Jump to ratings and reviews
Rate this book

هذه الذات ليست لك، صدوع ديكولونياليّة

Rate this book
من أجل ذلك يبدو لي أنّ ما حدث يوم 07 أكتوبر هو ظهور "بعـد جـديـد" لأسئلتنا عن "العصر" بوصفه شكلا من الانتماء، وبالتالي أيضا "مهمة جديدة" للتفكير في "من" نحن اليوم؟". وعلى المتفلسفة - إذا ما وجدوا - أن يتلقوا هذه الإشارة التي تتميّز عن السابقات - هناك إشارات سابقات منذ صدمة نابليون سنة 1798 بكونها تربطنا ربطا مباشرا بالمستحيل كما وصفه دوستيفسكي في رسائل" من تحت الأرض، بوصفه "جدارا صخريا" يفصلنا عن أنفسنا نحن في نقل مباشر للكارثة، أي للتدمير المنهجي للجدار الأخلاقي لما يسمّى منذ القرن الثامن عشر : "إنسانية" عبر الإنتاج النسقي للجثث بوصفها أكياسا مبتذلة من الحياة. وهذا يعني أنّ الكارثة في غزّة- بعد أن تحوّلت إلى "إبادة" ما بعد حديثة لرهط مهمل من النوع البشري هي ليست حدثا "فلسطينيّا" محلّيا: إنّ "الجغرافيا" هنا تهمة. إنّ ما يُباد هناك ليس "نحن" معيّنة؛ بل "الوضع البشري" بوصفه تهمة. وهنا يصبح "الآني" مجرد مقطع من كارثة أي من حدث "امبراطوري" يمتد من ديكارت إلى الاستعمار ومنه إلى العولمة. ويبدو لي أنّ ما يحدث في غزّة من إبادة ليس مشکلا يهوديا" يمكن فهمه بمدوّنة دينية، بل هو مشكل "كولونيالي" شديد الارتباط بالوجه المظلم من آلة "الحداثة".

245 pages, Paperback

First published March 1, 2025

14 people want to read

About the author

فتحي المسكيني

39 books195 followers
هو فيلسوف ومترجم تونسي، له العديد من المؤلفات، يشغل كأستاذ تعليم عال في جامعة تونس.

حصل على دكتوراة الدولة في الفلسفة، لكن قبل دخول مجال الفلسفة كان فتحي المسكيني شاعرًا، والذي كتبه منذ وقت مبكّر جدّا، في الثالثة عشرة من عمره. ولا زال يكتب الشعر بشكل مستمر، وإن كان لا يهتمّ بالنشر كثيرا. وجد في هيدغر استجابة إلى تطلّعاته، وتجربة الشعر وضعته في ورشة جبران بشكل مبكّر، فدخل ورشة نيتشه دون أن يدري، حسب تعبيره. فقرأ كتاب هكذا تكلم زرادشت وكتاب النبي في نفس الوقت، في الخامسة عشرة من العمر. وهذه أحداث خاصة وضعته على الطريق نحو هيدغر بشكل لم يستطع مقاومته.

