نصّ مراوغ تخترقه قصص شتّى وتتقاطع فيه، فلا نعرف ما إذا كان يحدّثنا عن قصّة نائلة المليكي الفارّة بجلدها من أتون العنف والجنون، أم عن قصّة ثامر عبد اللّطيف الذي أثكل الإرهابُ ابنتَه الشابّة فعصف بأحلامه وأحلامها، أم عن الخالة أمّ الخير التي قلب لها الدّهر ظهر المجنّ بعد وفاة زوجها فطوّحت بها الأيّام، ومع ذلك لم تفقد طبعَها المرح وتعلّقَها بالحياة.
قصص مُتقاطعة تأخذنا إلى أزمنة مختلفة وأمكنة شتّى، لكنّها تنصهر في بؤرة الجنديّ المجهُول فتتعدّد الحكايات عنه وتتنوّع الهويّات المنسوبة إليه رافعةً إيّاه إلى مقام الأسطورة، مُتخطّية به حدود المنطق والعقل ليصبح حضنا دافئًا للمظلومين وسيفًا مسلّطًا على المعتدين.
«الجنديّ المجهُول» مغامرة أخرى من مغامرات القصّ يأخذنا إليها محمد عيسى المؤدب بسلاسة تُخفي الكثير من المهارة وببساطة تشي بالكثير من الاجتهاد، جامعًا بين ألعاب السّرد الممتعة وصرامة الفنّ المحكم.
ثلاث شخصيات تتقاطع السبل بها و يوحدها الألم و الفقد و عشق الارض : الشيخ ثامر المكلوم بفقد ابنته أثناء تحقيقها في الجزائر في العشرية السوداء و نائلة الشابة الهاربة من عنف زوجها و أم الخير السيدة التي توفي زوجها و فقدت سندها و بيتها . الشخصيات تحكي عن تونس في الماضي و الحاضر بعد ثورة الياسمين و تعلق على المتغيرات و فق تعاقب و تراتب في الحكي أثناء سمر ليلي . العمل يستند على معلومات تاريخية موظفة أثناء سرد الاحاث.
ما تعلمته من الخالة أم الخير التي لم تكن حكاءة فحسب ، بل طبيبة أرواح تتقن مداواتنا من اوجاع لا اسماء لها . لقد صارت الحكايات صيدليتنا ، نقتني منها ادويتنا بلا اموال .
إنّ أفضل ما في الحكاياتِ أنّها جسرٌ نعبُر عليه من ضفّة وحدتنا إلى ضفاف الآخرين .
ربما كانت الحكايات فرصتنا الأخيرة لنفهم أنفسنا . القصص يا سي ثامر هي الباب الخفيّ الذي نُطلُّ منه على حقيقتنا .
ينحى العمل بمنحيين: واحدٌ بقصص واقعية وآخر بقصة تاريخيّة. أعجبني القسم التاريخيّ من العمل والذي يتعلق بحكايات وروايات مختلفة عن قبر الجندي المجهول، حتى اللغة كانت جميلة في هذا القسم وعميقة.
القسم الواقعي، رغم أنه يتناول قصص ثيمتها العنف الناجم عن التطرف الديني، إلا أن صياغته كانت ركيكة جداً. حتى أنني شعرت بالضيق لأن هذا القسم كان يلزمه مزيداً من التحرير والتدقيق ولا سيما فيما يتعلق بصياغة الجمل والعبارات. كنت أشعر أنني أقرأ لشخص عمره 15 عاماً لسطحية اللغة ومشاكل صياغة العبارات، العكس تماماً عندما يكتب الكاتب في القسم التاريخي من العمل.
كنت سأمنحه نجمتين، ولكن الثلاث نجوم تذهب بشكل خاص لقسمه التاريخيّ وللخاتمة (مع أنني توقعتها حرفياً).
