الأوديسة ثاني أشهر الملاحم الغربية بعد الإلياذة، وتعتبر تتمة لها. تسرد قصة البطل الإغريقي أوديسيوس "أوليس" ملك مدينة إيثاكا، في أثناء رحلته للعودة بعد سقوط طروادة التي استغرقت عشر سنوات وكان يُحسب أنه قد مات خلال حرب طروادة، كما تغطي الأوديسة قصة زوجته بينيلوبي التي ظلت منتظرة زوجها ممتنعة عن الزواج. نسي أوديسيوس تقديم القرابين للآلهة بعد انتصاره وقبيل إبحاره، فيتعرض لغضب إله البحر بوسايدن فتمتلئ رحلته بالعقبات. حُكم عليه بالنفي مدةَ عشر سنوات، فنزل إلى العالم الآخر ليسأل حكماء الموتى عن طريق العودة، بينما في إيثاكا حاصر النبلاء قصر بينيلوبي زوجة أوديسيوس وطالبوها بالزواج من أحدهم، فأقنعتهم بالانتظار حتى تنتهي من حياكة ثوب العرس.
هوميروس (بالإغريقية: Ὅμηρος) شاعرٌ ملحمي إغريقي أسطوري يُعتقد أنه مؤلف الملحمتين الإغريقيتين الإلياذة والأوديسة. بشكلٍ عام، آمن الإغريق القدامى بأن هوميروس كان شخصية تاريخية، لكن الباحثين المحدثين يُشككون في هذا، ذلك أنه لا توجد ترجمات موثوقة لسيرته باقية من الحقبة الكلاسيكية (Classical Antiquity)، كما أن الملاحم المأثورة عنه تمثل تراكماً لقرونٍ عديدة من الحكي الشفاهي وعروضاً شعرياً محكماً. ويرى مارتن وست أن هوميروس ليس اسماً لشاعرٍ تاريخية، بل اسماً مستعاراً.
تواريخ حياة هوميروس كانت موضع جدلٍ في الحقبة الكلاسيكية واستمر هذا الجدل إلى الآن. قال هيرودوت إن هوميروس عاش قبل زمانه بأربعمائة سنة، مما قد يعني أنه عاش في 850 ق. م. تقريباً. بينما ترى مصادر قديمة أخرى أنه عاش في فترة قريبة من حرب طروادة المفترضة. ويعتقد إيراتوسثينيس الذي جاهد لإثبات تقويم علمي لأحداث حرب طروادة أنها كانت بين 1184 و1194 ق. م.
بالنسبة للباحثين المعاصرين، يعني "تاريخ هوميروس" تاريخ تأليف القصائد بالنسبة لحياة شخصٍ واحد، ويُجمعون على أن الإلياذة والأوديسة تعود إلى نهاية القرن التاسع قبل الميلاد، أو تبدأ من القرن الثامن، حيث تسبق الإلياذة الأوديسةبعقود.", ويسبق هذا التاريح هسيود مما يجعل الإلياذة أقدم نصٍ أدبي مكتوب في الأدب الغربي. في العقود القليلة الماضية، حاجج بعض الباحثين ليثبتوا تاريخاً يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد. ويُعطي من يعتقدون أن القصائد الهوميروسية تطورت تدريجياً خلال حقبة زمنية طويلة نسبياً تاريخاً متأخراً لها، إذ يرى غريغوري ناجي أنها لم تصبح نصوصاً ثابتة إلا بحلول القرن السادس قبل الميلاد. يقول ألفرد هيوبك أن تأثير أعمال هوميروس الذي شكل تطور الثقافة الإغريقية وأثر فيها قد أقر به الإغريق الذين اعتبروه معلمهم.