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (100%)
4 stars
0 (0%)
3 stars
0 (0%)
2 stars
0 (0%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 of 1 review
Profile Image for Helmi Chikaoui.
444 reviews119 followers
May 30, 2025
قال درويش: "إنّ الحياة هي اسم كبير لنصر صغير على موتنا"؟.
ولكن، كيف نخبر طفلا يجلس وحيدا مثل مخلوق أهملته الآلهة، يقفز عالياً فوق خراب ميتافيزيقي، -بأنّ الحياة لا يزال يمكنها أن تكون نصرا صغيرا على موته؟ إنّ ما سوف يمنعه عندئذ هو الاسم الكبير: الكراهية.
هذا الاختراع الثقافي الفذّ للحيوان الأخير من نوعه: الذي تخطّى كلّ حيواته السابقة، حيث لا يزال كتلة متراصة من الدماء في كيس كينونة بلا وجهة، واخترع الكراهية.
الكراهية هي فن الإكراه: إكراه الحياة على موتها. كل كراهية إذن مهما كانت ضئيلة هي وعد صغير بالموت. لا نكره في أوقات فراغنا؛ بل تصيبنا الكراهية من أعماق وجودنا مثل لفحة من جحيم خاص.
لقد انتصبت إنسانيّة غير مسبوقة سمّت نفسها "الغرب" -استعارة جغرافية مسلّحة- دفعت بنموذج الدولة إلى أقصى مهجته: لقد تحوّل الغرب إلى دولة آكلة للدول، ومن ثمّ لأجسام الشعوب "غير الغربية" أو التي توجد "تحت خط" الغرب. ولأنّ الغرب مجرّد استعارة جغرافية فهو قد استولى على ماهية الاستعارة؛ وأفرغ النوع الإنساني من أيّ حرمة لا يمكن سرقتها. كل الجهات أصبحت قابلة للاستلاب. ليس الغرب خطّا فاصلا بين الداخل والخارج؛ بين "نحن" و"هم" بل هو فضاء هيمنة يحرس على انتهاك حدود نفسه بلا انقطاع. ومن ثمّ ليس الغرب مكانا أو جهة بل هو بُعد أو أفق مفترس للأبعاد وللآفاق. في كل قرن من قرونه الحديثة هو قد نصّب نفسه وصيّا على شكل الإنسانية الحالية وعلى حقيقتها. وهو لا يفعل ذلك بالإقصاء بل بتدمير العوالم.
ومن ثمّة فإنّ ما تكفّلت به النخب ما بعد الكولونيالية (بعد أن غيّر الغرب من براديغم الهيمنة من الأسود إلى الأبيض) هو أن تواصل خطّة الغرب لدى غير الغربيين في شكل حداثة ناعمة يتمّ حقنها عن طريق مجموعة من الأنظمة المتضافرة: التعليم والقانون والاقتصاد- تربية "العقول"؛ وتنظيم "السلطة"؛ وتوزيع "الغذاء" - تعمل كلّها في "لعبة لغوية" موحّدة هي لغة الغرب مترجمة في الألسن المحلية الطبيعية.
*
نحن نتحدّث في لساننا القومي ولكن "بشكل غربي". ومن ثمّ لم تعد الترجمة عملا خطيرا بل مجرد تسوية وضعيةٍ للمعاني. إذْ تكون كل المعاني "الحديثة" قد تُرجمت ولم يبق إلاّ تنظيمها في شكل نص. نحن اختبار مثير للفرق بين اللغة واللسان. نتكلّم لسانا قوميّا لكنّنا نفكّر في لغة أجنبية.
لا يتعلق الأمر ببناء سردية عن الهيمنة التي تخترق الترجمات بل بكمّية الكراهية التي تتسرّب في شكل أنفسنا ما بعد الكولونيالية: كراهية مصادر أنفسنا كما كراهية الشكل الحديث أو الغربي من الإنسان. كراهية أن تكون مجرّد "ماض" لنفسك الحالية؛ كما كراهية أن تكون " مستقبلا" لم تتهيّأ له أعضاؤك تمرض به ولا تكونه. نحن لا نكون بل نمرض بوجودنا.
للكراهية عائلة متعددة الأبطال: الآخر والأنثى والأجنبي والبهودي التائه والإفريقي المستعبد أو المزنَّج والهندي الأحمر والمسلم والمثلي والغريب واللاجئ... وبعبارة واحدة "البربري": الذي لا يتكلّم لساننا، ومن ثمّ لا يمكن القبول به في لغة العالم الذي نسكنه. البربري ليس متوحّشا بل جار مستحيل.