قد كان عالم محمد عيسى المؤدب دوما مكانا ساحراً وتونسيا لحد النخاع. عالم يمزج بين جماليّة الأدب والتاريخ المنسي لتونس أو بالأحرى ثبُت انّه تم نسيانه بالقوة لتظليل المجتمع عن الحقيقة والتعايش مع الصدمات الموروثة، الإجتماعي هو جيني ووراثي.
من خلال 3 شخصيات قام الراوي بسرد تاريخ تونس الحديث والمعاصر كأننا مسجونون في نسق زمني متكرر ودائري. نسق لعوب يغير الديكور والفاعلين للفتْكِ بضحاياه. - الشخصية الأولي : عبد اللطيف، ذلك الرجل الحكيم الذي تخلى عن عمله في الإدارة للحفاظ على حرفة الأجداد، فالذكاء البشري لا يكمن في المهارات التقنية بل في القدرة على الإبداع والتحرر من قيود المجتمع. شخصية عبد اللطيف قامت بتعرية الذاكرة الجماعية والمتمثلة في رمز من رموز التاريخ اللامادي لقبر الجندي المجهول. فالروايات تختلف عن هذا الطل المغوار ، في الزمان والمكان، لكنها تتقاطع في القيمة النبيلة - حب الوطن- قامت كل سرديات الجندي المجهول بتعرية الحقيقة حول البشاعات والجرائم المتواصلة حتى الآن في حق تونس من سحل وقتل لرعاياها الى نهب وسلب لرؤيتها والتنكيل بسكانها. مهما كان المستعمر - عربيا او إسبانيا او علوج - فقد تفننوا في هتك السلام الاجتماعي و أصبحوا من بعد من السكان المحليين بل غيروا السردية ليتحولوا الى اعيان وبشاوات قادرين على إعادة كتابة التاريخ وتنظيفه من الدماء. - الشخصية الثانية أو الصوت الثاني للرواية هي نائلة مليكة، العاشقة والشاهدة على تاريخ تونس المعاصر فالانتقال من ديكتاتورية إلى كتاتووية ذات صبغة ديمقراطية ليس بالأمر السهل ولا من مهام السهلة. نائلة ككل نساء العالم ضحية النزاعات والألعاب الذكورية الفضفاضة، لا تمتلك سوى الحكمة والذاكرة لتثور على السلط و مؤسساتها وقد مثّل رجلها وحبيبها مرآة لتلاعب النسق الزمني بعقول الرجال وتغيير تنكرهم كانهم في حفل تنكري. تروي هذه الشخصية وقوع في الحب مع رجل خالت انه توأم روحها لكن بعد الزواج تغير الأمر لتكتشف انها عشقت صورة جميلة لم تكن إلا لاعترافها و إيقاعها في دورة العنف. من الفجور الى الارهاب أو من بن علي الى الخوانجية, هكذا قدمت نايلة إنتقال رجلها المتعايش مع اضطراب ذو الحدين والذي تم تشكيله بطريقة نمطيّة والتعاطي مع الاضطربات النفسية كسبب للتطرف العنيف. ورغم انّ هذا الوصف الدقيق لشخصية الزوج والغير متطابقة مع مواصفات الإرهابي في الحقول السوسيولوجية إلا انه نجح في جعل الرواية جذابة. - البورتري الأخير للشخصية الصامتة (بالنسبة لي) وهي ام الخير, امراة عجوزتقطن مع عبد اللطيف مقابل القيام بأعمال الرعاية وليتجنبا الوحدة. هذه الشخصية غالبا ما لا تتكلم وتحبذ الغناء لإمتلاكها صوتا عذِب. لكن الغناء هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الظلم والالم وكشف السردية النقيضة أو المختفية وراء مستعمر فتَك بأهل البلاد ليُقدم في النهاية كمصلح ورائد في التغيير والسبب الوحيد للخروج من عصر الجهل والظلومات. الرواية جميلة, ذات حبكة وقرة على جذب القارئ ولكن لا تختلف عن الروايات السابقة لمحمد عيسى المؤدب