في مقدّمة هذا الكتاب، شدّد السيّد حسن نصرالله على أهمية الرجوع إلى التاريخ، ليس من باب الترف الثقافي أو الاستغراق في الماضي، بل لأنه مفتاح فهم الحاضر وبوابة وعي المستقبل. فمعرفة التاريخ تساعدنا على التمييز بين الصديق والعدو، وتمنحنا بصيرة أوضح حول طبيعة الصراع الذي نعيشه اليوم. من هنا، نفهم حقيقة الكيان الصهيوني: كيف نُشئ، ومن دعمه، ولماذا استُزرع في قلب الأمة. وندرك حقيقة الدور الأميركي، وتاريخ الولايات المتحدة في التدخل بشؤون الشعوب، كما نُدرك خلفيات مواقف بعض أنظمة الخليج وموقعهم في مشروع الهيمنة.
ثم ينقلنا السيّد إلى بُعدٍ أعمق من مجرد القراءة، نحو التعلّم من التاريخ، من خلال استلهام العِبر والدروس من القرآن الكريم، ومن السنن الإلهية التي تتكرّر عبر الأزمان، كهجرة النبي (ص)، وثباته وصبره في مواجهة الشدائد.
ومن خلال ذلك، يؤكّد السيّد على مبدأ “التثبيت”: أي عدم الاستسلام للظروف طالما أن القدرة متوفّرة. فاليأس ليس خيارًا، بل خيارنا هو الثبات والعمل، والانطلاق من دائرة النفس والعائلة إلى أفقٍ أوسع يشمل الوطن، بل الإنسانية جمعاء.
فالمسؤولية في منطق الإسلام لا تقف عند حدود الذات، بل تمتد لتشمل قضايا الشعوب المظلومة، ومساندة من يعاني من الحروب، والظلم، والفقر، والوباء. فإن كانت لنا قدرة على تقديم المساعدة، فالواجب الإنساني والديني والأخلاقي يُحتّم علينا أن نفعل. أما إن عُدِمَت القدرة، فتبقى وسائل أخرى: الدعاء، والإنكار القلبي، والرفض الأخلاقي.
وتناول السيّد في هذا السياق مفارقةً صارخة: كيف تُحاسب المقاومة عندما تتدخّل لنصرة المستضعفين، في حين تُترك أميركا تعبث في شؤون شعوب الأرض قاطبة دون مساءلة، وتُصوَّر تدخلاتها على أنها “حفاظ على الأمن الدولي”.
هنا يستحضر السيّد النموذج الحسيني، إذ كان الإمام الحسين (عليه السلام) يملك خيار البقاء في المدينة، وتجنّب الصدام. لكنه، من باب تحمّل المسؤولية، وحفظ الدين، قرر الخروج، ووقعت واقعة كربلاء. هذا القرار لم يكن اندفاعًا عاطفيًا، بل امتدادًا لمنهجٍ واضح أرساه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو نشر العقيدة الإلهية، وضمان استمرارية الأمة على خط الإيمان.
وقد عمل النبي (ص) منذ وقتٍ مبكر على تربية الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، وغرس مكانتهما في وجدان الأمة، فكان يُعاملهما كرجُلين كبيرين، لا كطفلين. ومن أهم المحطات التي تبرز منزلتهما: حادثة المباهلة، نزول سورة الإنسان (الدهر)، وحادثة الكساء.
ثم يسلّط السيّد الضوء على مرحلة إمامة الإمام الحسن (عليه السلام)، والتي جاءت بعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام)، وهي من أدقّ المراحل وأكثرها تعقيدًا. إذ كانت مهمّته آنذاك ثلاثية: الاقتصاص من قاتل والده، تجهيز الإمام ودفنه، ومتابعة المعركة السياسية والعسكرية التي كانت دائرة مع معاوية.
ومن خلال شرح السيّد، تتّضح جذور هذا الصراع التي لم تبدأ مع علي أو الحسن، بل تعود إلى الحقد الذي حمله أبو سفيان تجاه النبي (ص)، والذي استمر حتى بعد فتح مكة. ومع إدراكه للهزيمة الظاهرة، غيّر أبو سفيان تكتيكه، وبدأ بمحاربة النبي من داخل المجتمع الإسلامي نفسه، ممهّدًا بذلك السبيل لابنه معاوية كي يتابع مشروع إعادة الأمويين إلى السلطة.
حارب معاوية الإمام علي (ع) بالحيلة والدسيسة، ومن أبرز تلك المكائد: تحميل الإمام مسؤولية دم عثمان، وتحريض الناس عليه، والهدف من كل ذلك إسقاط الخلافة الشرعية وتحويلها إلى مُلك عضوض يعيد الناس إلى الجاهلية.
وفي هذا السياق، يُبرز السيّد وحدة المنهج بين الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام). فالإمام علي اضطرّ إلى مواجهة معاوية رغم تخلّف جيشه وضعف بصيرته، بينما الإمام الحسن، الذي تعرّض للخيانة من كبار قادته، ومنهم عبيد الله بن العباس، وطُعن من أحد الخوارج، رأى أن الصلح هو الخيار الأمثل للحفاظ على الدين والدم.
أما الإمام الحسين، فكانت الظروف تستدعي الثورة الدامية في كربلاء.
وقد أضاء السيّد على ذكاء الإمام الحسن وشجاعته، وكم هو مظلوم، حتى بين أتباعه ومحبيه، الذين لم يُنصفوا موقفه كما ينبغي. لكن الحقيقة أن موقف الحسن (ع) كان ضرورة استراتيجية تحفظ الإسلام وتكشف وجه بني أمية، وهو ما مكّن الحسين لاحقًا من رفع راية الثورة واضحة جليّة لا لبس فيها.