ولذلك لا يمكن أن ينتصب نظام للكراهية في أيّ ثقافة إلاّ بشكل "كولونيالي": من "يكره" يستعمر "آخر" معيّنا مهما كان تعريفه. يستعمر أي يطبّق خطّة ديكارت: "أن يصبح بمثابة مالك وسيّد للطبيعة". الاستعمار هو أقصى فعل كراهية لأنّه يدفع بمطلب "الملكية" و"السيادة" إلى أقصاه. لا تعني الكراهية هنا انفعالا حزينا يشعر به هذا الشخص أو ذاك؛ بل ربّما لا تحتاج آلة الكراهية إلى أشخاص: إنّها آلة كولونيالية لا ترى إلاّ "طبيعة' أي جسماً ممتدّا هو "آخر" أو "غير" جذري لا ينتظر منّا سوى أن نتملكه وأن نسوده. ولذلك ليست الكراهية علاقة بين "ذاتين"، أي بين كائنين متساويين في المنزلة الأنطولوجية أو الأخلاقية. هي علاقة عمودية بين "أنا" و"شيء"، وبالتالي الكراهية هي "اتجاه واحد"، علاقة لا يمكن تبادلها.
"المكروه" ليس "شخصا" بل عدوّا تمّ تجريده من إنسانيته.
لذلك يبدو أنّ "الشعوب" هي آلات كراهية أكثر منها وقائع أخلاقية شخصية. لا يوجد شعب على صعيد شخصي؛ كل "شعب" هو بناء نظري اخترعه علماء القانون منذ هوبز، ثمّ أخذ يتحوّل إلى كيان "سردي" على أيدي الرومانسيين اسمه "الموطن"؛ وأخيرا، تحوّل إلى كيان "قومي " تدافع عليه الدول المسلّحة.
نحن نجد أنفسنا أمام نوع غريب من الكولونيالية: هي ليست كولونيالية السلطة بل كولونيالية الكراهية. "الكيان الصهيوني" ليس استعمارا بل سياسة ضغينة. هو ليس احتلالا للأرض بل إبادة للساكن الأصلي. هو ليس شكل حياة بل مشروع محرقة. كأنّ الحلم الدفين في قلب كل يهودي هو تكرار المحرقة على شعب آخر. أن يعيش "الآتي" (ولا نقول "المستقبل" فهو ليس له مستقبل) في شكل تكرار للمحرقة على جسم إنسان آخر. لكنّه لا يمكنه أن يفعل ذلك إلاّ على جسم "عدو". وليس كالأخوّة المستحيلة تربة خصبة للنبش عن سرديات العداوة الأصلية.
ومن ثمّ لا يمكن "تحرير" الأرض قبل تحرير الحرّية نفسها. كل خطابات التنوير عن الحرية هي بكماء أمام تجربة الفلسطيني؛ هو كائن لا مكن تنويره. وكل خطابات "لاهوت التحرير" " لا تفيد في حالته، لأنّها خطابات تصلح لنزع الاستعمار، وليس للصراع الهووي بين الإخوة على إرث أبيهم إبراهيم. التنوير تقنية الأوروبيين تجاه شعوبهم؛ والتحرير تقنية الديكولونياليين ضد الحداثة الكولونيالية. لكنّ ما فُرض على الفلسطيني هو معركة بلا اسم: إنّ معجم الإنسانية الحالية غير مفيد في فهم الحدث.
وعليه، من السّهل أن نخوض أيّ معركة ضدّ "ايبستيمولوجيا الشمال" باسم موقف "ديكولونيالي": أي "ضدّ" كولونيالية السلطة (الرأسمالية والحداثة /الكولونيالية)؛ لكنه من المستحيل الفراغ من معركة تقوم باسم كولونيالية الهوية. تعني كولونيالية الهوية كل جهاز كراهية يستمدّ جوهره من عنصر "الأصالة"- وعليه، كلّ "عرق" أو "دين" أو
"طبقة" أو "جنس" أو "جندر" أو "لون" أو "جغرافيا" أو "أرض" أو "جهة" هو مكوّن رئيسي في جهاز "كولونيالي" من نوع "هووي". ولذلك علينا أن نميّز بين حروب السلطة وحروب الهويّة. كل معارك الغرب منذ القرن السادس عشر هي حروب سلطة؛ لكن ما وقع للفلسطيني هو من نوع خاص تماما: إنّه حرب هويّة.

