استيقظت من نومي أشتهي أن أقرأ لابن رجب ولم يهدأ خاطري حتى وقفت على هذه الرسالة،
فكانت جمالا صرفا، شأنها شأن سالف قراءاتي له..
رقائق بليغة منسابة، تسلم الفكرة الفكرة، تخرج منها بقلب غير الذي دخلت به..
ابتدأ ببيان ارتباط الأعمال بدخول الجنة، وهل يدخل أحدنا الجنة بعمله، وعرض في ذلك إلى أن الأعمال كلها نعم محضة تستدعي شكرا وإخباتا وتواضعا، وخلص إلى أن العطايا والعبادات والأحوال ودخول الجنة محض فضل وإحسان، وأن العبد مفتقر إلى مولاه مضطر إليه، لا يصح له عيش لا يلتزم فيه التوكل والضراعة وقطع النظر إلى عمله..
ومر في ذلك على حديث عابد الجبل، وآثار أخرى، في قصور أعمال العبد عن موافاة النعم ومكافأة العطايا وشكر الإحسان، وفي ضرورة الاشتغال بالحمد والاستغفار..
ثم الفكرة التي أراها لب الكتاب وغايته الكبرى: أن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وتوبع فيه، وأن العمل الصالح ما كان مخلصا فيه مستنا، ثم ذكر الحسنة بين السيئتين، وهو السداد بين الإفراط والتفريط، وذكر أن يجب أن يكون حرص المؤمن على الاقتصاد في الأعمال البدنية والاجتهاد في الأعمال القلبية..
ثم ذكر خير أوقات العبادة، وذكر فضل عبادة الليل، بعد أن أصل للعبادات بالكلام عن الأعمال القلبية..
ومن أحسن ما تكلم فيه إقبال الله على المقبل عليه، وعوائد الولاية، وذكر آثارا حسنة، وتكلم عن جناحي الإيمان الخوف والرجاء..
وختم بالكلام عن آية (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) وكان ختاما مناسبا لما افتتح به، فكلاهما يؤكدان على ضرورة قطع العبد اعتماده على عمله واتكاله عليه، وضرورة جعل الله محل إرادته، والانكسار بين يديه وابتغاء مرضاته،
ومناسبة لما كان قبلها لما مد الرجاء وذكر منازل سكان الحنان، فوازنه بالخوف بكلامه عن الحساب والموقف..
لو أقتبس كلمة واحدة، فهي أن "سئل بعض العارفين أي العمل أفضل؟ فقال: رؤية فضل الله"
ولو تأملت فيها لرأيت أن رؤية فضل الله تورث كل أعمال القلوب التي تنشط كل أعمال الجوارح، تورث المحبة والرجاء والخشية والشكر والصبر، والحرص على مرضاة البر المحسن الكريم الجواد بأصناف العبادات..
اللهم بصرنا بنعمك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك..