لقد تشقلبتِ الحكاية السارَّة، وانطفأ بريقها الأوَّل... فبعد أن كان مونولوج الحُبِّ مُحفِّزًا للسعادة، تحوَّل الآن إلى سببٍ لمعاناتهما. الحُبُّ يجعلك خفيفًا، مثل غيمةٍ ليِّنة وطريَّة. الفقْد يقلبك لا مرئيًّا، مثل شبحٍ يغشاه الخواء. هذا ما يفعله الفقد! الفقد يعبث بكيمياء الأشياء، فيُبدِّل السَّعِدَ من الذكريات إلى تَعِس، واللَّذة إلى وَجع. الفقد يصيب المرء بلوثة، يسلبه اتِّزانه... حينها لا يعود الشخص نفسه. يتذكَّر كلاهما سعْيَهما إلى أن يشبعا من بعضهما... كان على المرء أن يحافظ على درجة من الجوع إزاء الأشياء التي يحبها ويرجو دوامها. إلا أنَّ الأمر ما يزال يُحيِّرها: أيرحل المرء لِجوعِه أم لِشبعِه؟
هناك نصوص تولد ناضجة ومكتملة ونصوص ندى الشهراني إحداها.. متتاليات قصصية مُعتنى بها يتضح فيها حجم الدأب المبذول والمهارة التي أولتها للعمل ..أولى تلك العلامات هي البناء السردي المنظم حيث خلقت الكاتبة نمطاً هندسياً يتمثل في بناء سردي متصل / منفصل تنقسم فيه القصص إلى أربع مجموعات تتكون كل منها من ثلاثة قصص فكل مجموعة هي ثلاثية قصصية ، يجمع بينها رابط جوهري وغالباً ما يتمثل في شعور أو فكرة تمتد بين النصوص الثلاثة لتخلق ثيمة مخبوءة في ثنايا القصص، لم تكتف الكاتبة بذلك البناء فابتدعت حيلة سردية أخرى ختمت بها أغلب الثلاثيات تتضمن مشاهد قصيرة جاءت بمثابة لقطات سردية تأخذنا أقرب فأقرب إلى جوهر الفكرة ، إن ندى ترصد أكثر مما تكتب وتترك لقارئها حرية أن يكمل تلك الفراغات بما وصله من إيحاءات تنتج من تفاعله مع النص..
نعود للرابط الذي يجمع القصص ففي المجموعة الأولى كان الحكي والقص كبديل عن واقع خانق وما تصنعه القصة من مصائر وتحولات.. في الثانية كان وجودياً بحتاً يتلمس الفراغ الذي يخلفه موت الأحبة و يدور حول معانٍ كالوجود والذاكرة والنسيان .أما المجموعة الثالثة فكانت عن الرغبة والواقع وما بينهما و الصراع بين ما ترسمه لنا أحلامنا ما تقودنا إليه الحياة.والأخيرة كانت عن الأثر الذي تتركه علينا التجارب وتشكلنا من خلاله عن ثقلها الذي يطبع القلب بأثر لا يزول فيُثقله مع توالي الأيام والخيبات. لا تكتب ندى بسهولة وبساطة.. تختار المفردة الأكثر جزالة عِوضاً عن الدارجة.. تنحاز للتورية والتلميح عوضاً عن المكاشفة والمباشَرة كما تكتب القصة بنَفَسْ شعِري يمجد الشعور وينتصر له على حساب الحدث.يعترضك في منتصف السرد نص شعري ذلك حين يبلغ الشعور ذروته فينتقل بالنص إلى مستوى درامي عالي وجميل ومشحون..وبالنسبة لي يعتبر هذا من نقاط قوة العمل وفيه سمحت الكاتبة لنفسها بالتراخي والانفلات من نظامها القصصي لأن المجد كل المجد للحظة ذاتها حتى تحتفي بها وبالشعور حتى يبلغ منتهاه.
يجف العالم لو اختفى آخر أثر للقصّ من على الأرض كما تقول ندى في كتابها.. لذلك فهي تؤمن بالحكاية وتلحق بفوج الحكّاءات اللواتي يمتلكن المصائر والخواتيم والحل والعقد ويصنعن عوالم من الدهشة تنمو وتكبر وتستمر.تماماً كما نتمنى لكاتبة قلب منقط . ترشح العمل قبل أيام للقائمة الطويلة لجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية ، فخورين بندى الشهراني كاسم خليجي نراهن عليه وعلى تميزه.
عرفتُ ندى الشهراني قارئة مجتهدة عبر نادٍ للقراءة في الدوحة؛ تناقش، وتدير، وتكتب مراجعاتٍ لنصوصٍ جيّدة. فجئتُ إلى هذه المجموعة بقلبٍ “خالٍ من النقاط”، ومحمَّلٍ بكثيرٍ من الدوائر التي تتّسع لترحّب بقارئةٍ جادّة، وكاتبةٍ قادمة. وقبل ذلك، طفلةٌ محمومة بالقصص، عرفتها لا تكبر، تحتفظ بالدهشة… أبدًا. أحببتُ الثلاثيات التي أوردتها؛ فكلُّ قصّةٍ لها ثلاثيةٌ متتالية بشكلٍ أو بآخر، خيوطٌ تجتمع وتقترب، ببدايةٍ تسلكها ونهايةٍ تفضي إليها. بدأت المجموعة بـ أمّنا حبّابة، ذاكرتنا الجمعية المحببة، كأنّها هدنة مع الحنين، مدّت يدها إلى قارئٍ يعرفها وتعرفه. ثم جاءت الثلاثية الثانية والثالثة، بقليلٍ من الدهشة، رغم أنني تلقّفتُها كمن يتفقد شيئًا يريد به الذهاب إلى أبعد. كان الفقد، وكانت الأحلام والحيوات التي لنا أو لغيرنا، وللوطن الذي نحمله في كفّنا. أما الثلاثية الرابعة، فهي المدهشة حقًّا؛ أحببتها بكلّ نقطةٍ فيها، وهي التي أمدّتني بوداعٍ محفوفٍ بوعدٍ بلقاءٍ قريب. حكاية، “ثم”… سأفسّرها هكذا: حين قرأتُ الإشارة إلى أسماء الكتب والدواوين، تضايقت كأنني أردتُ أن أستأثر بهذه اللعبة بيني وبين ندى فقط، وليعرفها القارئ اللمّاح وحده. وحين صافحتني بـ “ثم”، وقرأتُ ما كتبت، “دَمّرني الكليشيه” بهذه الفكرة، لكنني استدركتُ بما لا يغيب عن ندى الذكية؛ أنها أضافتْ حرفًا يشفع لها، ويقدّم لنا شهرزادًا أخرى، تقول “ثم”، ونستمع إليها كلَّ الليالي. وما الكتب التي أشارت إليها إلا امتدادٌ لقصصٍ متّصلةٍ ومستمرة، تقدّمها لنا بسخاء، كآثارٍ لأقدامها التي تركتها في أرض القراءة التي تجمعنا؛ حيث لا يمكنك أن تنتهي منها دون أن تتسلّل إلى قلبك قرصاتٌ لذيذة وخاطفة، ونقاطٌ مضيئة، متوهّجة، ممتدّة أبدًا ودائمة.