حين يرخي الليل سدوله، ويطبق على الدنيا الظلام، ويقل الزحام، وتسكن وطأة الحياة، ويخفت الضجيج، ويؤوب العباد إلى فرشهم ينامون، وحين تستلذ العيون بطيب المنام، وتهيم العقول في بحور الأحلام، وحين تطمئن الجنوب إلى دفء المضاجع، عندئذ يتسلل المقربون إلى المحاريب في سكون، لينيروا عتمات الليل بنور القيام، ويرجوا ثبات الكون بآي القرآن....
يصفون أجسادهم، وينصبون أجسامهم بين يدي ربهم في أدب وخشوع، وذل وخضوع، يقرءون كتابه، ويتلون آياته، ويمجدونه ويعظمونه ويحمدونه ويمدحونه…. تسبقهم الدموع والعبرات، والندم على العثرات، والاعتراف بالهفوات والزلات…. يبسطون أيديهم، ويسألون حاجتهم، والنفوس بالشوق تسبقهم، والقلوب بالحب تقربهم، يهتفون من سويدائها: أن جئناك فاقبلنا، وأتيناك فلا تردنا، وسألناك فأعطنا، واسترحمناك فارحمنا، واسترضيناك فارض عنا، أنت العزيز ونحن الأذلاء، انت القوي ونحن الضعفاء، أنت الغني ونحن الفقراء، ولا استغناء يا رب عنك فاقبلنا
كتاب جميل، يخيّل لي أن عنوانه تفصيل لما جاء في كتاب الرقائق للراشد عن قيام الليل، وقد اقتبس منه أجزاء
يتحدثّ عن هذه العبادة على أنها أساس متين للدعاة ولكل من يريد التقرّب من الله عزّ وجل، وليست عبادة على هامش الحياة! من أراد القرب والجنّة والمرتبة العليا والسكينة والثبات والتوفيق، من أراد خيري الدنيا والآخرة فعليه بها.. ذكر أيضاً ما يعين عليها، وما يُتخوف منه بشأنها
أكثر من الاقتباسات من أمهات كتب التزكية وأحسن في ذلك، وإن ظهر شيء من التكرار أحياناً
ولكن كما ذكر في خاتمته: (اكتب ما شئت، واقرأ ما شئت، فلن ينفعك ذلك إلا بالعمل. فإن كتابة أو قراءة الواو والراء والدال لا تشم منها رائحة الورد )
كتاب يحلق بك في سماء ليست كالسماء التي نراها بماديتها بل يجتاح جماله كل جزئ من الجسد والروح ما أجمل العبارات والروحانية التي تحس بها وأنت تقلب ناظريك بين دفتيه .