التراث النظري والتطبيقي ومقترباته المنهاجية حول التنمية ومداخلها متخم لأنها جزء رئيسي من عالم التحرير الوطني والحركات الاستقلالية في القارات الثلاث توزعت الفلسفات والنظريات التنموية علي أسس من الاختيارات الأيديولوجية والمذهبية وفي بعض المراحل هيمن النموذج التنموي الماركسي والأشتراكي علي الآفاق الذهنية للصفوات السياسية الحاكمة في أعقاب التحرر من الأستعمار المباشر وأشكاله ومال كثير من آباء الاستقلال في الجنوب إلى محاولة إضفاء بعض خصوصياتهم الثقافية كعلاقة مائزة على اختيارات طرق النمو والتنمية. ثم أن البعض الآخر تبني وساهم في التنظير أو التسويغ الأيديولوجية للطريق الرأسمالي للتنمية وشهد العالم مناظرات وصلت إلى حروب أيديولوجية كبري كانت جزءاً من أوار الحرب الباردة آنذاك بين نماذج التنمية الأشتراكية والرأسمالية. Nafur وتحفل المكتبة العربية بكتابات أتخذت من الأيديولوجيات المختلفة وأساطيرها مناحي لفهم التجارب والأفكار الملهمة أنطلاقاً من المتن الأيديولوجي, والبعض الآخر جعل من الشعارات السياسية السوقية الرائجة بين الحين والآخر سنداً لنمط من الكتابة الترويجية والتسويقية للخطاب الرسمي السائد في هذا الإطار ثمة كتابات قليلة تتسم بالضبط الأكاديمي والتعامل المنهجي، والرؤية النقدية للنماذج وللتجارب التنموية بعضها أنطوي على أصالة نقدية خلاقة وهي جد محدودة, وأخري راحت تستقي رؤاها النقدية من مناهل غربية او ماركسية. أو عالم ثالثية - بأصطلاحات هذه المرحلة من القرن الماضي - وثمة موجة أخري راجت بعد ظهور مدرسة التبعية وتطبيقاتها علي تجارب أمريكا اللاتينية. كتاب التنمية من منظور متجدد - التحيز - العولمة - ما بعد الحداثة للباحث المتميز د. نصر محمد عارف يتسم بأنه يحاول أن يستلهم نظرة نقدية من منظور إسلامي متجدد لا يستبعد الإرث المعرفي والنظري الغربي في العرض والتحليل والتفكيك, وإنما يستوعيه في رحابة ونقد معاً. إن نظرة إلى الموضوع تكشف عن بعض مكامن الجدة فيها أيا كان الرأي الخلافي حول محمولها الأيديولوجي الظاهر والباطن من بنياتها. إلا أن جديتها جديرة بإعمال النظر النقدي والتحليلي والتقويمي. ومن هنا تكمن أهميتها وجدارتها بالنشر ضمن سلسلة كتب مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. والكتاب يتناول في عدد من الفصول قضايا هامة. كمفهوم التنمية. واختلاف الدلالة بإختلاف النسق المعرفي ثم التنمية والتحيز ثم في علاقتها بما بعد الحداثة وما بعد السلوكية والخصوصية والعالمية في نظريات التنمية والتنمية المجهضة لذاتها. ثم الفصل الأخير الذي يتناول العقوبات والمعونات كدراسة في عملية إعاقة التنمية. والكتاب رصين لكاتب يحمل سمت صاحبه ويتسم بالسلامة في العرض والنقد والتحليل نقدمه للقارئ الكريم في وقت تحتاج فيه إلى إعادة النظر في غالب سياساتنا والمجالات الألمانية كافة. وإلى طرح كافة الروئ تتفاعل فى حرية ونقد وموضوعية سعياً وراء الأفضل نحو تطوير مصر وحداثتها.