنه يعيشها بالفعل دون شعور بالغربة أو التكلف هذا الثراء اللغوي واللهجي لا يقتصر على كونه أداة للتلوين بل هو استراتيجية فنية واعية الكاتبة تستخدم تنوع اللهجات لتكشف عن أبعاد الهوية ولفضح الانقسامات والتقاطعات السياسية والاجتماعية بين الشخصيات والشعوب وكأنها تقول إن اللغة مرآة للأرض والتاريخ والذاكرة معاً
الصعيدي عن الهوية كيف يمكن للإنسان أن يظل نفسه رغم تبدل الأماكن والأحداث؟ عن الذنب والتوبة صراع داخلي يدفع البطل نحو الرحلة كبحث عن خلاص. عن الغربة ليست فقط غربة الجغرافيا، بل غربة الروح. عن العلاقات الإنسانية من خلال الصلات العابرة أو العميقة التي يشكلها البطل في رحلته.
وأخيرا شكراً لدكتور فاطمة العواعلى هذه التجربة التي لم تمنحني متعة القراءة فقط بل منحتني وعي أعمق وصوت داخلي ظل يتردد في ذهني حتى بعد أن أغلقت الكتاب رحلتي مع الصعيدي كانت صعبة أحياناً مؤلمة أحياناً أخرى لكنها قبل كل شي جديرة بأن تُعاش أتمني لكي كل التوفيق والنجاح الدائم❤️
ليست هذه الرواية حكاية بطل واحد بل حكاية زمن كامل يتكلم من خلال أشخاصٍ ضائعين بين الطرق منذ الصفحات الأولى نشهد ولادة “الصعيدي” داخل واقع مرتبك اختيار لم يأتِ فجأة بل تكون ببطء تحت ضغط الأسئلة الثقيلة والإحساس بأن العالم يدار بقوانين لا ترى هنا لا يبدو الطريق بطولة بل محاولة يائسة للعثور على معنى
وفي الجهة الأخرى تقف إليزابيث ناجية من كارثة تحمل جسدا عبر الحدود وروحا تبحث عن بيت لم يعد موجودًا رحلتها بين سوريا والعراق ثم عودتها إلى عالمها القديم تكشف أن النجاة الجسدية لا تعني أبدا نجاة الداخل تتحرك الرواية بين بلدانٍ كثيرة مصر و تركيا و إيران و إنجلترا لكن المكان الحقيقي كان دائما داخل الإنسان داخل الخوف والسلطة والرغبة في النجاة مهما كان الثمن الخلفية السياسية حاضرة بقوة سنوات الربيع العربي، صعود التنظيمات والظل الذي نما في الفراغ حتى صار أقوى من الضوء ومع ذلك لا تتحول الرواية إلى خطاب مباشر بل تظل منحازة للإنسان قبل أي شيء أجمل ما في العمل أن شخصياته ليست أحكاما أخلاقية لا قديسين ولا شياطين كاملين كل شخص يحمل داخله نسبةً من الاثنين وهذا ما يجعلهم حقيقيين ومؤلمين في الوقت نفسه الكاتبة تعتمد كثيرًا على الصوت الداخلي ذلك الحوار الصامت الذي يكشف ما لا يقال و من خلاله نفهم الشخصيات أكثر مما نسمعها وكأن الرواية تطلب من القارئ أن يشارك في بناء المعنى لا أن يكتفي بالمشاهدة بداية النص كانت قوية وصادمة تلقي بالقارئ في قلب العتمة مباشرة و من هناك يبدأ البحث عن الضوء ضوءٍ لا يأتي كاملا أبدا السرد يتحرك بسرعة محسوبة كأن الكاتبة تعرف جيدا متى تضغط على الإيقاع ومتى تترك الصمت يتكلم و هذا الصمت تحديدًا كان من أكثر اللحظات تأثيرًا لأنه يكشف ما لا تستطيع الكلمات قوله قد يشعر القارئ أحيانًا بتكرار الألم أو طول الوقوف عند بعض المشاعر لكن ربما هذا جزء من طبيعة الحكاية نفسها فالأشياء القاسية في الواقع لا تمر سريعًا بل تظل عالقة وتعيد نفسها بطرق