ما الذي يشكّل الهوية؟ وكيف يمكن للذات أن تظل متماسكة وسط عوالم متناقضة؟ ما معنى الانتماء في عالم متعدد الثقافات؟ وكيف نعرّف أنفسنا عندما ننتمي إلى ثقافتين مختلفتين؟ هل يمكن للجذور أن تبقى راسخة رغم التغيرات؟ وكيف يؤثر المجتمع في تشكيل هويتنا؟ في كتاب فوضى الهويات، تسافر بنا المؤلفة في رحلة عبر الزمن والثقافات، مستعرضة حياة اثني عشر فرداً يعبرون بين عوالم مختلفة: العراق والدنمارك. من خلال سرديات متشابكة، يجسد الكتاب صراعات الهوية والانتماء، حيث يتقاطع الماضي مع الحاضر، والتقاليد مع الحداثة.يروي الكتاب حكايات منقسمة بين عالمين؛ فيعكس العراقيون الستة قصص نشأتهم وسط الحروب والتوترات السياسية التي عصفت ببلدهم، بينما يكشف الدنماركيون - وأغلبهم من أصول عراقية - عن تحديات الانتماء لثقافتين مختلفتين، متأرجحين بين جذورهم الشرقية وقيَمِهم الغربية.بأسلوب حميمي ومبني على تأملات عميقة، تسلط حوراء النداوي الضوء على معنى الهويّة في عالم متغيِّر، وكيف يمكن للحرب، والهجرة، والثقافة أن تعيد تشكيل رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين. تتميز لغة الكاتبة بجمالها وعمقها التعبيري، مما يضفي على النصوص سحراً خاصاً يجعل من السرديات الشخصية، بورتريهات نابضة بالحياة.فوضى الهويات دعوة لإعادة التفكير في حدود الذات والانتماء، واستكشاف العمق البشري الذي يتجاوز الفروق الجغرافية والثقافية، مقدماً صورة واحدة مركّبة للإنسانية، في عالم يعج بالتحولات والتداخلات الثقافية.
حوراء اياد النداوي من مواليد بغداد/ العراق 1984 كاتبة عراقية. غادرت العراق مع الأسرة في سنّ السادسة لأسباب سياسية. نشأت في الدنمارك وتعلّمت اللغة العربية في المنزل
كتاب ساحر وفريد من نوعه، ويعد من الكتب العراقية القليلة التي توثق الأوضاع الاجتماعية والسياسية عبر سرديات شخصية من داخل العراق وخارجه. القاسم المشترك بين هذه السرديات هو الهوية العراقية، أو الانتماء إلى العراق بأي شكل من الأشكال.
في زمن يضج بالمعلومات والذكاء الاصطناعي، نحتاج أن نقرأ ما يكتبه الناس عن تجاربهم الشخصية؛ كيف تنتج الحياة، بقسوتها في أغلب الأحيان ولينها أحيانًا أخرى، هويات متضاربة، معقدة، وسائلة. كيف تصقل الحروب والاقتتال الطائفي والدكتاتورية هذه الهويات المعقدة؟ وكيف يمكن الإجابة عن سؤال يبدو بسيطا في صياغته، لكنه شديد التعقيد في جوهره: من أنا تحديدا؟ وما هي سرديتي؟
قرأت هذا الكتاب في فترة كنت أحاول فيها استكشاف هويتي، وفهم سبب شعوري بالغربة في جلسات العائلة والأصدقاء، إذ لم أعد أنتمي كليًا إلى أي مجموعة.
ولدت في عائلة مسلمة شيعية؛ تنحدر عائلة والدي من جنوب العراق، وعائلة والدتي من شرق العراق. قبل سقوط صدام حسين، لم تكن عائلتي ملتزمة دينيًا أو طائفيًا بشكل واضح. لكن، كما حدث مع كثير من العوائل العراقية، بدأت عائلتي تعرف نفسها لاحقا بهويتها الطائفية أولا وتدافع عنها، وكنت جزءًا من هذا التوجه حتى فترة الجامعة.
