تعلن رواية كلاب أصدقائنا الأغنياء عن نفسها في خجل، بفصول أولى بطيئة كأنها الخواطر. ثمّ، ما إن تتشكل ملامح شخصياتها الرئيسية، حتى تتدفق أحداثها فتبلغ ذروة نسقها عند سطور النهاية نفسها. تشبه في ذلك، شخصيّتها الرئيسية، وراوية الأحداثِ، ولعلّها تشبه أيضا كاتبة الصفحاتِ، سهى بختة الّتي أكتشف قلمها لأوّل مرة. في هذه السطور، خجل البدايات، وخجل الخوف من الادّعاء. وفيها انطوائيّة لطيفة تأخذ القارئ إلى أعماق الذات وألوانها السبعة المتباينة، كبرناندو شوارس في كتاب اللاطمأنينة.
تخونها العبارة في أحيان كثيرةٍ، وتسيء الاستفادةَ من جزالةِ اللغةِ وتكسَل ربما عن التأني وطلب البساطة، ولكنّها موفّقة في تشبيهاتها واستعاراتها في أغلب الأحيان، ولها عبارات بديعة حقا. والكتاب برمّته وعدٌ بكاتبة كبيرة ولا شكّ، إن هي ألزمت نفسها حزما أكبر مع المتانة اللغوية.
فخلف اللغة واستعاراتها، نتلمّس بناءً روائيا بديعا بلا شكّ، تسيرُ داخله الشخصيّةُ الرئيسيةُ وتتجوّلُ بين طوابق ثلاثة: طابق الصراع الفرويديّ، وطابق الصراع الطبقيّ، وطابق الصراع مع الموت. وهي تقريبا المواضيع الرئيسية لأمهات القصص والحكايات منذ بدء الخليقة. ولكنّ سهى تمزج بين ثلاثتها ببساطة طبيعيّة، فلا نكاد نشعر بها. تبدأ حديثها بالقبور الخضراء، وتنتهي بالقبور أيضا. وبين الزيارتيْن، تكتشف البطلةُ الّتي تضع خطواتِها الأولى في الجامعة، وفي الطبّ، وفي الواقعِ، عالمَ الجنسِ وعالمَ الأثرياءِ.
وبدل الصّدمةِ والقطيعةِ، كان الاكتشافُ كنزولٍ تدريجيٍّ في مياه البحرِ، صامتا فضوليّا أصيلا، فجاءَت المقابلاتُ الواضحة بين عالم الأغنياءِ وعالمِ البسطاءِ، خاليةً من التكلّفِ، في أغلب الأحيانِ. وجاءت مراحلُ قصة التجربة الجنسيّةِ متمهّلةً منثورةً على فصول الروايةِ كمراحلِ نموّ طبيعيٍّ لزهرة قرنفلٍ.
قد يرى القارئُ بعض الاستفزازِ في العنوانِ، فيرى فيه، مثلا، رغد حياةِ كلاب الأغنياءِ التي قد نحسدُها (نحن البسطاء) عليها... والحقيقةُ أنّ هناك شيئا من "الحقد الطبقيّ" في الروايةِ، فلا تخفي البطلةُ رغبتها العميقةَ في حياةِ ليلى وكمال رغم كلّ ما تظهرُه من تعفّف وإباءٍ. ولا تخفي أيضا سخريتها من العائلة كلّها (وخصوصا آدم)، ورغبتها في أن تنتقم من إحساس الذلّ والصغارةِ. ولا أستبعد رغبة البطلةِ الدفينة بقتل الكلب جاك، هذا الكلب المدلل الذي عاش أكثر من جدّها، في مستوى من جودة الحياةِ، لم تعرف مثله قطُّ. وهاهي في الختام تنتقم ببراعة كبيرةٍ من أصدقائنا الأغنياءِ وسلطة المالِ، بإنقاذِ آدم من الموتِ بسلطةِ الميدعةِ.
لكنّ للكلاب أيضا دلالة أخرى داخل النصِّ، فجاك هذا الكلب المعمّر، صورةٌ أيضا، لطفولةِ البطلةِ وبراءتها المطلقة، ومعاناتها أيضا. وفي موتِه موتٌ لطفولتِها، وإعلانٌ عن مرحلةٍ جديدةٍ من حياتِها. ألم ترتمِ خلفه في الماءِ ويخرج كلاهمَا كُنها جديدا؟ ألم تتسبّب تجربتها الجنسية الأولى بشكل ما في هروبِهِ؟ هكذا تحكي لنا سهى بختة قصّة انتقالِ بطلتِها إلى عالم البلوغِ. حتّى إن كمال، أقربُ إلى فرسان الأحلامِ منه إلى الشخصيات الطبيعية الواقعية الواضحة المعالمِ. بل هو تنويعة لصاحب الظلّ الطويل الذي يلازم الفتياتِ في تلك المرحلة العمريّةِ. وقد أجادت الكاتبةُ تسريبَهُ إلى بنائها الطبقيّ المتوازنِ والطريفِ، فلم يعترِهِ أي ابتذالٍِ.