مختلفة. فلم تحاول أن تكون عادلة بل كانت صادقة فقط نهاية تشبه الواقع حين يغلق أبوابه بهدوء ويتركنا وحدنا مع الأسئلة ثم يأتي ما بعد النهاية كهمسة خفيفة لا تغير ما حدث لكنها تقول إن الحكاية لم تنتهِ داخلنا بعد في المجمل هذه ليست رواية عن السياسة وحدها ولا عن العنف بل عن الإنسان حين يُدفع إلى حافة الاختيار وحين يكتشف متأخرا أن أصعب المعارك ليست في الخارج بل في الداخل الذي لا يهدأ هذه الرواية لا تُقرأ لتعرف ماذا حدث بل لتشعر بما يحدث داخل الإنسان عندما يصبح العالم أكبر من قلبه وأضيق من حلمه أغلقت الصفحة الأخيرة لكن الحكاية لم تنتهِ ما زالت تمشي بهدوء في رأسي كأنها تنتظر قارئًا آخر ليبدأها من جديد
🟤 اسم الرواية: الصعيدي 🟤 اسم الكاتبة: فاطمة العوا 🟤 نوع الرواية: اجتماعي - سياسي - دراما 🟤 إصدار عن: دار العين للنشر 🟤 عدد الصفحات: ٣١١ 🟤 التقييم: ⭐⭐⭐⭐
🟤 عن الرواية:
تتناول الرواية قضية داعش من خلال سرد تحقيقات مع أحد أفراد التنظيم ورجل من رجال الخليفة، الذي تم القبض عليه في المطار، لتبدأ سلسلة من التحقيقات معه في محاولة لاستخراج أكبر قدر من المعلومات.
تحكي الرواية بداياته، وكيف انضم للتنظيم، والعوامل التي أثرت على تكوين شخصيته وقادته لهذا الاختيار الذي لا رجعة فيه.
على الجانب الآخر، نجت "إليزابيث" من زلزال في سوريا، وكان ذلك بمثابة مهرب لها من الأسر تحت يد داعشي هي وابنها، لتجد نفسها حرة وعائدة إلى بلدها إنجلترا. ومن هنا تبدأ رحلتها في استرجاع ماضيها وكيف وصلت إلى داعش رغم كونها أجنبية!
تتوالى التحقيقات والمفاجآت، مع الكثير من المعلومات السياسية والاجتماعية التي كانت لوقت طويل قضية شائكة وهامة على الساحة العربية، تتنقل احداث الراوية بين مصر وسوريا وتركيا وايران وانجلترا بأحداث فريدة مشوقة لآخر لحظه ..
🟤 رأيي الشخصي:
أنهيت الرواية في يوم ونصف بعد تأجيل وخوف من قراءتها، لظني أنها ستكون دسمة وتحتاج إلى وقت طويل، لتكون المفاجأة أنها سلسة وسريعة الأحداث رغم امتلائها بمعلومات جديدة بالنسبة لي، مثل فكرة "اليد المحركة الكبرى"، وكيف يتم الوصول إلى الأفراد وتصفيتهم، وملف داعش بصفة عامة، وكذلك ربطه بالربيع العربي.
الرواية كبيرة نسبيًا من حيث عدد الصفحات، لكنها شيقة ومؤثرة وممتعة. أحببت وقتي معها واستفدت منها كثيرًا، ولاحظت تطورًا واضحًا في أسلوب الكاتبة مقارنة بأعمالها السابقة، تطور يشهد لها بالتقدم نحو الأفضل...
🟤 ما لم يعجبني في الرواية:
تكرار بعض الوصف والمشاهد، مثل حياة الداعشي في مصر على يد الضابط أحمد، وتكرار وصف المشاعر وحديث النفس.
استخدام اللغة العامية في الحوار بين "جاك" و"أحمد" أفقد النص بعض متعته بالنسبة لي، ولم أجدها مناسبة، حتى وإن كان "جاك" يجيد المصرية. كنت أفضل أن يكون الحوار كله بالفصحى.
🟤 النهاية:
النهاية مناسبة جدًا لمسار الأحداث، لكنها حزينة بالنسبة لي، حتى وإن كانت واقعية. أضافت قوة لخط سير الرواية، وتركتني أفكر كثيرًا في كيفية إدارة الأمور من خلف الكواليس دون أن نعلم.