اسم الكتاب: الأوديسة الكاتب: هوميروس تاريخ صدور العمل: حوالي القرن السابع ق.م
المدهش حقاً في ملحمتي هوميروس هو تحقق مثل هذا النضج الدرامي في تلك الأزمنة السحيقة. فالأوديسة مثل الالياذة تدور حول فكرة رئيسية وهي رحلة أوديسيوس للعودة إلى وطنه إيثاكا، والتي امتدت لعشر سنوات واجه فيه العديد من الأهوال، وحول تلك الفكرة الرئيسية ينسج هوميروس العديد من القصص الفرعية بمهارة وإحكام. ومثل الإلياذة يبدأ هوميروس من منتصف الأحداث لإثارة تشويق القارئ، ثم يتحين الفرص من آن لآخرلإطلاعنا على الأحداث السابقة. وهذا - على حد ظني- تكنيك درامي متطور. ويتنقل هوميروس بين الأماكن والشخصيات ببراعة، وتتابع الأحداث بسلاسة وإحكام. وهوميروس رغم أنه يهتم بشكل خاص، ولا سيما في الأوديسة، بوصف الأحداث المشوقة والمغامرات المثيرة، إلا أنه لا يغفل أبداً عن الجوانب الإنسانية، بل وبعطيها الجانب الأكبر من اهتمامه. فنجده في الأوديسة يرسم لنا صوراً رائعة وناطقة للعديد من مواقف الحياة؛ فيصور تليماخوس الصبي وحيرته وقلة حيلته في التعامل مع المغازلين الذين يريدون الزواج بأمه بعد طول غياب والده، ويقدم من خلال بينولوبي صورة الزوجة الوفية المخلصة لزوجها، وهناك أيضاً راعي الخنازير المخلص لسيده، وناوسيكا الشابة الذكية اللبقة، وغير ذلك من نماذج إنسانية ثرية. فالعمل تحفة فنية جديرة بأن تظل خالدة عبر القرون، لا يشوبها سوى القليل من السخف والمبالغة في بعض الأحداث؛ مثل: شجار أوديسيوس وهو متنكر في زي شحاذ مع شحاذ آخر، والمبالغة في تشكك بينلوبي في شخصية زوجها بعد أن كشف لها عنها وسؤاله عن أمور لا يعلمها سواه، وغير ذلك. وهناك أيضاً بعض الاستطراد في القصص التي كان يختلقها أوديسيوس لإخفاء شخصيته، وإن كان ذلك الاستطراد يبرز جانب مهم من شخصية أوديسيوس، وهو سعة حيلته ودهاؤه ولباقته.
قرأت الأوديسة بترجمتين مختلفتين؛ النسخة الأولى ترجمة أمين سلامة وصادرة عام 1961، والنسخة الثانية ترجمة دريني خشبة وصادرة عام 1945. النسختين منقولتان نثراً، فلم نجد من يقوم بمثل ما قام به سليمان البستاني من عمل فذ في نقله للإلياذة نظماً. دريني خشبة كان أكثر التزاماً بالنص بعكس ما فعل في الإلياذة، واكتفى بتخفيف القليل من الحكايات الطويلة، ولا أرى ذلك بالطبع من صلاحياته كمترجم رغم انتقادي لبعض تلك الحكايات. أمين سلامة كان أكثر أمانة في نقل النص، وحرص بشدة على أن يشير في الهوامش إلى أي تعديل أو إضافة قام بها لجعل بعض العبارات أوضح للقارئ. لكن لغته كانت جافة بعض الشيء، وأعتقد أنه لم ينجح في أن ينقل لنا بلاغة لغة هوميروس وصوره وتشبيهاته ومواطن الجمال في ملحمته الشعرية. دريني خشبة كانت لغته أفضل وأكثر بلاغة، وإن عابه استخدام الأسماء الرومانية لآلهة الإغريق، واستخدامه تعبيرات قرآنية في بعض المواضع تجعل القارئ يتشكك أن هذه كلمات هوميروس، وإن كان بعضها موفقاً في موضعه وعبر عن الفكرة ببلاغة. إجمالاً، أعتقد أن نسخة دريني خشبة أفضل، والاختصارات التي قام بها لا تتعدى مواضع معدودة وغير مؤثرة.