الانتصار لأهل الأثر السؤال عن مذهب السلف في الاعتقاد ومذهب غيرهم ما الصواب منهما؟ وهل أهل الحديث أولى بالصواب من غيرهم؟ وهل هم المراد بالفرقة الناجية؟ وهل حدث بعدهم علوم جهلوها وعلمها غيرهم؟ وما القول في المنطق؟ وهل من قال إنه فرض كفاية مصيب؟ مقدمة الجواب وأن هذه المسائل يحتمل بسطها مجلدات دلالة القرآن على لزوم اتباع سبيل المؤمنين وأن المراد بهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان سبيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان في الإيمان بأسماء الله وصفاته الاستدلال على مذهبهم في هذا الباب وبعض الآثار الواردة عنهم أثر عمر مع صبيغ بن عسل أثر مالك بن أنس في جواب الاستواء قول محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قول إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في مذهب أصحاب الحديث قول سعيد بن جبير قول الشافعي قول الحسن البصري ومطرف بن عبد الله قول سحنون قول عبد الله بن الزبير الحميدي اعتراف أكابر المخالفين بأن مذهب السلف إثبات الصفات دون تأويل قول عبد العزيز بن عبد الله الماجشون في لزوم السنة وهدي السلف فصل في أن السلف أعلم وأحكم وأن مخالفهم أحق بالجهل والحشو أهل الحديث يشاركون كل طائفة في صفات الكمال ويمتازون عنهم شهادة المؤمنين لأهل الحديث وتعظيمهم لهم إنما ينبل العلماء والطوائف عند الأمة باتباعهم للحديث من حسنات المعتزلة والشيعة والمتكلمين التي وافقوا فيها الحديث سبب اتباع بعض الناس لأبي الحسن الأشعري ودفاعهم عنه الرد على أهل البدع من جنس الجهاد حمد الناس وذمهم بحسب ما وافقوا فيه الشرع أو خالفوه سبب ذم السلف والأئمة لأهل الكلام اهتمام كثير من الملوك بجهاد أعداء الدين ولعن أهل البدع فتوى العز بن عبد السلام في عدم لعن الأشعرية حال متقدمي الأشعرية والحنابلة قبل وقوع الفتنة القشيرية تفاوت تعظيم الأشعرية بحسب موافقتهم للسنة والحديث موافقات أبي محمد بن حزم للحق والسنة ومخالفاته كلما ظهر الإسلام قويت السنة وكلما ظهر الكفر قويت البدع بعض الشواهد التاريخية على هذه القاعدة الدولة العباسية وصنيع المأمون في تعريب كتب اليونان عز الإسلام والسنة أيام الخليفة المتوكل عهد الخلفاء المعتضد والمهتدي والقادر دولة بني بويه ومملكة محمود بن سبكتكين دولة السلطان نور الدين بالشام رجوع المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث شهادة جميع الطوائف لهم بأنهم أقرب إلى الحق المقابلة بين أهل الحديث وأهل الكلام عيب بعض أهل الحديث بالاحتجاج بالموضوعات وعيبهم بعدم فهم الأحاديث الصحيحة كل شر يكون في أهل الحديث فهو في غيرهم أعظم فضول الكلام الذي لا يفيد هو في أهل الكلام أكثر أتباع الأئمة من أهل الملك والعلم المخالفين للرسل أعلم الناس بآثار المرسلين وأتبعهم لهم هم أهل السعادة أهل السنة والحديث هم الطائفة الناجية من هذه الأمة الفلاسفة والمتكلمون من أعظم بني آدم حشوًا وقولًا للباطل مناظرة المصنف وهو صغير لأحد المشغوفين بهم أهل الكلام والفلسفة أعظم الناس شكًّا واضطرابًا إخبارهم عن أنفسهم بالحيرة وعدم الهدى في طريقهم ما أوتيه علماء أهل الحديث وعامتهم من اليقين والهدى جزم عوام أهل الحديث بالعلم غير جزم الهوى والفرق بينهما حصول العلم في النفس بالأسباب كحصول سائر الإدراكات ما ينزله الله على قلوب عباده من العلم