*

نحن نجد أنفسنا بذلك أمام تنوّع تشكيلي يجعل أيّ حديث عن توقيع هوويّ أو ثقافي في المفرد لماهية التطرّف وكانَه ضرب من "مكر العقل" الكولونيالي ولكن من خلال سردية كبرى حزينة. إنّ ما تعمل السردية الغربية على طمسه انطلاقا من تسعينات القرن العشرين هو أنّ التطرّف هو في كل مرة بلا "ماهية"، وأنّ كلّ طمع إيبستيمولوجي في "جوهرته" هو خدعة منهجيّة كولونيالية ما أكثر الدارسين غير الغربيين الذين انطلت علهم، ولا سيّما عندما يطبّق ذلك على "الإسلام" بوصفه قربانا إيبستيميّا يمكن استدعاؤه في أيّ وقت. وعلينا أن نصنّف في هذه الخانة الكئيبة كلّ الدراسات غير الغربية "التابعة" التي انخرطت في بحث محموم - تحت هيمنة ايبستيمولوجيا الشمال- عن "ماهية التطرّف" ولاسيّما "ماهية التطرّف الإسلاموي"، وكأنّه "استثناء" ميتافيزيقي سقط من حافة الجحيم. كلّ أدبيّات التطرّف الكولونيالية أو التابعة لها هي عن وعي أو من دون وعي تواصل نهجاً قديماً يمتد من "العصور الوسطى" إلى أحداث 11 سبتمبر، يحرص على بناء هوية "ماهوية" للمسلمين وتطبيقها عليهم باعتبارهم "وحوشا" (monsters) منهجية وليسوا بشرا حقيقيين لهم تاريخهم الخاص، بحيث أنّه صار من الممتنع ايبستيمولوجيّا (حتى لو استعملنا مشارط فوكو عن الأركيولوجيا وبورديو عن الهابيتوس) أن نفصل بين "المسلمين التاريخيين" و"المسلمين في المخيّلة الغربية ".
وربما أنّ أوّل وأخطر موقف منهجي علينا القيام به - فيما بخصّ الموقع الروحي الذي نتحدّث منه- هو "نزع المركزيّة" ( أو الكشف عن الطّابع الريفي" provincialzation الذي يحكم المفهوم الغربي أو الكولونيالي أو المعولم عن "التطرّف": علينا أن نعيد للثقافات غير الغربية حقّها في "تعريف" و"تقويم" ما يحدث باسمها، والحفاظ على "تباعد إبستيمولوجي" كافٍ معها حتى تتمكّن من التفكير بنفسها في "الخطر" الذي توقّع تحته دون استشارتها. إنّ امتلاك "حقّ تعريف مفهوم ما" هو بطريقة ضمنية ومخاتلة احتكار سلطة الحقيقة حول نمط التفكير فيه: ذلك أنّ الاختلاف بين "الفهم" ليس مجرّد "تعريف" مختلف للظاهرة بل هو "تعبير عن اختلافات نظرية هي تحيل على إدراكات منافسة للواقع الاجتماعي كما على سياقات مكانية وزمانية مختلفة".
ما ننساه بشكل مبكر هو أن "الغرب" ليس سوى جماعة تأويلية أو إيبستيمولوجية على الباحث أن يتعامل مع ما تقوله عن "الآخرين" من خارجه لا أن يتماهى معه بوصفه هو "الواقع" أو "القيمة الموضوعية" لحالات الأشياء. وذلك يعني أن "نوسّع" أفق التفكير على نحو يجعلنا نعترف بالقيم المعرفية للباحث غير الغربي بوصفه طرفاً في النقاش.
لا يعني ذلك أن نعادي المعايير الإيستيمولوجية الغربية بل أن نعيدها إلى "الجماعة المحلية"، أي إلى "الريف" الميتافيزيقي الذي نبعت منه. ولذلك لا مناص لنا كي نفهم مشكل التطرف" من "تبيئة" ما يقوله الغربيون عنه، ونعني بذلك أن نعامله بوصفه "وجهة النظر الغربية" حول المشكلة في بيئة بعينها وليس بوصفه "ماهية" كونية للمشكل. هذا الموقف يجمّعه فيلسوف "ديكولونيالي" و"جنوبي"، مثل بوأفنتورا دي سوسا سانتوس، في هذا التشخيص:
"أوّلا، أنّ فهم العالم يتجاوز الفهم الغربي للعالم. وثانيا، أنّه لا يمكن أن يكون هناك عدل اجتماعي عالمي من دون عدل معرفي عالمي. وثالثا، أنّ التغييرات التحريرية التي تتدخّل في العالم يمكن أن تتّبع طرقا بلاغيّة وسيناريوهات مختلفة عن تلك التي طوّرتها النظرية النقدية ذات المركزية الغربية".