بعد ذلك، بدأت ملامح النضج والتفكير التحرري تتشكل في ذهني، كأنها أسنة من نار وصقيع في آن واحد، ووجدت نفسي أمام هوية هشة، مهجنة، تجمع هذا وذاك.
كان هذا الكتاب هدية حقيقية للأيام الصعبة التي مررت بها، ولتلك التي قد تأتي.
أبدعت حوراء في نقل وتشكيل سرديات المشاركين في هذا العمل. وهي مهمة ليست سهلة، لا أخلاقيا ولا تقنيا؛ فخوض السرديات الشخصية مسؤولية ثقيلة، ويتطلب قدرة عالية على الحفاظ على صوت أصحابها بوضوح ودقة دون تحريف أو محاباة، وهو ما شعرت به بوضوح بين سطور الكتاب.
كتاب يحمل حزنا خفيفًا، لكنه يفتح بابا واسعا للتفكير: كيف أصبحنا ما نحن عليه اليوم؟
كتاب حلو حلو جدا... عجبتني اللغة وعجبني تنظيم الكتاب.. 12 سردية لحيوات حافلة.. القاسم المشترك بينهم هو العراق.. ذلك البلد العجيب!!! المملوء بالتناقضات.. ينقلك الكتاب نقلة مدهشة من عالمك المحدود الى عوالم أخرى لا تتصور وجودها من الأساس...
حكايات حقيقية عن الألم، عن الوطن، عن الظلم والقهر، عن اللغة، عن الانتماء، عن تقبل الواقع والتعايش معه، عن الآخر القريب البعيد..
في كتابها “فوضى الهويات: بورتريه واحد لوجوه متعددة” (دار الرافدين، بيروت، 2025)، تكتب حوراء النداوي كما لو أنها تفتح دفترًا مليئًا بالصفحات غير المتسقة، دفاتر صغيرة يتقاطع فيها صوتها مع أصوات آخرين، جميعهم أبناء مكانين متباعدين، يبحثون عن خيط يربطهم بما يُسمّى وطنًا أو لغةً أو أصلًا. البداية تأتي شخصية جدًا: ولادة في سجن عراقي، انتقال إلى كوبنهاغن، ثم إلى لندن، وصولًا إلى لحظة اختبار DNA لم يُبقِ للعراق إلا أثرًا ضئيلًا. هنا يطل السؤال الأول: إذا كان الجسد لا يحمل ذاكرة الأرض، فمن أين تأتي هذه الحاجة لأن نسمي أنفسنا ونضع حدودًا لانتمائنا؟
من هذه اللحظة، يتشعّب السرد إلى اثنتي عشرة شخصية عراقية ودنماركية، حيث كل شخصية تُروى مرتين: مرة كما تراها الراوية من الخارج، ومرة أخرى كما تعرّف الشخصية نفسها بصوتها الداخلي. النداوي تكتب في الحالتين، لكن حين تكتب بضمير المتكلم تتحول فجأة إلى مرآة لصوت الآخر، كما لو أنها استعارت لغته ونبضه. هذه التقنية تُدخل القارئ في منطقة مألوفة ضمن ما يُعرف بـ سرديات أبناء الثقافة الثالثة، أي أولئك الذين نشؤوا بين ثقافتين أو أكثر ولم يستقروا داخل أي منهما.
هذا الأدب له أمثلة عالمية كثيرة؛ من زادي سميث التي كتبت عن لندن المتعددة إلى تشيماماندا نغوزي أديتشي التي رصدت حياة متأرجحة بين نيجيريا وأميركا. ما يميز نصوص النداوي هو شدتها العراقية والدنماركية معًا، حيث تظهر الهويات كأرض متنازَع عليها بين الذاكرة والحاضر، والهوية جرح مفتوح وتجربة مضطربة تتخللها أسئلة عن الدين والانتماء ومعنى العائلة.