والقوة أثر ابن مسعود في أن للملك لمَّة وللشيطان لمَّة ومعناه تنازع المتكلمين في وجه حصول العلم في القلب عقب النظر زعم المتفلسفة حصول العلم بالعقل الفعال وأنه جبريل النظر المفيد للعلم والهدى وسبيل ذلك الناظر في المسألة يحتاج إلى شيئين ذكر الله وما يحصل به للعبد من الإيمان والعلم الموازنة بين طريقي أهل العبادة وأهل النظر في الوصول إلى الحق إحساس الإنسان بالعلم وحصوله في قلبه مثل ما بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم تعليم العلم من أعظم النفقة والصدقة والهدية إخبار أئمة المسلمين بما عندهم من اليقين والطمأنينة والعلم حكاية الرازي والمعتزلي مع نجم الدين الكبرى حكاية الجويني والهمذاني في إثبات العلو بالفطرة طريقة أهل البدع في طرد قياسهم وإن خالف النصوص الاستحسان ومخالفة القياس مسلك زفر في طرد القياس والفرق بينه وبين أصحابه في ذلك حال متكلمة أهل الإثبات مع متكلمة النفاة في طرد القياس حال الظلمة ومن أعانهم في طرد الظلم، وحقيقة الظلم والقسط أهل الكلام أكثر الناس انتقالًا بين الأقوال بخلاف أهل السنة ثبات المؤمنين على الحق وصبرهم على البلاء أهل الكلام أعظم الناس افتراقًا وأهل السنة بخلافهم المعتزلة أكثر اتفاقًا من المتفلسفة المتكلمون من أهل الإثبات أكثر اتفاقًا من المعتزلة البعد عن اتباع الأنبياء سبب الافتراق والاختلاف المخالفون لأهل الحديث مظنة فساد الأعمال وجود الردة والنفاق في أهل الكلام زعم المتكلمين أن أهل السنة ليسوا أهل نظر واستدلال الرد عليهم وما وقع في لفظ النظر ونحوه من الاشتراك عامة الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب والسنة من أين أُتِي الاتحادية والجهمية في أقوالهم الباطلة جعلُ متفلسفة المتكلمين بعض ضلالهم من الأسرار المصونة تفسير حديث المعراج للرازي حال الغزالي في هذا الباب وسبب ذلك نسبة كتاب المضنون به على غير أهله اضطراب الغزالي وأمثاله وقول ابن الصلاح فيه ردود علماء المسلمين على الغزالي طرق الخارجين عن طريقة السابقين الأولين في كلام الرسول طريق أهل التخييل من الفلاسفة والباطنية طريق أهل التأويل من المتكلمين الجهمية والمعتزلة طريق أهل التجهيل تعدد الاصطلاحات للفظ التأويل ومعانيه الثلاثة الرد على أهل التجهيل قلة معرفة المتكلمين بالحديث وآثار السلف اعتراف الخارجين عن مذاهب السلف عند الموت أو قبله بخطئهم تثبيت الله العبد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة مثل الكفر والجهل المركب، والكفر والجهل البسيط، في القرآن دعوى بعض الناس الاختصاص بالحقائق والأسرار دعاوى الصوفية ...
أَبُو العَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ النُّمَيْرِيُّ الحَرَّانِيُّ الدِّمَشْقيُّ (661- 728 هـ / 1263- 1328 م) المشهور بلقب شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة. هو عالم مسلم؛ فقيه مجتهد ومحدِّث ومفسِّر، من كبار علماء أهل السنَّة والجماعة. وأحد أبرز العلماء المسلمين في النصف الثاني من القرن السابع والثلث الأول من القرن الثامن الهجري. نشأ ابن تيميَّة حنبلي المذهب فأخذ الفقه الحنبلي وأصوله عن أبيه وجدِّه، وصار من الأئمَّة المجتهدين في المذهب، يفتي في العديد من المسائل على خلاف معتمد الحنابلة لما يراه موافقًا للدليل من الكتاب والسنَّة ثم لآراء الصحابة وآثار السلف.