وهو بلا ريب إجراء معقّد في حالتنا: إذْ لا يكفي أن نرفض تشخيص الغريبين للمشكلة كما يعرضوه علينا ونقترح تشخيصا مخالفا، بل إنّ مكمن الداء هو أنّ "المسلمين الحاليين" أنفسهم قد فقدوا علاقتهم بقدرتهم الخاصة على تشخيص المشاكل من وجهة نظرهم، نعني من جهة "مصادر أنفسهم" ووفق خطة مصير "غير غربي" قادر على الصمود "مفهوميًّا".
"نحن " الممضين أسفل أنفسنا "الحالية" أو "الحديثة" قد دخلنا أو أقحمنا في أفق "التغريب" -أكان مباشرا (فترة الاستعمار) أو غير مباشر (دول الاستقلال التابعة)-، على نحو فقدنا معه كل قدرة حقيقية على المبادرة الميتافيزيقية. لم يكن تغريباً "سياحيّا" أو مناوشة حدودية بين عالمين ثقافيين، بل كان عمليّة استيطان لغوي وعلمي وأخلاقي، وبالتالي تمّ ممارسة سرقة هوويّة منظّمة ومستمرّة كانت في أوّل الأمر نوعا من "الاغتصاب" لكنّها تحوّلت بعد إعلانات "الاستقلال السياسي" إلى "متلازمة ستوكهولم": إنّ
"الرهينة" قد وجدت نفسها "تثق" في المعتدي وتطوّر "شعورا إيجابيا" تجاهه بل وتظهر استعدادا مثيرا "للدفاع" عنه ضدّ من يقاومه. إنّ "الرغبة في الغرب" حسب تعبير آلان باديو قد صارت بمثابة التعريف الدقيق لما نسمّيه لدينا باسم "الحداثة".
إنّ أوّل ما يفعله التفكير الديكولونيالي هو تغيير "الذات" التي تعرف أو تفكّر: فبدلا من مواصلة تكريس الكوجيطو الديكارتي وخطّته في معاملة أيّ "آخر" (الطبيعة، ولكن أيضا "غير الغربي" و"غير الأبيض" و"غير المسيحي" بعامة وربما "المرأة" و"غير المذكّر" و"المثلي"...) بوصفه مجرّد "موضوع" يجب بناؤه ايبستيمولوجيًّا والهيمنة "المعرفية" على ادّعاء صلاحيته. ويفضّل الموقف الديكولونيالي اعتبار "المعذّبين في الأرض" حسب عبارة فرانس فانون أي كل الذين عانوا من "الاستعمار" الغربي، ومن "لا-إنسانيته"، بمثابة "الذات" الديكولونيالية التي يمكن التعويل عليها في أيّ عصيان معرفي للأطر التي فرضتها "إيبستيمولوجيا الشمال". وذلك بناءً على أنّه لا يوجد تفكير حقيقي في أيّ مشكلة معاصرة من دون "نزع الاستعمار"(décolonisation) عن المقولات التي تحكم تفكيرنا نفسه. إنّ الأمر يتعلق بنقل معركة "نزع الاستعمار" من مستوى التحرر الوطني إلى مستوى التحرّر المعرفي. أمّا الصعوبة هنا فهي مزدوجة: من جهة، "أنّ المستعمَر الذي يقرّر تحقيق هذا البرنامج، أن يكون هو محرّكه، هو دائما ما يكون مهيَّأ للعنف "؛ ومن جهة،"أنّ وضع العالم الاستعماري من طرف المستعمَر موضع سؤال هو ليس مواجهة عقلية بين وجهات النظر. هو ليس خطابا حول الكوني، بل التعبير الأشعث عن أصالة مطروحة بوصفها مطلقة".
ولأنّ العلاقة بالغرب قد كشفت في آخر المطاف عن مطامعها الهووية التي تهدف صراحة إلى تجريد الحضارات الأخرى من صلاحيتها الأخلاقية والوجودية، واحتلالها ميتافيزيقيا، فإنّه قد تمّ بذلك إضعاف "الدولة القومية من حيث هي مصدر للهوية" ، وصارت سياسة الهوية في كل مكان سياسة "تغريبية" محروسة بمفردات مفاهيم ايبستيمولوجيا الشمال التي تدّعي احتكار سلطة "العلم الوضعي" بوصفه اختراعا أوروبيا خالصا لم تشارك فيه الشعوب غير الغربية إلا عرضا. لقد تمّ تحويل "العلم الوضعي" إلى أداة تشريع حضاري يهدف إلى تنصيب هيمنة روحية طويلة الأمد على كامل أرجاء الأرض بوصفها "كرة" تدور حول المركزية الأوروبية وليس خارطة "حدود" للتعارف بين الشعوب.