🟤 اقتباسات: لم يكن أي شعب أو أي قوة أو أى دولة عميقة لتسمح لربيعها بالاكتمال هاجس التسلح الموازي لجماعات داخل الدولة والقوى الموازية لقوة الدولة قضى على الربيع العربي، كانت الدولة الإسلامية الظل الأسود لحركات التحرر من الدكتاتوريات، الظل الأسود الذي أرعب الجميع، وأصبح تقبل الدكتاتورية نعمة مقابل هذا الشبح العنيف الدموي الدميم
في هذه الرواية، تأخذنا الكاتبة المتميزة في رحلة طويلة و لكن بإيقاع سريع و مشوق بين العديد من بلدان الشرق الأوسط و أوروبا من خلال تتبع حياة البطل بالرواية "الصعيدي". يوجد بالرواية العديد من الشخصيات الأخرى و التي لها دور كبير في سير الأحداث و تصاعدها و لعل أهمها و أكثرها ثراءا هي شخصية جاك ضابط المخابرات الإنجليزي و الذي أعجبت جدا بشخصيته و الطريقة التي تم تناولها بها. الحبكة أكثر من رائعة حيث تتشابك الأحداث و سير الحيوات لشخصيات الرواية المختلفة لتشكل متاهة متشابكة غير تقليدية تجعل القارئ مشدودا من البداية للنهاية، ناهيك عن فنيات الكتابة الجميلة للكاتبة و التي جعلت قراءة الرواية أكثر من ممتعة. حرصت الكاتبة على دخول القارئ في الأحداث مباشرة و من أول سطور الرواية، فلم تستغرق وقتا للتمهيد أو لتعريف الشخصيات و الأماكن، و إنما أعتمدت على فهم القارئ لذلك من خلال سير الأحداث و هو ما زاد من تشويق القارئ حيث كنا نكتشف بعدا إنسانيا جديدا مع كل فصل لكل شخصية من شخصيات الرواية. "التراب يغرق وجهه و أنفه و فمه، لا يعرف ما الذي حدث؟" يا لها من بداية مشوقة تدخلك في قلب الأحداث مباشرة. الرواية و إن طرحت العديد من الافكار و التصورات و التساؤلات عن عدد من القضايا المعاصرة مثل الربيع العربي و فكرة المؤامرة، و كذلك فكرة الهوية و إلى أي مدى تؤثر على قرارات الإنسان، إلا أن أكثر ما جذبني هو حرص الكاتبة على ما أسميه أنسنة الشخصيات، فلا توجد شخصية بها الشر مطلق أو الخير م��لق. كل شخصية بها كلا الأمرين و إن كنا نختلف على نسبة كل منها، و في الحقيقة هذا ما يتفق مع قناعاتي و رؤيتي عن البشر في الحياة. لم تصدر الكاتبة أي أحكام على أي من الشخصيات و تركت ذلك للقارئ بعد عرض ما يدور بخاطرهم و أفعالهم و ردود الأفعال بالمواقف المختلفة، و كانت الحوارات الداخلية مع النفس أحد الوسائل الفعالة التي استخدمتها الكاتبة في ذلك، سواء كان ذلك مع البطل الرئيسي "الصعيدي" او جاك رجل المخابرات الإنجليزي أو فاطمة أو إليزابث و غيرهم، و أعجبني ذلك كثيرا حيث أتاح للقارئ الفرصة للقيام بتحليله الشخصي للشخصية وفقا لفهمه و تقييمه الخاص لدوافعها و ردود أفعالها و كذلك خلفيتها الإجتماعية و تجاربها الإنسانية، و أظن بأنه لن يحدث إجماع بين القراء على العديد من المواقف لو تمت مناقشة موسعة بينهم عليها، و هو ما يعطي ثراء للرواية من وجهة نظري. على الرغم من منطقية الأحداث و المواقف إلا أنني و بصورة عاطفية بحتة حزنت على الموقف الصلب لفاطمة عند لقائها بالصعيدي بمبنى المخابرات الإنجليزية، و كنت أتمنى أن ينتهي بصورة مختلفة، و إن كنت أتفهم رد فعلها لخلفيتها الاجتماعية. لابد و أن أعترف أيضا أنني حزنت أيضا عند النهاية رغم منطقيتها كما أوضحت .. ربما كان ذلك لتعاطفي المتصاعد مع البطل مع ملاحظة تطور شخصيته و طريقة تفكيره و كذلك زيادة إدراكه للأمور و فهمه لما حدث (فصل حوار الذات). و لكن و كأنما أرادت الكاتبة محو ذلك فكان فصل "ما بعد النهاية" و هو ما اعتبرته طبطبة منها على القارئ دون الإخلال بمنطقية الأحداث و تناسب الأفعال مع الشخصيات التي وصل فهمنا لها لدرجة جيدة مع النهاية. و أخيرا أختم المراجعة ببعض الإقتباسات من الرواية "هذا التناقض داخلها بين كراهية الفعل و حب الفاعل لن يحل، ستعيش به للأبد، لن يحله إلا مرور الزمن" "ليس كل من يعاني يجد الفرصة لنهاية مناسبة لمعاناته/ نهاية تضع النقاط على الحروف، و ها هي تأتي إليها. يقينا لن تتركها تمر دون أن تكون جزءا منها". الرواية رائعة .. و بالتأكيد أرشحها للقراءة و لا استبعد أبدا أن يتم تصل لقائمة لجائزة البوكر العربية فاطمة العوا .
