«امتياز السؤال الفلسفي أنه كلما شرع في تناوله فيلسوفٌ، فإنه يكتبه كما لو أنه لم يكتبه أحدٌ من قبله. حتى عندما يعرض نصٌّ لهذا المفكر، لنص آخر لمفكر آخر، فكأنه يعرض لما لم يكن قائمًا. والسؤال الفلسفي لا ينمو، كل نموِّه أنه يحبو؛ لأنه طفل لا يكبر أبدًا. يظل ساذجًا وجاهلًا ومرتبكًا أمام أبسط حقائق العام وأشيائه.»
هذا الكتاب هو أحد الإسهامات العربية الجادَّة التي سعت إلى إنتاج تفلسف عربي أصيل، يعود بالأسئلة الفلسفية التقليدية إلى اللحظة السُّقْراطية في دهشتها الأولى وبراءتها، فيستفيض في تحليلها والحديث عن شروط إنتاجها، ومقومات فاعليتها، صارفًا جهده إلى «اللامفكَّر فيه» من الإشكاليات والقضايا الفلسفية. يغطِّي هذا الكتاب مواضيع شتَّى مثل طبيعة السؤال الفلسفي، وفل
مطاع صفدي مفكر وروائي عروبي سوري (1929 - 2016) ؛ يعد من أشهر أعلام الفكر الفلسفي العربي المعاصر حيث تربت على مؤلفاته ومقالاته أجيال من القراء العرب، وكان له دور بارز في رعاية ترجمة العديد من أمهات الكتب الفلسفية والفكرية إلى العربية.
تأثر صفدي في خمسينيات القرن العشرين بالفلاسفة الغربيين المعاصرين الملتزمين بقضايا شعوبهم وأممهم، خاصة التيار الوجودي وزعيمه الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر الذي أعجب به صفدي منذ شبابه وظل كذلك.
تبنى فكرة القومية العربية منهجا للتحرير والتحرر فانتمى إلى حزب البعث العربي، لكنه سرعان ما استقال منه وكان أول منتقديه في كتاب شهير أصدره عام 1964 بعنوان "حزب البعث.. مأساة المولد ومأساة النهاية"، قائلا إنه اكتشف أن هذا الحزب "لم يكن يخدم الأهداف الحضارية العربية".
أسس صفدي وترأس "مركز الإنماء القومي" (عام 1981) الذي نشر عبره مؤلفاته وترجماته، وترأس تحرير مجلتيْ "العرب والفكر العالمي" و"الفكر العربي المعاصر" فاستقطب لهما عددا كبيرا من المفكرين في المجال الفلسفي العربي، واهتمتا بنشر ملفات تتناول قضايا الفلسفة والفلاسفة. وكان يكتب في عدد من الصحف والمجلات العربية حتى آخر أيامه.
بدأ صفدي في الخمسينيات شق مساره الفكري عبر التأليف الجدلي بين النزعة القومية والفلسفة الوجودية، القومية كمذهب فكري وسياسي يؤمن بوجوب العمل على إحياء الذات الحضارية، والوجودية كموقف فلسفي يُلزم بتحمل عبء الحرية.
وكان للفيلسوف الفرنسي سارتر دور كبير في نشأته الفلسفية لا سيما في مجال التأكيد على واجب الاضطلاع بمسؤولية الحرية، ونحت المصير الذاتي والقومي نحتا بقوة الإرادة الإنسانية، كما كان للمفكريْن الفرنسيين ميشيل فوكو وجيل دولوز أثر واضح في تطور مساره الفكري.
كان من ثمرة ذلك التأثر قناعته بأن الفكر العربي هو في أمسّ الحاجة إلى الاستفادة من مفهوم النظام المعرفي الذي وضعه فوكو، ومن هنا جاء إشرافه على الترجمة البحثية للأعمال الكاملة لهذا الفيلسوف بدءاً بكتابه الشهير "الكلمات والأشياء"، ثم أتبع ذلك بالإشراف على ترجمة الأعمال الكاملة لدولوز بدءا بكتابه "ما هي الفلسفة؟".
في عام 1961 نشر صفدي في بيروت باكورة إنتاجه المعرفي رواية "جيل القدر" التي وُصفت لاحقا بأنها "أشبه بكتاب مقدس لدى كافة الشبيبة العربية"، إذ اُعتبرت دليلا مرشدا إلى تكوين الإنسان العربي الجديد في تناقضاته وفي حياته اليومية وكيف يمكن فعلا أن يلتزم بقضايا أمته.
عنى صفدي بـ"جيل القدر" جيله هو من الشباب العربي الوطني المثقف، الذي تجرأ على الحلم بأن يسفر نجاح الكفاح ضد الاستعمار عن تجاوز واقع التجزئة القـُطرية والمضي المنهجي نحو بناء دولة "الولايات العربية المتحدة"، متجسدة في وحدة الدولتين السورية المصرية (1958-1961) باعتبارها "الحدث الاستقلالي الحقيقي"، حسب تعبيره.
أنشأ صفدي مجلة "الفكر العربي المعاصر" عام 1979 وسخرها لإحياء "فكر التنوير" واحتضان أعمال الأجيال العربية الصاعدة من الباحثين في الفلسفة، وجعلها فضاء للتفاعل بين الفكر العربي والفكر الإنساني العقلاني، فأصبحت من أهم الدوريات العربية المتخصصة في دراسات الفلسفة والفلاسفة المؤسسين وخاصة الفلسفة الحديثة.
وفي الإطار نفسه، أسس في بيروت "مركز الإنماء القومي" الذي تبنى مشروع الترجمة البحثية العلمية ضمن "مشروع الينابيع"، فكان يهتم بترجمة الكتب التأسيسية في مجال الفلسفة ترجمة معللة ومفصلة وممهدا لها بمقدمات ومصحوبة بتفسيرات هامشية لكل الكلمات الصعبة والمصطلحات، إضافة إلى جهوده في طباعة كتب أساسية لفهم الحضارة الإسلامية في فترات نهضتها وانحطاطها.
ظلت الفكرة الأساسية في المسار الفكري لصفدي -الذي عاش العقود الأخيرة من عمره بين بيروت والعاصمة الفرنسية باريس- هي فكرة الدعوة إلى "عصر تنوير عربي معاصر لا يمكن أن تقوم نهضة بدونه، لأنه إلى حد الآن لم تمر الحضارة العربية بعصر تنوير فيما بعد انحطاط حضارتها".
وهذا التنوير يعرفه هو بأنه "فعل كفاحي ينازل فيه النور الظلام في وضح النهار..، إن لحظة التنوير ما زالت خارجة عن الزمن العربي إلى الآن، وكل ما نفعله هو في الواقع عبارة عن ذُبالات ضوئية نأخذها من هذه الجهة ومن هذه الجهة، ونحاول أن نعتبرها كما لو كانت شموسا مضيئة تنير هذا الظلام".
ولإحداث هذا التنوير يرى صفدي أن "العقل العربي بالذات يحتاج إلى إعادة نظر في ذاته وليس فقط في موضوعاته، وهذا هو عمل الفيلسوف العربي الآن إذا كان هناك فيلسوف عربي، وهو أن يشتغل على تحليل البنية العقلانية للعقل العربي بالذات، والعقل العربي طبعاً عقل إنساني ليس عقلا خاصا، لكنه ضمن تجربته التاريخية أصبحت لديه أنواع من العُقد الباطنية التي يجب الكشف عنها ليحدث في يوم من الأيام تغيير حقيقي"