إنّ المطلوب هو "تربيف" التطرّف وليس "كوننته". إنّ أصل كل سياسات التطرّف هو التقليد "الأوروبي"، والذي كان يؤرّخ لذلك على هذا المنوال حتى نهاية المعسكر "الشيوعي". فجأة شعر بأنّ عليه أن يغير "الأخر" الكبير: من الشيوعية (ذات الأصل الغربي) تمّ المرور إلى "الإسلام" بوصفه عدوًا مناسبا. كان الرجل "الأبيض" قد بنى تاريخ هويته على "صباسات العداوة" تجاه الأخويين الإبراهيميين الآخرين ثم تجاه "الزنجي" ثم تجاه "المستعمَر"، ثمّ ضدّ "الشيوعي"، وأخيرا اكتشف أنّ "الإسلامي" ما بعد الحديث وما بعد الكولونيالي يمكن أن يؤدّي دور "الآخر" بكلّ كفاءة. ولكن لأنّ أوروبا، حسب تعبير غادمر، قد بدأت تتحوّل منذ 1914 إلى "ريف" روحي ولم تعد تملك الأهلية الكافية لقيادة تاريخ العالم كما ظن" هيغل، - فإنّ"ايبستيمولوجيا الشمال" قد فقدت هي الأخرى في نفس الكرّة أهليتها للتفكير "الكوني" بدلا عن الآخرين. كان غادمر متحدثا عن الحرب العالمية الأولى بوصفه نتيجة "انفجار النزعة القومية" في أوروبا: "إنّ أمميّة العمّال قد ظهرت فجأة كأنّها خطبة عديمة القدرة نسبيّا بالمقارنة مع عنف المشاعر القومية الجيّاشة التي اندلعت عندئذ. كان هذا الحدث هو بداية تربيف أوروبا. وهذا بالطبع يسوغ أيضا بالنسبة إلى الفلسفة " فكل تفكير "ريفي" لا ينتج عن "الآخرين" إلاّ "أحكاما مسبقة". هذا هو درس غادمر عن التأويلية الفلسفية في كتابه "الحقيقة والمنهج". ولكن خاصة هذا ما امتحنه ديبيش شاكرابارتي المؤرّخ الهندي في كتابه "تربيف أوروبا" متبنّيا تشخيص غادمر من موقع غير غربي: أنّ علينا إزاحة مقولات المركزية الأوربية حتى يكون بإمكاننا أن نفكّر في ما يحدث باسمنا دون وساطة كونية" من ايبستيمولوجيا الشمال. ولكن كيف يمكن التفكير في "الغائب" إيبستيمولوجيّا؟ كيف نواجه "العمى الإيبستيمولوجي" الكولونيالي الذي يدّعي أنّه "يتحدّث عنّا" بشكل "علمي"؟
طبعا، إنّ "غير الأوروبي" مخيّر بين ثلاثة منظورات: 1. إمّا أن "يتماهى" مع المنظور الأوربي باسم "التنوير" و"الحداثة"، كما يفعل المثقف العربي المعاصر غالبا؛ ومن ثمّ يضمن مقعده المزعوم "داخل الخطاب" ولكن في هيئة "لاجئ" ابستيمولوجي، بسبب أنّ "تراثه" لم يعد صالحا للسكن العلمي؛ وإمّا أن ينصّب سياسات الضغينة بدلا عن سياسات الحقيقة، ومن ثمّ يشرع في جلد فوكو باسم "ديكولونيالية" حزينة تدينه بلا رجعة لأنّه لم يخطر بباله أنّنا "موجودون" في أفق "الخطاب"، ربما "ما دون الخطاب" كما قال عما "لم يُقل بعد"وإما ،فقط،أن يحاول فهم فوكو كما قال نفسه، ومن ثمّ كما تصوّر "الخارج" الذي يحتاجه "الخطاب" لأنّه جزء لا يتجزّأ من لعبته.