ويلحظ القارئ أن العناوين التي تختارها لفصول “فوضى الهويات” ـ أي “المسافات”، “البدايات”، “التجليات”، “بين هذا وذاك”، “الدنمارك” - إشارات على هشاشة الحدود التي نعبرها. حيث في كل فصل يعاد طرح السؤال: هل نحن نتحدّد بما تركناه خلفنا، أم بما نحياه الآن؟ وهل يمكن للذاكرة أن تعيد تركيب نفسها كلما تغيّر المكان؟
لغة النداوي مشبعة بالحميمية، أقرب إلى الاعترافات منها إلى السرد المحايد، محملة بوعيٍ يعرف أن الذات فسيفساء متحركة، وفي ذلك تقترب من تيار عالمي لم يعد الأدب فيه يُكتب من قلب العاصمة الواحدة، بل من المنافي والمطارات والبيوت المؤقتة. هكذا يتحوّل “فوضى الهويات” إلى جزء من نسيج أكبر، حيث يلتقي المحلي بالعالمي، وتذوب السيرة الفردية في أسئلة جيل كامل يبحث عن صوته كونيًا وإن اختلفت بدايات كل فرد فيه.
ومن اللافت أن “فوضى الهويات” يمكن أن يُقرأ أيضًا بوصفه مجموعة قصصية، فالتقنيات السردية التي تنسجها النداوي تمنح كل شخصية استقلالًا أدبيًا، وكأنها قصة قصيرة مكتملة تبرز نضجًا سرديًا لافتًا من كاتبة سبق أن حققت حضورًا أدبيًا مميزًا منذ روايتها الأولى تحت سماء كوبنهاغن، التي وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر). بهذا المعنى، يُرسّخ الكتاب مكانة النداوي كصوت سردي قادر على التنقل بين أشكال الكتابة مع احتفاظه بتماسُكه وفرادته.
“فوضى الهويات” كتاب يبحث عن لحظة صمت. أعني صمتًا يتأمل فيه القارئ صورته الخاصة ويطرح أسئلة لا نهائية: كيف تتشكل ذواتنا حين نُساق بين ثقافات متعددة؟ بأي ملامح نخرج من عبورنا المتكرر للمنافي؟ تمسك النداوي بالفوضى نفسها وتحوّلها إلى مادة للتفكير، تاركةً إيانا في مواجهة السؤال الأخير: ما الذي فعلته الحياة بنا، وكيف يمكن أن نعيد رواية أنفسنا من جديد؟
عبر ١٢ سردية متشابكة لمواطنين عراقيين عانوا بصور وأشكال مختلفة مما أسميته أنا "متلازمة اضطراب الهوية"، جاء كتاب فوضى الهويات للكاتبة العراقية حوراء النداوي، الصادر عن دار الرفدين في طبعته الأولى عام ٢٠٢٥.
تأخذنا الكاتبة في رحلة بين العراق والدنمارك، حيث تتقاطع الذكريات مع الواقع، من خلال قصص لأشخاص عالقين بين ثقافتين، يبحثون عن أنفسهم بين هويات وانتماءات متنازعة، ليصبح سؤال "من أنا؟" أكثر تعقيدًا وغموضًا من أي وقت مضى.
تباينت السرديات ما بين عراقيين وُلدوا ونشأوا وعاشوا حياتهم بالعراق في خضم الحروب والتوترات السياسية والصراعات الطائفية التي عصفت ببلدهم، ودنماركيين - أغلبهم من أصول عراقية - يواجهون صراعًا من نوع آخر مع الهوية والانتماء، حيث التأرجح بين ثقافتين متنافرتين أيما تنافر، وقيم وعادات شرقية وغربية من الصعوبة بمكان أن تنسجم سويًا.
هذه السرديات تؤكد لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن الاغتراب واضطراب الهوية لا يتعلقان فقط بمن غادر بلده وأرضه، فالمتأمل لروايات العراقيين يمكنه أن يلمس بكل وضوح الخلل والعطب الذي أصاب هويتهم وضرب جذور انتمائهم في مقتل بفعل النظام القمعي الذي جثم على قلب البلاد لعقود طويلة، مارس خلالها كل صنوف الترهيب والتعذيب والاختطاف والقتل على الهوية، ثم الاحتلال الأمريكي للعراق وما تلاه من حرب طائفية مستعرة، ما تسبب في حدوث شرخ كبير في جسد أجيال عراقية كان كل حلمها التعايش مع الآخر بسلام، دون فتن طائفية بغيضة أو اقتتال أهلي أودى بحياة مئات الآلاف من الأبرياء.
