أنا أعتذر إن كانت هذه المراجعة طويلة قليلا ... لكن ماذا أفعل إن كان الكتاب أخذ قطعة من قلبي ... فظللت هائما على وحهي باحثا عنها حتى حالفني الحظ ووجدتها أخيرا
فما هذا؟, بحق من رفع السماء وجعلها ضياء وزينها نجوماً وبهاءً؟, حينما بدأت فيها حسبت أنها ليست إلا حكاية عابرة مثل أي حكاية, لكن هل خطرعلى بالي ولو لوهلة ماذا من الممكن أن يحدث ...
أظنك لم تفهم قصدي, فإذا تناها إلا بالك كلمة فنتازيا ستظن أنها ليست إلا مجرد هروب من وافعنا إلا عوالم خيالية براقة لا تحمل أدنى منسوب من الواقعية لكنها خولة حمدي يا عزيزي أرجوك استفق!
فهي كما العادة أبدعت في صياغة الصراعات والحبكات في القصة, فهو صراع بين طرفين ... هل حقا سينصاع آدم ويستقر في وطن أمه وقومه أم أنه سيرجع إلى عالمه المتحضر المنفتح,
هل سيختار الأنفة الغربية الإستعمارية السادية أم الهمجية -في نظره- الإنعزالية الخفية, هل هي إمانويل أم روان, هل سيختار نقسه وأمه أو سيختار شعبه وأمتة, وهل هم أمته حقا أم هم ليسوا إلا مجرد محطة عابرة من محطات حياته, ما رأي روان -نرجو أن تكون على قيد الحياة- في ما يجري أيضا ...
وهل فعل أشرف كل هذا من أجل زوجه فقط, وما رأي سكان "آرا"... هل تراهم يقبلون عرض الهجرة هذا أم أنهم سيحافظون على "المدرا" خاصتهم, وهل سيكتشفون أمر الغزو في الوقت المناسب , أم أن الوقت قد فات فعلا
وكذلك الشخصيات المثيرة حقا...
فماذا عن عصافير الحب آدم وروان...
آدم المخلص كما ينادوه أهل الجزيرة, عانى ويعاني وسيعاني على جميع الأصعدة, فهو يحمل من الهموم الكثير ويأخذ باعتبارانه حسابات أكثر وأشخاص أكثر وأكثر ... فهل يكون التقاطع ممكنا؟, هل يا ترى تتقاطع أحلامه واّماله وإمكانته وواقعة وأحبته في نقطة واحدة؟,هل تراه يقع في خطأ رنيم شاكر, أن يدرك أن التقاطع غير ممكن لكن بعد فوات الاّوان...
أو أن عليه أن يضحي بالبعض لينقذ البعض الاّخر, ومن هم أهل هذه التضحية برأيه؟, هل روان ستكون واجدة منهم.
لكنها هي , من هي؟ ربما هي المراة الحديدة في نظر الجميع فماذا إذا عن وجهة نظرها لنفسها, أين ترى نفسها وكيف تشعر حيال ذلك؟ ... هل هي البطلة المرتقبة التي ستغير تاريخ الجزيرة وتكتب صفحاته من جديد, هل تريد حقا أن تعيش من أجل الجميع لا من أجل نفسها فقط, ربما هي بطلة حقا ولكن لماذا يترك الإنسان المجد المحقق في وطنه ويخطط لذهاب في رحلات ومغامرات لا يضمن نتائجها؟
لكننها يا أصحابي ربما من من يقال فيهم "ونحن أناس لا توسط عندنا لنا الصدر دون العالمين أو القبر" فهي لا تريد حلا وسطا, أما أن تعيش بطلة الأبطال أو تموت هكذا بلا ذكر يقال.
وهل يمكننا أن ننكر شيئا على سليمان بن ابراهيم "النافيا"؟ ... صحيح أنه وصل إلى حافة الجنون , لكن جنون هذا العالم لا يقابل إلا بالجنون, فربما أنقذ جنونه الجزيرة من الزوال المحقق مرات ومرات. وكوتنا تافي هو الاّخر هل غلبته شهوة السلطة إلى هذا الحد؟, أن يستعمل الناس كأنهم أدوات لا قيمة لها من أجل مصالحة الخاصة ... أم أنه قد ظن نفسه فوقهم, كيف لا وهو صاحب الدم النقية, السلالة الذهبية التي عز نظيرها
وهل كوتنا عمار حقا هو المحدث الأمين على مصلحة شعبه؟, أم أنه يكن في نفسه ما خفي من المصالح الذاتية التي يريدها لنقسه ... لكنه في النهاية ليس العدو, أذا فهو صديق أليس كذلك؟ أم تراه يكون صنفا ثالثا لا نعلم ما كنهه بعد
كما حدجت الرواية بعض المعضلات الفكرية التي ستواجه أصدقاءنا في المستقبل.