نحتاج هنا إلى "إيبوخيا" ديوكونيالية: أن نضع بين قوسين صلاحية ما يقوله فوكو من أجل أن نفتك فرصة الكلام في خطابه.

إنّ ضعف الدولة الحديثة، دولة الاستقلال ما بعد الكولونيالية، هو الذي خلق "الفراغ" (gap) أو الفجوة حيث أمكن للدين أن يستعيد قوّته التي سلبته إياها عمليات "العلمنة" التي كانت مجرّد تعبيرة لاهوتية-سياسية عن عملية "التغريب" الكولونيالية، تحت عنوان "التنوير"، والتي أنتجت، أثناء الاستعمار وبعد الاستقلال، "نخباً" تابعة كانت مكلّفة تاريخيّا ببناء نماذج "محلية" عن "المجتمع الغربي" باعتباره نموذجا "عامليا"، تحت مسمّى "الحداثة". كانت الدولة القومية "متورّطة مع الغرب" من حيث براديغم الحداثة السياسية ولم يمكن لها من مهمّة سوى "ترجمة" الغرب في "ثقافة" محلية، كانت إحدى نتائجها الكبرى هي تنظيم عملية استيطان ثقافي واسع النطاق للغة القومية وقطعها عن بلاغتها الخاصة حيث كانت لا تزال لغة أصيلة وتحويلها فجأة إلى لغة "مترجمة" من الداخل تتكلّم على إيقاع اللغات الغربية مبنى ومعنى وفي خدمتها، وذلك حتى في الخطاب اليومي لعالم الحياة.

من المفيد أن نذكّر بأنّ سردية "حقوق الإنسان الكونية" هي سياسة خطاب، ربما ساهم فيها فلاسفة التنوير، لكن على الخصوص اعتمدها نظام معيّن للدول في طور من أطوار الحداثة السياسية، في الغرب، وليست نظاما للحقيقة، كما قد نعتقد عادة. لا يعني ذلك أنّه من المستحيل بناء"حقوق كونية للبشر"، بل فقط: إنّ "الإنسانية الأوروبية" (حسب تعبير هوسرل) التي اخترعت "الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن" سنة 1789 هي قد فعلت ذلك لحاجات أخلاقية وسياسية خاصة بها في لحظة ما، وهي لم تفعل ذلك إلاّ في أفقها الخاص، في أفق فهمها الخاص لنفسها: لقد كانت تظنّ أنّ "الإنسان" هو "الإنسان الأوروبي" فحسب، وليس أيّ إنسان "آخر". بل من المفيد أن نعرف أنّ الفلسفة الأوروبية-فلسفة التنوير - قد وضعت ذلك "الإعلان عن حقوق الإنسان" قبل أن تأتي إلى تطوير مقولة "الآخر" ابتداء من هيغل، أي بعد 1807. وهو "إعلان" لن يصبح "كونيا" إلا بعد سنة 1948، أي بوجه من الوجوه بعد ما جرى في الحرب العالمية الثانية ممّا تمّ تكريسه تحت اسم "الهولوكوست". "كوني" يعني هنا: يمكن أن يضمّ