يطرح العمل مجموعة من التساؤلات الهامة: ما الذي يشكل الهوية؟ كيف يمكن للذات أن تظل متماسكة وسط عوالم متناقضة؟ ما معنى الانتماء في عالم متعدد الثقافات؟ كيف نعرف أنفسنا عندما ننتمي إلى ثقافتين مختلفتين؟ هل يمكن للجذور أن تبقى راسخة رغم التغيرات؟ وكيف يؤثر المجتمع والحوادث المحيطة في تشكيل هويتنا؟
تميز الأسلوب السردي للكاتبة بالعمق والبلاغة في آن معًا، وإن كان ذلك لا يمنع وجود بعض الأخطاء اللغوية والإملائية، لا سيما عدم وضع الهمزات في مواضع كثيرة من الكتاب. أتمنى أن يتم تلافي ذلك في أعمال الكاتبة المستقبلية.
أما أكثر ما أثار اعتراضي في الكتاب فهو وجود بعض الهرطقات التي يصعب المرور عليها مرور الكرام، لا سيما أنها تتعلق بصلب العقيدة - مع شديد احترامي وكامل إيماني بحرية الفكر والتعبير. لكن عندما أجد إحدى بطلات هذه السرديات - دنماركية من أب عراقي - قد أسست أول مسجد أنثوي في أوروبا لتكون هي أول إمام له، مبينةً أن مسجدها، إضافة إلى أنه يساعد المرأة الراغبة في الطلاق على تطليق نفسها، يقوم أيضًا بعقد زيجات بين الأديان، لا سيما للنساء المسلمات اللواتي يُحرَمن من عقد الزواج على الطريقة الإسلامية، بحجة أن الإسلام لا يبيح للمرأة المسلمة الزواج من غير مسلم، وهو أمر لا تعتقد به هي ولا مسجدها. لم أجد ما أقوله بعد قراءة ذلك سوى: "إنهن يدعون لدين جديد".
تلك دلالة أخرى أن الأمر يتعدى الفوضى في الهويات ليصل إلى ما أطلقت عليه "متلازمة اضطراب الهوية"، فالجينات الشرقية، إن جاز التعبير، حاضرة وإن توارت واستترت تحت تأثير الثقافة الغربية، التي أنتجت جينات أخرى مختلفة عن نظيرتها الشرقية، ليجد الإنسان نفسه في صراع عنيف واستقطاب حاد بين هويتين تحاول كل منهما الانتصار على الأخرى وإقصاءها تمامًا من المشهد، في الوقت الذي يسعى فيه بطل هذا الصراع إلى خلط الجينات سويًا لعله ينتج هوية جديدة سليمة غير مشوهة يستطيع التواؤم والتعايش معها دون أي منغصات أو أزمات.
ولمن يحب أن يقرأ في السياسة وبالتحديد عن حقبة النظام البعثي في العراق ورأسه صدام حسين، وما اقترفه من فظائع وجرائم وحشية ضد شعبه، وعن فترة الحرب الطائفية التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للبلاد، وما تلاها من انتفاضات شعبية واسعة ضد حكومة المحاصصات الطائفية، فإن هذا العمل به جرعة مكثفة أليمة وموجعة من الأحداث والوقائع الحقيقية التي تشيب لها رؤوس الولدان.
كتاب يستحق القراءة بكل تأكيد، وإن كانت قراءته ستخلف كثيرًا من الحزن والأسى والألم والوجع. لكن متعة القراءة نفسها تستحق، وكما نقول بالعامية "مفيش حلاوة من غير نار".
"فوضى الهويات" عمل أرشحه بقوة لأعضاء الجروب.
اقتباسات راقت لي:
لكل إنسان سرديته التي تستحق أن تُكتب وتُروى، مهما كانت بسيطة أو خفيفة.
شعور غريب ومؤلم أن تعيش عالمين مختلفين كلياً فوق أرض واحدة ! وإذا ما خرجت ولو قليلاً عن الحدود والخرائط الخاصة بالجماعة فسوف تُلعَن.