فكيف ستكون ردة فعل أهل الجزيرة وهم المؤمنون الورعون المتدينون حينما يلقي آدم بحجر الحقيقة ليعكر صفو إيمانهم, إيمان مكتمل الوجدان لكنه ليس مكتمل الأركان. فهل يا ترى سيقعون في خطأ الأقوام السابقين؟, هل سيقعون في المكابرة والإعتزاز بنسخة أسلافهم الناقصة عنن الإسلام؟ ... وهل أن يكون أحدهم مرئيا دائما ... أن تكون هجينا أو مخلصا أو حتى مختلفا في مجتمعه في أي جانب من الجوانب, هل هذا يعول عليه دائما أن يكون مميزا في نشاطه أيضا؟ حتى تصبح رؤيته مرتبطة بشخصه المختلف لا باسمه أو لقبه أو شكله أو توجه فقط
ربما أظنني يا أعزائي على عكس كثير من القراءة لم يتسلل الخوف إلي حينما سمعت عن الإتجاه الإدبي الذي سيتخذ في هذه الرواية, لأنني أدرك حقيقة أنها لحاجة ما وقد تحققت هذه الحاجة حقا ... فهذه الرواية دعوة من الكاتبة لنا لكسر واقعنا هذا وخلق معادلات جديدة في هذه الحياة ...
فإلا متى, إلا متى ستبقى سطوة الرجل الأبيض هي المتحكمة فينا, تحدد مصائرنا وحاضرنا وماضينا؟, إلا متى سيظل قانون القدرة طابعا حاضرا في كوكبنا؟, إلا متى سنظل مقيدين بأحكام عرفية وقبلية أو تقاليد مشوهة تقتل روحنا وتأخينا ...
دعوة أرادت أن تصل إلينا نحن, أن تزرع قينا حب التغير, فماذا نكون إذا أحببنا التغير إلا زعماء وقيادين؟, إذا اسنثنينا المجانين طبعا ... فإذا نظرنا إلى الكتاب من زاوية مختلفة فإننا سنرى هذا واقعا, فما بين الرسائلة المختصة لشباب في زماننا هذا , "أكان مفعول الصلاة سحريا لهذه الدرجة" , "أرجوا أن تقرب هذه الرحلة وجهة النظر بينكما"
وعلى صعيد الطرح نفسه, حيث أن محصول المقتبسات من المتعارفات عليه في زماننا هذا كان وفيرا, كالإشارة إلي بعض ألعاب الفيديوا "ماينكرافت" وبعض الأفلام أيضا "المهمة المستحيلة", إضافة إلي الصورة التي تخللت القصة إثرائا لتجربة الفارئ وتذكره "بالقصص المصورة" التي تزخر بها الأسواق اليوم, أو حتى نمط الحياة ذاتها وطابعها ... فهي يا أحبائي لم تسقط الواقع في الخيال هكذا دون سبب , بل بل لتجبر القارئ على إسقاط وقائع حياته هو في عالم "اّرا".
فأليست قصتهم, قصة هذه الجزيرة, هذه الأرض التي تتمتع بخصال عجيبة من موارد وصفات وأشخاص وقدرات نسخير خارقة لقوى الطبيعة ... فماذا تظن من العالم ومن المستكشفين إلا أن يسارعوا في السيطرة عليها, أن يطمسوا تاريخها ويهدموا ماضيها, أن يمصوا دماء أبنائها ويسرقوا مواردها, أن يهجروا سكانها ويستوطنوا فيها, ثم يقولون لهم لا تقلقوا سوف تعودون إليها في وقت لاحق وسنعوضكم عن خسارتكم هذه.
لكنهم يعلمون ... وكل العالم يعلم ... حتى أن نجوم السماء تعلم, أنهم إذا خرجوا من جزيرتهم, فسيتشرد كل شعبهم في بقاع الأرض, وستهدر حقوقهم, ولن يرجعوا إلي وطنهم أبدا لأنه من يخرج من الجزيرة لن يقدر إلي العودة إليها مهما حصل. وهذا في أفضل الأحوال إن لم يبادوا مثل الهنود الحمر أو أن ترتكب فيهم المجازر البشعة مثل سكان فلسطين.