"الآخر" التقليدي في ثقافة أوروبا الحديثة أي "اليهودي التائه". "الآخر" هي الصفة الشخصية المحجوزة منذ قرون لمعاصر "داخلي" واحد: ألا وهو "اليهودي" سواء كان داخل "الغيتو" أو "الخارج من الغيتو". هنا يمكننا أن نعثر على الرابط البنيوي بين "الإعلان الكوني عن حقوق الإنسان"(Universal Declaration of Human Rights) - وهو "كوني" وليس عالميا"، أو لم يوصف ربما بأنّه "عالمي" إلاّ في الترجمة العربية، ومن الطريف أيضا أنّ ذلك تمّ أيضا في الترجمة العبرية التي تحيله على "العالم" - وبين الاعتراف بدولة إسرائيل بوصفها عضوا "شرعيًا" في الأمم المتحدة: إنّ ما يسمّى "إسرائييل" (لفظ يعني في أصله "الإله الذي أثبت أنّه قويّ" بعد صراع يعقوب طيلة الليل مع ربّه) هو "بناءً" خطابي "أممي" لا يمكن أبدا تصوّره خارج إطار "الخطاب الأممي" الذي وضع مدوّنة "الإعلان الكوني عن حقوق الإنسان"،- كان هذا "الإعلان الكوني عن "حفوق الإنسان" هو شكل الشرعنة الدولي لإحداث "وطن قومي لليهود الناجين من المحرقة"، على نحو يفترض بالضرورة وبشكل بنيوي، السكوت الأممي والقانوني والكوني على عمليّة التهجير الذي وقع على السكان الأصليين لأرض فلسطين بوصفهم سكّانا أصليين "غير موجودين" على "أرض بلاسكّان".

ذلك يقودنا إلى هذا الافتراض: إنّ "الإعلان الكوني عن حقوق الإنسان" سنة 1948 لم يكن يعني في المعجم الأوروبي عندئذ سوى "الإعلان الكوني عن حقوق اليهودي التائه" في "وطن قومي" خاص به في أرض فلسطين، ولكن أيضا، وفي نفس الكرّة، ولكن بشكل صامت، "الإعلان الكوني عن شرعيّة تهجير السكّان الأصليين في فلسطين" بوصفها أرضاً بلا شعب. -لذلك ثمّة مفارقة مؤلمة تثوي تحت كلّ "خطاب" حقوقي حول الفلسطينيين: إنّ الإعلان الحقوقي هو الذي حكم عليهم بوضع "اللاوجود" القانوني، وهو الذي حوّلهم إلى "لاجئين" في أرضهم، بعد أن كانت صفة "اللاجئين" خاصة باليهودي الأوروبي. ويمكننا أن نراجع هنا مقالة حنّا أرندت سنة 1943 "نحن اللاجئين".

لذلك ربّما من الحقيق بنا أن نحترس من أيّ انخراط ساذج أو غير نقدي في "خطاب" حقوق الإنسان "الغربي" وكأنّه يرانا أو يعنينا: إن "الكوني" هنا لم يعد يعني سوى "العالمي" أي "الأوروبي" المعدّل سنة 1948: أي "الغربي" الذي أضاف إلى العائلة المقدّسة ذلك "الآخر" الداخلي التقليدي، نعني "الهودي التائه"، بعد دفع فاتورة "المحرقة"، ولكن هذه المرة ليس باعتباره "آخر" بل بوصفه عضوا شرعيّا و"أمميّا" و"كونيا" في مؤسّسة الغرب. هذا هو معنى "الكوني" منذ سنة 1948.

من أجل ذلك علينا أن نلاحظ ما يلي: أنّه في كلّ الجرائم السابقة ضدّ الإنسانية كان "السكوت" هو الذي قتل الضحايا، ومنهم الهنود الأوروبيون، إلا هذه المرّة: إنّ الفلسطينيين يُبادون باسم "الخطاب". وحده الغرب صار يحدّد "من" الضحيّة، وهو وحده الذي يملك "مقام"الخطاب. الخطاب، وخاصة الخطاب الذي أخذ شكل "القانون الدولي"، بوصفه التقنية الجديدة، ما بعد الحديثة، والإنجازية، للسكوت المنظّم ضدّ "عدوّ مختار جيّدا". و"نحن" عموما، ثمّ أهل فلسطين خصوصا، هم هذا العدو الإنجازي.
Displaying 1 of 1 review

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.