وُلد ابن تيميَّة سنة 661 هـ / 1263 م في مدينة حَرَّان لأسرة علمية، فأبوه الفقيه الحنبلي عبد الحليم ابن تيمية وأمُّه «سِتُّ النِّعَم بنت عبد الرحمن الحَرَّانية»، ونشأ نشأته الأولى في مدينة حَرَّان. ثم عند بلوغه سنَّ السابعة هاجرت أسرته إلى مدينة دمشق بسبب إغارة التتار على حران، وكان ذلك في سنة 667 هـ. وحين وصول الأسرة إلى هناك بدأ والده عبد الحليم ابن تيمية بالتدريس في الجامع الأموي وفي «دار الحديث السُّكَّرية». نشأ ابن تيمية في دمشق على طلب العلم، ويذكر المؤرِّخون أنه أخذ العلم من أزيدَ على مئتي شيخ في مختلِف العلوم، منها التفسير والحديث والفقه والعربية. وقد شرع في التأليف والتدريس في سنِّ السابعة عشرة. بعد وفاة والده سنة 682 هـ بمدَّة، أخذ مكانه في التدريس في «دار الحديث السُّكَّرية»، إضافة إلى درسِه في تفسير القرآن الكريم بالجامع الأموي، ودرَّس «بالمدرسة الحنبلية» في دمشق.
الحقيقة أن الكتاب يدل على عقلية ابن تيمية رحمه ﷲ النقدية الفذة، وقد استوقفتني هذه العبارة التي خطها في ثنايا الكتاب والتي هي ربما كانت مصدر قوته النقدية، حيث قال في ص٣١٥: "فلا يُغلِّط العاقل نفسه في ذلك لهيبة التقليد لهؤلاء الذين هم من أكثر الخلق ضلالا ودعوى للتحقيق" يعني الفلاسفة والمنطقيين. فكم من مهتدٍ ضلّل نفسه بسبب هيبته لمن ظنهم أعلم وأفهم منه؟! وكنت قد بدأت في القراءة والاطلاع على المنطق، لكن بعد قرائتي لهذا الكتاب، خفّ شغفي به ورأيت مثالبه التي كانت هيبة المنطقيين تجعلني أغلط نفسي وأنا أقرأ لهم. والكتاب يصلح إهداء لكل من فُتن بالمنطق واستخف بأهل الأثر.
وصف المؤمنين المؤمنين في أول البقرة بأنهم : 《 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 》
وينقل ابن تيمية عن الحسن البصري تعليقاً ينطبق على جميع كتب ابن تيمية يقول ابو سعيد ( وأعظم النفقة نفقة العلم )
أما الكتاب ففيه من الثراء ما يُسعد القلب والكلام عن المنطق بدأ من الصفحة ٢٦٥ الى نهاية الكتاب ٣٤١ اما ماقبلها فثريّة للغاية تبين سعة ذكاء ابن تيمية رحمه الله تعالى
مدخل: محور الكتاب وسؤاله الجوهري ينعقد كتاب ابن تيمية "نقض المنطق" على الإجابة عن سؤال مركزي: هل منهج السلف وأهل الحديث أولى بالصواب من غيرهم؟ وهل هم المراد بالفرقة الناجية؟ مختوماً برأيه في المنطق وما ورد حوله من القول بأنه فرض كفاية. وهذا السؤال في جوهره سؤال معرفي منهجي، يتعلق بمصادر التلقي وضوابط المعرفة الصحيحة.
أولاً: مصادر المعرفة الصحيحة — منهج أهل السلف يدلف ابن تيمية إلى إثبات صحة منهج أهل السلف من باب الاحتجاج بالصحابة ونهجهم، فيبيّن أن منهجهم قام على الإيمان بصفات الله وأسمائه من غير زيادة ولا نقص ولا تأويل ولا تشبيه، وإمرارها كما جاءت وردّ علمها إلى قائلها. وهذا في حقيقته تحديد لمصدر المعرفة الصحيحة في باب العقيدة: الوحيُ أصلٌ والعقل تابع لا متقدم. ثم يشير إلى أسباب ظهور منهج أهل الكلام، ومنها: تعريب كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم، أي أن الانزياح المعرفي بدأ بدخول مصادر أجنبية غريبة عن الوحي.
ثانياً: نقد منهج أهل الكلام — خلل في الميزان المعرفي أ — التهمة الملصقة بأهل الحديث والرد عليها: اتُّهم أهل الحديث بـ"الحشو"، أي أنهم يحملون أقوالاً غير مفيدة أو لا يفهمون ما يقولون. وأرجعوا ذلك إلى أحد أمرين: إما زيادة أقوال غير مفيدة كالأحاديث الموضوعة، وإما أقوال مفيدة لكنهم لا يفهمون معناها. ويردّ ابن تيمية بأن ما في أهل الكلام والمنطق أضعاف أضعاف ما هو في أهل الحديث؛ فإزاء احتجاج أهل الحديث بالحديث الضعيف أحياناً، يحتج أهل الكلام بالحدود والأقيسة العقيمة الكثيرة التي لا تفيد معرفة. وإزاء تكلم بعضهم بأحاديث لا يفهمون معناها، يتكلف أهل الكلام من القول بغير علم ما هو أعظم وأكثر. وقد قرر الإمام أحمد: "ضعيف الحديث خير من رأي فلان." ثم يضيف فارقاً جوهرياً: ما يقوله أهل الحديث مما قد لا يفهمه بعضهم هو في نفسه حق، أما المتكلمون فيتكلفون من القول ما لا يفهمونه ولا يعلمون أنه حق. وأهل الحديث لا يستدلون بضعيف الحديث في نقض أصل عظيم من أصول الشريعة وإنما في تأييده، بينما يحتج أهل الكلام بالحدود والمقاييس الفاسدة في نقض الأصول الحق الثابتة. ب — الاضطراب الشخصي دليل على خلل المنهج: يستدل ابن تيمية على تهافت منهج أهل الكلام بسماتهم الشخصية المضطربة، فهم أعظم الناس شكاً وأضعفهم علماً ويقيناً، وهو حال يشتركون فيه مع فلاسفة كل عصر، إذ "من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقّل."
ثالثاً: ضوابط المعرفة الصحيحة — النظر في الدليل الهادي هنا يبلغ ابن تيمية قمة بحثه المعرفي، فيفرق بين نوعين من النظر: النظر في دليل هادٍ كالقرآن: إذا كان سالماً من معارضات الشيطان تضمّن العلم والهدى. النظر في دليل مضل: إذا اعتقد الناظر صحته صار في قلبه اعتقاد فاسد، وهو غالب شبهات أهل الباطل. بل ربما خطر له بسبب ذلك النظر أنواع من الشبهات يحسبها أدلة، لفرط تعطّش القلب إلى معرفة حكم المسألة. ويضرب لذلك مثلاً بليغاً: "فالناظر في الدليل بمنزلة الرائي للهلال، قد يراه وقد لا يراه لعشًى في بصره." فالناظر في المسألة يحتاج إلى أمرين معاً: أن يظفر بالدليل الهادي، وأن يهتدي به وينتفع. وهذا التفريق بين نيل الدليل والاهتداء به والانتفاع به من أدقّ ما أشار إليه ابن تيمية في هذا الكتاب معرفياً. ولذلك أمر الشرعُ بما يُنزل على القلب الأسباب الهادية ويصرف عنه الأسباب المعوّقة: "وهو ذكر الله والغفلة عنه، فإن الشيطان وسواس خنّاس، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا غفل عن ذكر الله وسوس." ومن أبرز ما يتصل بمصادر المعرفة عند ابن تيمية: الفطرة، وهي عنده مصدر معرفي أصيل لا يُستغنى عنه، لكنه مصدر مجمِل لا مفصِّل. وقد صرّح بذلك في قوله: "فإن الفطرة تعلم الأمر مجملاً، والشريعة تفصّله وتبيّنه، وتشهد بما لا تستقل الفطرة به." فالفطرة إذن تُدرك الكليات: وجود الخالق، وحسن العدل وقبح الظلم، والميل إلى الحق. لكنها لا تستقل بالتفاصيل ولا بالأحكام الجزئية، فتأتي الشريعة لتُتمّ ما أدركته الفطرة مجملاً وتبني عليه. وهذا يُرتّب عند ابن تيمية تراتبية مصادر المعرفة على النحو التالي: • الفطرة: مصدر فطري أوّلي يُدرك الكليات. • الوحي: مصدر إلهي يُفصّل ما أجملته الفطرة ويُثبت ما لا تستقل به. • العقل: أداة تابعة تعمل في ضوء الوحي وتنظر في مخلوقات الله لتصل إلى المعلوم من المعلوم. وفي هذا التراتب ردٌّ ضمني على المنطق الأرسطي الذي جعل العقل مصدراً مستقلاً كافياً، وردٌّ على التجريبية التي أسقطت الفطرة والوحي معاً.
رابعاً: جوهرية العلاقة بالله في العملية المعرفية يكشف هذا الموضع من الكتاب عن فارق جوهري بين المنهج الشرعي والمناهج الغربية الوضعية: في المنهج الشرعي: العلاقة بالله ركن في المعرفة لا زائد عليها، فالعبد مفتقر إلى الهدى سائل له: "يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم." وكان النبي ﷺ يقول: "اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك." "فإن الفطرة تعلم الأمر مجملاً، والشريعة تفصّله وتبينه، وتشهد بما لا تستقل الفطرة به." يتبين لك مما سبق الفارق الجوهري بين المنهج الشرعي في التلقي المعرفي والمنهج الغربي تجريبياً كان، أو منطقياً؛ حيث تظهر جوهرية علاقة العالِم بالله وأثر الشيطان على معرفته، وأنهما أمران لا ينفكان عن العلم ذاته.
ويختم ابن تيمية بنص جليل يبيّن العلاقة بين الذكر والتفكر: "ومتى كان العلم مستفاداً بالنظر فلا بد أن يكون عند الناظر من العلم الثابت في قلبه ما لا يحتاج حصوله إلى نظر، فيكون ذلك المعلوم أصلاً وسبباً للتفكر الذي يطلب به معلوم آخر، ولهذا كان الذكر متعلقاً بالله لأنه الحق المعلوم، وكان التفكر في مخلوقاته."
خامساً: مجالات المعرفة وحدود كل مصدر لا يكتفي ابن تيمية بتحديد مصادر المعرفة، بل يُحدد مجالات كل مصدر وحدوده. المجال الأول — العقيدة والغيبيات: هنا الوحي حاكم مطلق، والعقل تابع لا متقدم. فلا يصح في هذا الباب أن يُقدَّم قياس عقلي أو حدّ منطقي على نص صريح. وهذا هو جوهر إثباته لمنهج السلف في الإيمان بالصفات من غير تأويل ولا تشبيه، إذ التأويل في حقيقته تقديم للعقل على الوحي في مجال لا يُؤمَن فيه على العقل من الزلل. المجال الثاني — النظر في المخلوقات: هنا العقل أداة مشروعة بل مأمور بها، لكن بشرطين: أن يكون النظر في دليل هادٍ لا مضلّ، وأن يكون القلب سليماً متصلاً بالله. والآية الجامعة لهذا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فجَمَعت بين الذكر والتفكر وجعلتهما متلازمَين. المجال الثالث — الأحكام الشرعية العملية: هنا يعمل العقل بأدواته الاجتهادية كالقياس والاستنباط، لكن في إطار النص لا خارجه، وبضوابط الأصول لا بالمنطق الأرسطي. وهذا هو الفارق بين القياس الشرعي المبني على علّة مستخرجة من النص، والقياس المنطقي المبني على حدود ومقدمات يضعها العقل بنفسه. الخلاصة المعرفية: المنهج الشرعي لا يرفض العقل بل يضبط مجاله، ولا يرفض النظر بل يشترط سلامة أداته وصحة منطلقه. وفي هذا يختلف اختلافاً جذرياً عن المنطق الأرسطي الذي يجعل العقل حاكماً في جميع المجالات بلا استثناء، وعن التجريبية التي تحصر المعرفة في المحسوس، وعن العقلانية الديكارتية التي تجعل الشك منهجاً والعقل المجرد مصدراً أولاً.
سادساً: الرد على دعوى تفوق الفلاسفة على الرسل — مسألة مصادر المعرفة الخبرية يتناول ابن تيمية استيعاباً تاماً لجميع الوجوه الممكنة في موقف الفلاسفة من الوحي: هل علم الرسل الحقائق الخبرية والطلبية أم لم يعلموها؟ وإن علموها فهل أمكنهم بيانها؟ وإن أمكن فهل للعامة أم للخاصة فقط؟ وينتهي إلى أن القول بأن الفلاسفة والمتكلمين أعلم بالحقائق من الرسل هو قول الزنادقة والمنافقين، وأن دعوى أن السابقين الأولين كانوا دون المتأخرين في العلم والإيمان من مقالات الزنادقة، إذ المسلمون متفقون على أن هذه الأمة خير الأمم وأكملها.