اّه فلسطين ... أليست تلك هي المنطقة التي طبق عليها العالم قانون القدرة ك"آرا"؟
أليست المدينة الفاضل حلما راود الناس منذ سنين ... تمنى أن يعيش تحت مظلة الحكماء في عالم فاضل في كل نواحيه, تعاملاته التجارية والأخلاقية وأدابه. لكن ماذا إن تحقق ذلك فعلا؟, فإن كان حكم الجزيرة يسير بطريقة فاضلة إشتراكية -كما نسميها في زمننا-, فلماذا ظهر بعض التمرد من السكان إذا؟, ألا يدل هذا على وجود ظلم بشكل من الأشكال؟
اصبر قليلا, فهل تظن النفس البشرية ستقوى على شهوات السلطة والحكم؟, على شهوات التجبر والإنفراد؟ فإن لم تكن هناك سلطة عليا رادعة فعليه فوق سلطة "الكوتنا" فكيف سيمنع الظلم إذا؟ ... وعمار من يظن نفسه أعلم أهل الجزيرة, لا يرتكب الأخطاء ولا يناقش في المسائل المهمة, حتى إن كانت هذه المسائل هي مصير شعب وأمة وحضارة بأكملها ...
حتى إن كان فعلا أعلم أهل الأرض حتى فستبقى الصورة في ذهنه ناقصة أن لم تكمل من منظور اّخر ...
ألا يذكرننا ذلك بحال الدول اليوم؟ ما بين ظلم للعبيد وإنفراد قي الحكم على مصير الشعوب؟
وحتى على صعيد مسببات بعض الأفعال المتهورة, فالحكماء يحكمون على الناس في الجزيرة بالموت لأتفه الأسباب فذلك بسبب مشاكل التعداد السكاني ولردع كل من تسول له نفسه ارتكاب جرم ما في المستقبل ... أما في عالمنا فيزجر كل انسان يغرد خارج السرب, وذلك منعا لهم لتكوين كينوناتهم الخاصة بهم, أو فقط لكي لا يجرؤا على التفكير أبدا ... التفكير بكل أشكاله وهيئاته ... التفكير كيفما كان وأينما كان.
فإذا أردت أن تقرأ يا صحبي لخولة حمدي, فعليك أن تستعد وتلبس كفنك, ثق بي فأن رحلتنا في مثل هذه الكتب ستكون محفوفة بالمخاطر.
ختاما...
أظنة كثرة الأسئلة في هذه المراجعة إذا دلت على شيء فأنه حتما أن هذه الرواية -كما العادة- قد نجحت في بعثة شتات أنفسنا ... أعادت ترتيب أوراقنا من جديد ...
بل أنها حقيقة نبشت هذه الأوراق ووجهتنا لصونها وترتيبها,لكي نمحص ما فيها من أفكار وأهداف ووجهات لنظر, فالأحداث التي شهدناها في الفترة الماضية كانت كفيلة بفتح مآتم قلوينا, الزوايا المظلمة التي خبأنا فيها أحزا��نا وأحزان أمتنا منذ عقود من الزمن.
فيا أحبائي ... أذا كنا قد عشقنا هذه الرواية ونريد أن نشكر الكاتبة على هذا العمل الرائع فما علينا إلا أن نعمل بما دعتنا إليه وأوصلتنا له من خلال منهجيتها العلمية المميزة, أن يجلس كل واحد منا مع نفسه ليعي ما عليه تجاه هذا العالم وهذه الأمة ... أن يسعى جاهدا لتغير نفسه قبل أن يحاول تيغير محيطه, فإن كان هذا العالم لا يستحق بأن ��ضحي بكل شيء في سبيله من وجه نظر روان, فسنضحي بكل شيء من أجل خلق عالم يستحق أن نضحي فيه بكل شيء ...
فإن كان اّدم سيغير العالم في الأجزاء القادمة من "سماء بلا ضياء"-إن شاء الله- فلماذا لا نسارع نحن بإنجاز مهمتنا في تغير أنفسنا قبل أن ينتهي من مهمتة, ولنرى من سيفوز في هذه المنافسة, من سينجح في مهمته أولا.
لا أخفي عليكم أخوتي أنني أظن أنني سرحت بعيدا في هذه المراجعة, فربما هي في النهاية للكثيرين ليست بكثير ... لكنه القلم الذي يكتب والعقل الذي يفكر ويحلل, لا سلطة لي عليهما فأرجوا أن تعذروا تقصيرهما فهم دائما مقصرنا في كثير من الجوانب ...
وكما العادة في كل كتب خولة حمدي حينما أفكر في أي كتاب منهم فلا يسعني التفكير إلا في عبارة واحد أو في جملة تصف هذه التجربة ... فأما "سماء بلا ضياء" فلا أجد أجمل من حديث ربي " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ"؟
فأما اّن لقلوبنا أن تخشع ... وللساننا أن يصدع ... ولحالنا أن يسمع ... أن نفوسنا إذا قامت ... فأنا لظلم أن لا يركع