اكتشفت بعد سنوات ضيعتها في محاولة إرضاء الناس، أنهم مهما فعلت، سيستقتلون لإيجاد عيب ما يستوجب الجلد.
الحياة حتماً قصيرة، أقصر من أن نعيشها بذهنية أناس سبقونا ، أو وفق عقلياتهم التي ناسبتهم ربما في وقت مضى، لكنها لم تعد صالحة للحاضر.
الفكرة لدى هؤلاء هي كائن عضوي قابل للنمو والتكاثر، ومتى ما ولدت فهي مهدّدة وخطرة، وقابلة لأن تشهر في وجوههم أسلحة ترهبهم وتتوعد بهلاكهم.
العراق ليس مجرد فسيفساء من الطوائف ولا يمكن أن يختزل في سردية واحدة تهيمن عليها جهة دون أخرى. إنه أكثر تعقيدًا من ذلك، أكثر شاعرية وألماً ، فهو وطن مزروع بالقصص، كل قصة تحمل في طياتها ألماً وآمالاً مختلفة والطريق إلى التشافي من آلام وتحديات الماضي، وإن بدا طويلاً ومليئاً بالعقبات، يبدأ بالاعتراف بكل هذه القصص وتداخلاتها، وبأننا لسنا مجرد تمثلات طائفية، بل كائنات بشرية تعيش على هذه الأرض، وتتوق إلى حياة تتسع للجميع.
الفقد دون خبر مؤكد يضع الإنسان في حالة برزخية، فلا هو متماهٍ مع الحدث ومستسلم للخسارة، ولا هو متأملاً ومتطلعاً للخبر المجهول الذي قد يخذله أيما خذلان، بعد سنوات من استنزاف الصبر والرجاء.
أصبحت مهتم بكل الكتابات الجادة المتعلقة بالهوية أثار فضولى بالبداية كتاب الهويات القاتلة لأمين معلوف واستكمالا بالكتاب القيم فوضى الهويات لحوراء النداوى. يحمل الكتاب اسئلة كثيرة ليس لها قوالب ثابته للاجابة ولكنها تختلف باختلاف كل حالة وظروفها,ما الذى يشكل الهوية؟ما معنى الانتماء وخصوصا لمن يعيش بين عالمين متناقضين؟هل تظل الجذور راسخة رغم الترحال؟ومادور المجتمع فى الحفاظ على الهوية؟ اسئلة كثيرة وسرديات متنوعة عديدة لحالات من اصول أغلبها عراقية وبعضها سورى يقيمون بالدنمارك وكل شخص يسرد قصته من بلده الام وبلد الاقامة؟ وصراعهم باعتبارهم دائما مواطنين من الدرجة الثانية سواء بالمهجر او بلدهم الاصلى. كتاب يستحق القراءة بتمهل وعدم تجهيز أحكام مسبقة لاننا لم نعايش ظروف تلك الحالات.
تأخذني حوراء النداوي في سردياتها إلى بلد لا أعرفه، لأقف مشدوهة أمام كل الامتيازات التي حصلت عليها هناك .حيث لا أبالغ إن قلت إنها امتلكت في الدنمارك كل ما حُرمنا نحن منه هنا في العراق، بدءًا من الحرية للعلمانية والمساواة والمجتمع الهادئ، إذ كان بلدها الذي نشأت فيه على النقيض التام من بلدها الأم في كل شيء تقريبًا.
تتحدث عن قانون عجيب يُدعى "قانون يانيه"، وعندما علمت أنه مأخوذ من رواية ضحكت ملء قلبي. هل من المعقول أن تؤثر رواية في سياسة دولة كاملة بل وترسم طبيعة المجتمعات المجاورة لهذه الدولة؟ هذا هو التجسيد الحقيقي لتأثير الأدب الذي تتحدث عنه آذر نفيسي العزيزة في كتبها.
أتفاجأ أمام قانون أتعرف إليه للمرة الأولى، يشتمل على التواضع والبساطة ورفع التكلفة الزائفة، حيث تخجل الأم من ذكر تفوق ابنها في الدراسة، ويركب الوزراء وسائل النقل العامة!