ثم يذكر مقدمتَي الزندقة: • الطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين. • الطعن في إفادة الأخبار للعلم. مبيّناً أن الزنادقة يقدحون تارة في النقل وهو قول جهّالهم، وتارة في فهم الرسالة وهو قول حذّاقهم.
سابعاً: الموقف من المنطق — هل هو فرض كفاية؟ يُقرر ابن تيمية أن ما قد يُعدّ نفعاً للمنطق عند بعض الناس ليس دليلاً على صحته بل هو دليل على سوء حالهم قبله: "ففي الجملة: ما يحصل لبعض الناس من شحن ذهن أو رجوع عن باطل أو تعبير عن حق فإنما هو لكونه كان في أسوأ حال، لا لما في صناعة المنطق من الكمال." ويضرب مثلاً: "من المعلوم أن المشرك إذا تمجّس والمجوسي إذا تهوّد حسنت حاله بالنسبة إلى ما كان فيه قبل ذلك، لكن لا يصلح أن يُجعل ذلك عمدةً لأهل الحق المبين." وخلاصة موقفه: المنطق صناعة قليلة المنفعة عظيمة الحشو، مشتملة على أمور فاسدة ودعاوى باطلة، ولا يصح نسبة وجوبه إلى شريعة الإسلام بوجه من الوجوه. بل إن كثيراً مما فيه كالقياس ينعقد في النفس بدون تعلّم هذه الصنعة، كما ينطق العربي بالعربية بدون تعلّم النحو. وقد ذكر ابن تيمية في غير هذا الكتاب، وأشار إلى المواضع التي دخل بها على كثير من الناس الخطأ والضلال عن طريق المنطق. وذكر بشكل مجمل، جامع، مانع، عدة أوجه في الرد على المنطقيين تجاوزت العشرين وجهاً.
خاتمة: الخلاف خلاف منهج يتبيّن في ختام الكتاب أن ابن تيمية نقض المنطق بالانتصار لأهل الأثر، وانتصر لأهل الأثر ببيان تهافت منهج أهل الكلام، فكان في إثبات صحة أحدهما إثباتاً لبطلان الآخر. والخلاصة: أن الخلاف خلاف منهج ومذهب وتفكير، وما ذكره ابن تيمية من وصف منهج أهل الأثر وغرمائهم ينطبق بالضرورة على كل منهج علمي اليوم يرفض منهجهم أو يدّعي تفوقه عليه.
قدم المحقق مقدمة مهمة حول موضوع الكتاب واسمه الشائع لا بد من قراءتها، ووجه الترجيح عنده ظاهر جدا في مضمون الكتاب. في الحملة دفع شيخ الإسلام عن أهل الحديث ورد على مخالفيهم من الفلاسفة والمتكلمين، وهو جل الكتاب، ثم في الربع الأخير رد مجملا على من يفخم شأن المنطق عموما ومفهوم الحد والقياس عند المناطقة خصوصا
كتاب ماتع ينتصر فيه شيخ الإسلام لأهل الحديث ويرد عنهم الإفتراءات والشناعات التي يلصقها بهم خصومهم من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم, ويبين بالدلائل الشرعية والعقلية كيف أنهم هم الأحق بتسمية الطائفة المنصورة إلى يوم الدين
تتبع فكر الرجل مسألة شاقة جداً ، كما هو معلوم أنه لم يُملِ كتباً بل كان السائل يأتي إليه فيجيبه فيما يشبه الفتوي ، و التي قد تمتد ليدونها أحد تلامذته في مئات الصفحات . هنا تجد التكرار و الطريقة الوعظية تغلب البناء النسقي و يجعل تتبعه مهمة عسيرة ، بالإضافة إلي أن التيار السلفي متحفظ دائماً في آرائه العقدية و يتجنب الخوض في المسائل الكلامية . لكن تكفي ذكر إقتباسته التي نقلها عن الشافعي في صفات السلف لتكشف عن فكره بشكل أولي : " هم فوقنا في كل علم و عقل و دين و فضل ، و كل سبب يُنال به علم أو يُدرك به هدي ، و رأيهم لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا "
علي أمل عودة أخري لمعرفة سر السلطان الكبير الذي يتمتع به شيخ السلفية الأكبر ...