كنت دائما ابحث عن قارئ متعمق للتاريخ وبالاخص من بلدي البحرين .. ففوجئت بهذا الكتاب الذي بعث في نفسي الامل انه هناك من يستطيع ان يتخفف من تحيز الطائفة ويحاول بحياد ان يفهم الاخر،
طبعا هذا الكتاب لم ولن يدرس محتواه في المدارس والجامعات لا في كتب التاريخ ولا التربية الاسلامية .. ومن الصعب ان يحتفى به في المحافل الثقافية .. هو فقط كان بحثا شاطحا يحرك فينا حس مراجعة التاريخ،
سأقسم الكتاب الى جزئين
جزء تسرد فيه الكاتبة التاريخ الاسلامي من وفاة النبي (ص) الى فترة نفوذ الاتراك في الدولة العباسية .. ثلاثمائة سنة تسردها الكاتبة باختصار غير مخل وباسلوب تشويقي باهر
والجزء الثاني تحكي فيه قصة القرامطة
تتقمص الكاتبة عقلية الشيعي لتبحث في المحطات التاريخية المهمة في ذاكرته الجمعية .. وبجرأة كبيرة بدأت المؤلفة بحثها متعمقة في ملفات محظورة وبرؤية قد لا يتقبلها المذهب السني ليس مع رموزه فحسب .. بل على طول الخط هو لا يرى تاريخ الحكام الامويين والعباسيين بهذا السوء وبالتالي لا يستسيغ النزعة الثورية التي اتسمت بها الكاتبة حيث ارتنا كيف ان تاريخنا الاسلامي مصيبة اثر مصيبة وطاغية يعقبه طاغية
اسلوب الكاتبة كان مباشرا جدا .. كان يمكن ان تخفف من وطأة الحوادث التي تحكيها ولكنها اثرت ان تسردها كشخص معارض يريد ان يكشف كل المشاكل التي حدثت
..
هناك رؤى طرحتها الكاتبة هي رؤى شيعية وهناك رؤى اخرى هي سنية كوجود شخصية عبدالله بن سبأ .. وهناك افكار غير دقيقة لتسربت للكتاب ولكن يبقى هذا السرد شيق ومفيدا جدا
..
اما عن الجزء المتعلق بالقرامطة فهو بحث شيق ورائع وجريء
وفي نفس الوقت حاولت الكاتبة التعاطف مع القرامطة بقدر ما تستطيع
ماتوصلت له واستفدته من هذا البحث الحيادي هو تكوين فكرة عن الحركة القرمطية ومؤسسها في البحرين ابي سعيد الجنابي وخلفائه ابي طاهر الجنابي والحسن الاعصم
مع اني كنت اتوقع اني سوف اتعاطف مع القرامطة الا انني اخذت فكرة غاية في السلبية عنهم
هم وان كانوا مجتمعا اشتراكيا يتقاسمون فيه مواردهم ويعيش فيه الجميع سواسية وتوجد فيه حرية اعتقاد وحرية للمرأة
الا ان هذا ليس كافيا بالمرة .. خصوصا عندما نرى مساوئها الكثيرة .. هي دولة عسكرية لا تصنع الا المحاربين .. لو كان القرامطة في زماننا لكانوا مثل كوريا الشمالية بل اسوء.. وخصائص دولة القرامطة هي: نزعة لادينية عند المؤسسين، قوانين داخلية صارمة للانضباط ، نزعة اشتراكية والغاء للطبقات، دعوة تبث الاساطير حول قادتها، دعوة تستبيح دماء المسلمين العزل في عرفة، دعوة لا تحفظ حرمة لا لطريق الحجاج ولا للحجر الاسود .. كل ما يهمها هو مزيد من الثروة ومزيد من النفوذ
كما قالت الكاتبة انهم ليسوا الوحيدين .. تلك كانت عادة الاعراب ومصدر رزقهم ولكن اولئك الاعراب على الاقل لا يملكون ما يأكلونه اما القرامطة فسلاطين على اراضي خضراء وما جعلهم يتخذون هذه التدابير هو الطمع في التوسع
ان زمن القرامطة هو بداية العصر الذهبي الاسلامي .. حيث ظهر الرازي و ابن سينا والبيروني والمتنبي وابو فراس الحمداني وائمة الحديث والفقهاء والعلماء في كل المجالات .. كل هؤلاء ظهروا في دول مثل الدولة البويهية والسامانية والحمدانية والفاطمية وهي دول معاصرة للقرامطة
ولكن لم نسمع عن عالم او مفكر ظهر بين القرامطة
صحيح انهم بدأوا بفلسفة اخوان الصفا ولكن هذه مثلما استلهم لينين وستالين فلسفة ماركس
يستخدمونها كفكرة ابتدائية ، ثم يطبقون ما يريدون هم ولا يشجعون اي علم واية فلسفة
..
ولو تسأائنا عن اندثار كتب القرامطة وانها فرقة مهزومة فلابد ان تاريخها تم تزييفه .. فهذا الامر يمكن ان نتقبله لو لم نجد هذا التاريخ الفظيع الموثق .. حققت دولة القرامطة سيادة على اراضيها وربما لم يأتي قبلهم او بعدهم حكام لاقليم البحرين يهددون العراق والحجاز ومصر والشام ولكن النفوذ والسلطة هي لعبة الحكام والسياسية وما هو مهم فعلا هو هل قدموا للبشرية شيئا مفيدا ام ساهموا في الخراب .. وبالمناسبة كان حكام القرامطة في هجر ولم يكن سكان جزيرة اوال (البحرين حاليا) غير دافعي ضرائب .. يدفعون 50% من دخلهم .. تبدو ضريبة باهظة فلا اظن ان سكان اقليم البحرين كانوا مرتاحين بسبب هذا النظام الاشتراكي
..
صدر الكتاب في التسعينات حيث كانت منتشرة في البحرين بقوة الافكار اليسارية .. فاعتقد ان الكتاب متأثر بهذه النزعة فلذلك تجد فيه تقدير ما للقرامطة
ولكن يبقى الكتاب حيادي وموضوعي ويطرح الامور كما هي
الكتاب جريء جدا وكما تم الافساح له اتمنى ان يفسح المجال في وطني لجميع الكتب وجميع الافكار والمعتقدات مادامت مجرد كلمات
الكتاب غني بالمعلومات التاريخية وهو عبارة عن حكاية ممتدة عمرها 400 عام
انصح بقراءته