انهيتها البارحة، وحاولت الكتابة عنها لكن شعرت برغبة في هضمها أولًا، لأنها رحلة إنسانية عميقة في نفس وذاكرة متطرف، وهذا موضوع جديد بالنسبة لي، وفي الحقيقة دكتورة فاطمة كانت شديدة الذكاء في تناوله. تأتي الرواية بوصفها محاولة سرد استثنائية وجريئة، لا تتناول ظاهرة التطرف الديني كحدث عابر أو خلفية درامية، بل كـأزمة (وجودية) متعددة الأبعاد تتشابك فيها السياسة بالعقد النفسية وظلال التاريخ. اختارت الدكتورة نقطة انطلاق بالغة الحساسية والذكاء في وجهة نظري: مرحلة ما بعد انهيار تنظيم داعش وسقوطه في الموصل، عندما تلاشى وقع الخطاب الجهادي وفقد بريقة، بل وأصبح في حالة انكسار وتلاشٍ؛ لتبدأ القصة من النهاية. الزلزال الذي يُحرر الزوجة البريطانية وابنها من الأسر، كان إيذانًا بهدم العالم كما يعرفه الصعيدي، وبدء عالم جديد. في قلب هذا الخراب تحتل شخصية البطل، المعروف باسمه الحركي (الصعيدي)، موقعًا فاصلًا؛ فهو لا يحكي نفسه على أنه نموذج للوحشية، ولا كضحية سلبية مغسولة الدماغ ومغيبة العقل، بل ككيان إنساني متردد وقلق، ودليلًا على قدمين لهوية تآكلت بين اليقين الذي آمن به والانهيار المروع لمعناه؛ في الواقع الرواية تناولت الأبعاد النفسية ومحاولة العودة إلى الذات بذكاء شديد، من خلال تفاصيل متشابكة وكثيرة في الحقيقة، لكنها في النهاية تجعلنا نشعر وكأننا نتجول بداخل الشخصية المعقدة والمهزوزة للصعيدي، الذي كان كل شيء وفقد كل شيء؛ فهو يتحول من إرهابي يحمل السلاح إلى كيان هش بلا هدف، بل في حالة من المنتصف، لا هو يشعر بالندم ويتطهر بالاعتراف بذنوبه، ولا هو نفسه الشخص الذي كان يعتنق فكرًا دفعه ليقترف كل مافعل، هو بالفعل في حالة غريبة من الضياع وانتظار المجهول الذي لا يُعرف حتى متى يأتي، تصوير هذه الحالة الإنسانية كان ذكاء من الدكتورة، لأنها قررت البحث عن الإنسان، أو بقاياه، بدلًا من محاسبة الإرهابي المتطرف والانتصار للعدالة بحسم في الرواية. الرواية جميلة وتحتاج أكثر من قراءة لتفكيكها كلها. لكن القراءة الأولى كانت ممتعة فعلًا. الموضوع بالنسبة لي كان ذكي في تناوله جدًا
#الصعيدى لا يزال قلم "فاطمة العوا" يحمل الكثير فى جعبته ، الكثير من الهموم والقضايا والابداع. فاطمة صوتها قوى حتى فى شكل الراوى العليم ، العديد من الحكايا والقصص دبجتها داخل رواية الصعيدى . لا تمر بحدث او حوار داخل الرواية الا وتذكر معلومة ،او تنبه القارئ ليقرأ جيدا ،ليس فقط سطور الرواية ولكن يقرأ الحاضر الذى بين يديه ،ويعتبر مما مضى، ويستشرف القادم . اخذتنا فى رحلة الصعيدى داخل داعش ثم تبرأه منها، وفى تجواله قابل الكثيرين اصدقاء واعداء واحباب وضحايا ، مر من سيناء الى الموصل ثم سوريا فتركيا واخيرا لندن ،فى كل مكان بصمة ومع كل شخص حكاية . يتطور قلم فاطمة يوما بعد يوم وفى انتظار الجديد منها دائما.