إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:
فإن البشرية اليوم على وجه الأرض، على اختلاف الديانات والعقائد، وتعدد القناعات والرغبات والأهواء، يفعلون الأفعال، ويتصرفون التصرفات، اعتقادا منهم أنها تحقق سعادتهم، فمن بين مخطئ ـ وما أكثرهم ـ ومصيب ـ وما أقلهم ـ محققق لسعادة لحظية يعقبها شقاء طويل، هذا في الدنيا فضلا عن عذاب الآخرة، وهم بذلك يستحقون الرثاء والحزن والبكاء عليهم، كيف الضلال والطريق واضح؟ وما هذا الاعوجاج والصراط مستقيم؟.
فإنه لا حياة للقلوب ولا سعادة ولا استقرار إلا بالاخلاص لله تعالى، ولكن يطيب لنا أن نقول لمن اجتهد للسعادة بغير الاخلاص بهذا القول الطيب: إذا لم يكن من الله عون الفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده وبقدر ما ينشغل العقل في إيجاد السعادة بغير الاخلاص لله تعالى، بقدر ما يشقى صاحبه ويتعذب.
هل غاب عن الناس أن الاخلاص لله تعالى ينجي الأبدان والنفوس من كل عذاب؟ ليست هذه كلمات تقال بل إنها تجربة حاضها أفضل الناس وأشرفهم، خاضها الرسل والأنبياء.. خاضها الصحابة والتابعون، ففازوا وأفلحوا ونجحوا في الحياة الدنيا، وأما في الآخرة، فلم تر عين ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر. كانت الضرورة ـ فيما رأيت ـ ملحة لإخراج هذا الكتاب لتبيان فضل الاخلاص وصوره، وخطر الرياء وطرق معالجته، الى غير ذلك مما وجدته نافعا.
وشأني في هذا الكتاب ـ كما في غيره الآن ـ أن لا أروي إلا الصحيح الثابت ـ معتمدا على تحقيق وتخريج أهل الحديث له ـ لأحقق الغرض الذي من أجله فكرت التأليف.
وإنني لأتقدم بالشكر الجمّ لشيخي الفاضل محمد ناصر الدين الألباني ـ حفظه الله تعالى ورعاه ـ فإنه قدّم لي ما طلبته من أحاديث تتعلق في موضوعنا، من تخريجه وتحقيقه للترغيب والترهيب للمنذري.
كما أنني أتقدم بالشكر لكل اخواني الذين ساهموا في إخراج هذا الكتاب وبمختلف المجهودات الطيبة، جزاهم الله خيرا.
نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وأن يحقق بهذا الكتاب نفعي يوم القيامة وأن يقيني به يوما عبوسا قمطريرا.
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الأول في الإخلاص لله تعالى
ماذا يشترط للعمل حتى يقبل؟: قبل أن تخطو خطوة واحدة ـ أخي المسلم ـ عليك أن تعرف السبيل التي فيها نجاتك، فلا تتعب نفسك بكثرة الأعمال، فرب مكثر من الأعمال لا يفيده إلا التعب منها في الدنيا والعذاب في الآخرة ومن مثل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:" رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر" رواه ابن ماجه عن ابي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 3482، فلتعلم قبل كل شيء ماذا يشترط للأعمال حتى تقبل، لا بد من أمرين هاميّن عظيمين أن يتوفرا في كل عمل وإلا لا يقبل:
أولهما: أن يكون صاحبه قد قصد به وجه الله عز وجل. ثانيهما: أن يكون موفقا لما شرعه الله تعالى في كتابه، أو بيّنه نبيّه في سنته.
فإذا اختلّ واحد من هذين الشرطين لم يكن العمل صالحا ولا مقبولا ويدل على هذا قوله تبارك وتعالى:{ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}سورة الكهف 110، فقد أمر الله سبحانه وتعالى أن يكون العمل صالحا أي: موافقا للشرع، ثم أمر أن يخلص به صاحبه لله، لا يبتغي به سواه.
قال الحافظ إبن كثير في تفسيره: (وهذان ركنا العمل المتقبل: لا بد أن يكون خالصا لله تعالى، صوابا على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي مثل هذا عن القاضي عيّاض رحمه الله وغيره).
الأمر بالإخلاص والتحذير من الرياء والشرك: اعلم ـ أخي المسلم ـ أنه لا بد للأعمال من نيّة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" دزء من حديث في الصحيحين.
ولا بد من الاخلاص لله في النية لقوله سبحانه وتعالى:{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة}. سورة البيّنة 5.
وقال تعالى:{ قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله} آل عمرن 29، وقد حذر الله تعالى من الرياء فقال سبحانه:{ لئن أشركت ليحبطن عملك} الزمر 65. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند تلبيته للحج:" اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة" رواه الضياء بسند صحيح.
وحذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيرا شديدا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى يعرفه نعمته فعرفها، قال فما عملت فيها: قال قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم! وقرأت القرآن ليقال: قارئ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: جواد! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على زجهه حتى ألقي في النار". رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه" رواه مسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من تعلم علما يبتغي به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" رواه أبو داود...