تتطرق حوراء في سردياتها الأولى لقصص شباب وشابات من أصول عراقية نشأوا وترعرعوا في الدنمارك وتنقل لنا مشاعرهم المختلطة والمتباينة تجاه الوطن ، وكيف يعرّفون معنى هذا الوطن في ظل فوضى الهويات التي عاشوها بين ثقافتين وانتماءين.
ورغم أن بعض الأفكار الواردة في الكتاب تتعارض مع معتقداتي ومبادئي التي أؤمن بها إيمانًا راسخًا، الا أن حوراء قاصة ذكية استطاعت أن تسرد قصص أشخاص يحمل كل منهم معاناة وتجربة مختلفة ومميزة ، بأسلوب يجعلك راغبًا في مواصلة القراءة ومعرفة إلى أين ستقودهم الحكاية وكيف ستنتهي.
لننتقل بعدها إلى البلد الذي أعرفه حق المعرفة، الى بلدي أو إلى السرديات العراقية في كتاب حوراء، تلك السرديات تستحضر التاريخ الحديث للعراق منذ الثمانينيات والتسعينيات وبدايات الألفية الجديدة.
يؤلمني بحق أن أقرأ سرديات لشباب من ذلك الجيل فألتمس معاناتهم وأتذوقها وكأنها معاناتي، أو لعلها بالفعل معاناتي أنا اليوم، أو معاناة أبي أو أمي أو عمي أو خالتي بالأمس؛ معاناة جيل كامل عاشها العراقيون حد التشبع بالظلم والقهر والاستبداد على يد الطاغية صدام، ومن القلة والشحة في زمن الحصار، ومن التفجيرات، ورعب الموت، ورائحة الجثث، والطائفية المقيتة، وانعدام الأمان الذي استمر حتى يومنا هذا، في ظل محاولاتنا جيلاً بعد جيل للوصول إلى السلام متمسكين بأمل ضعيف... لذلك، ألتمس العذر التام لكل من استطاع الهروب من هذا البلد والنجاة بنفسه. وكما قلت للدكتور محسن الرملي يومًا : "إن الهريبة ثلثين المراجل" لذلك أحيي شجاعة من استطاع الهروب .كما أحيي من لازال صامدًا مثلي ويريد البقاء في بلده رغم كل ما حدث ومازال يحدث.
أصبحت مهتم بكل الكتابات الجادة المتعلقة بالهوية أثار فضولى بالبداية كتاب الهويات القاتلة لأمين معلوف واستكمالا بالكتاب القيم فوضى الهويات لحوراء النداوى. يحمل الكتاب اسئلة كثيرة ليس لها قوالب ثابته للاجابة ولكنها تختلف باختلاف كل حالة وظروفها,ما الذى يشكل الهوية؟ما معنى الانتماء وخصوصا لمن يعيش بين عالمين متناقضين؟هل تظل الجذور راسخة رغم الترحال؟ومادور المجتمع فى الحفاظ على الهوية؟ اسئلة كثيرة وسرديات متنوعة عديدة لحالات من اصول أغلبها عراقية وبعضها سورى يقيمون بالدنمارك وكل شخص يسرد قصته من بلده الام وبلد الاقامة؟ وصراعهم باعتبارهم دائما مواطنين من الدرجة الثانية سواء بالمهجر او بلدهم الاصلى. كتاب يستحق القراءة بتمهل وعدم تجهيز أحكام مسبقة لاننا لم نعايش ظروف تلك الحالات.
4.5 نجمات اللغة رائعة خاصة حين تكتشف حكاية الكاتبة مع اللغة العربية. أحببت السرديات جميعها لأنها كانت متكاملة ولأنها كشفت لي عن حياة العراقيين مقيمين أو مغتربين على كافة أشكال الاغتراب التي لا نتعرف إليها عن كثب مثلما حقق هذا الكتاب. كنت أحبذ لو وضعت حوراء قصتها في مكان خاص منفصل عن السرديات الأخرى. معالجتها للهوية كانت جيدة ومتناسقة مع السرديات المتنوعة التي شملها الكتاب.