يظهر لي هذا المؤلَّف في أبجد، وتجبرني عراقيّتي على وضعه في لائحة الأشباح، أو لائحة ما أنوي قراءته. كان هذا قبل أشهر، وقبل يومٍ بدأتُ بمطالعته؛ إنه مصير فريد لما يقطن في تلك اللائحة عموما.
لطالما كانت الحضارة السومرية والبابلية حاضرة في الوجدان العراقي، وفي السعي الحثيث لإقحامها في كل ما نجده عراقيًّا. إننا نحاول الانتماء، بعراقيّتنا، إلى أوائل الحضارات، ونختلق بُعدًا بيننا وبين العرب. نحن بابليون، سومريون، لسنا عربا، لا سمح الله. ثقافتنا ثقافة سومر. لذا انطلقنا قائلين أننا من علّم الناس الكتابة، والقانون. بل ادّعينا، محقِّين طبعا، أنّ رقص الهجع رقصة سومرية تعلمناها من كهنة إنانا (1). بل حتى "زقنبوت" هي كلمة بابلية بقيت في اللهجة البغدادية حتى الآن، كما ورد في إحدى الريلز لفتاة عراقية. لكن لا يهم كل ذلك. فأصلُ الرحلة نيتها، وأصل تلك ما استيقظ في قلبي من حبٍّ وتشوّق لمتابعة أصل السرد. للحكاية فلكها، وقد جذبتني لمسارها لا محالة، أطوف في عرصاتها. فكيف لا أرِد أول منابعها ومبتدأ أخبارها؟
في صدفة قرائية، كان من مقدمات الكتاب الذي انتدبته -بعشوائية مخططة بدقة- لرحلتي هذه، صدًى لذلك الحرج من أزمة الهُوية العراقية. "نخلص من ذلك إلى أنَّ «هويَّة» ملحمة جلجامش لا تكمن في الحاضر، مهما بالغ المعاصرون في الانتساب لها، **بل تكمن في ماضيها نفسه.**" إن جوهر سحر هذه الملحمة وزُبدة فتنتها -لي، أنا الإنسان الحديث، حاليا- معرفة ما أرّق الإنسان قبل آلاف السنين. وكيف عالج أرقه سردا وحكايةً. لقد سلبت القصة لُبّ العقلاء، وكان من مفاتن أحوال الدنيا أن يكون أول ما يُعرف من الكتابات قصة، وليس كتابا فلسفيا ومقالات ميتافيزيقية أو أنطولوجية. في الحقيقة أول ما يُعرف من الكتابات وثائق مُلكية وحسابات واقتصاد وهذه الأشياء، لكن لا شاعرية في أن نقول أول ما كتب الإنسان عقدًا، والمجد للمحامي، أو أول ما كتب الأرقام، فالمجد للمهندس، أو أول ما كتب الاقتصاد .. لكن لا أظن أن أحدا سيقول المجد لخبراء الاقتصاد، سواءً في إطار شعريّ رومانسيّ أو لا. وتمّت فتنة الكلمة، حينما كانت آخر آيات الله تعالى للبشر كلاما معجزا في بلاغته، وموغلا في القصص كجواب عن محارات العقول ومواقفها(2)، وأُرشدنا لقراءة الكهف أسبوعيا، كل جُمعة، بقصصها، تذكيرا بأن وجودنا قصة، وجواب سؤالات عقولنا قصة، ويوم النشر مصيرنا قراءة نوفيلا حياتنا.
هذه الملحمة السومرية ثم البابلية ثم الأكدية دائرةٌ حول المشروع الإنساني. ما يجعل الحياة حياةً ذات معنى إن كان آخرها الفناء؟ نبتدأ بالسطر الأسطوري: "هو الذي رأى الخفاء."
He who saw the deep.
كأنه لم يغنِ هذه الملحمة أن تكون أقدم عمل أدبي نكتشفه، بل حرصت على أن يكون لمبتَدَئِها الخلود في خواطر قرّائها.
السطور الأولى تتغنى بمعرفة كلكامش الواسعة، وأسفاره البعيدة، وبنائه أسوار أُوروك. إنه مخترع الحضارة ومؤرخها. يحضر منذ البداية الطِباق بين ما بين الأسوار وخارجها: الحضارة داخلها، والوحشية خارجها. فإنه لا يُقدم على السفر في تلك المساحات الواسحة إلا بطلا أسطوريا. إنها مجازفة في سبيل المعرفة. تجلس الحضارة على كومة من المجازفات.
> He carved on a stone stela all of his toils,
> and built the wall of Uruk-Haven,
> the wall of the sacred Eanna Temple, the holy sanctuary.
> Look at its wall which gleams like copper,
> inspect its inner wall, the likes of which no one can equal!
> Take hold of the threshold stone--it dates from ancient times!
لكلكامش طاقة هائلة تجعله يرهق رجال البلدة ويغتصب نسائها. فتصل شكاوى الناس إلى الآلهة ليقرروا خلق أنكيدو كفؤا وقرينا له. تبتدأ حياته في البراري خارج الأسوار، فيشرب وينام مع الغزلان والحيوانات. يراه صيّادٌ فيرتعب من قوته البادية، وتمضي الحكاية في نصب كمائن لتدجينه: شمحات، إحدى كهنة إنانا أو عشتار. يفقد أنكيدو براءته الحيوانية من اجتماع حب مع امرأة. عدّ البابليون الجنس مدخلا للحضارة ومناهضة للحيوانية، كأنها شجرتهم المحرمة. وهكذا، ينتقل أنكيدو من حياة حيوانية، إلى إنسانية حضارية، ويلبس الثياب، ويدخل أسوار أوروك، ويصبح قرين كلكامش. يقدمون على الصِعاب ويقتلون خمبابا. المعصية الأولى. تراود إنانا كلكامش عن نفسه، فيحقرها ويرفضها. المعصية الثانية. ترسل عليهما ثورًا سماويا، فيقتلوه. المعصية الثالثة. تجتمع الآلهة وتقرر موت أنكيدو. وهنا يباغت كلكامش معضلةٌ وجوديّة: أي معنى بقي للحياة إن كان الموت نهاية أقوى البشر؟ ما معنى حياتي إن كان لها نهاية؟ تجرّه حيرته الوجودية إلى أسفار ورحلات لاختلاس لغز الزمن، للخلود. وهكذا ينساق الكلام إلى الإنسان الخالد الوحيد: أوتانبشتم، الناجي من الطوفان، والذي حمل على سفينته بذرة كل روح. خلاصة الرحلة: لا خلود لك يا كلكامش ولا لغيرك من البشر. "إلى أين تسعى يا كلكامش؟ إن الحياة التي تبغيها لن تجدها. عندما خلقت الآلهة البشر، كتبت الموت عليهم، واستأثرت لأنفسها الخلود." يا جبّار! هكذا كان يكتب الناس قبل 6 آلاف سنة؟! يجد كلكامش سلامه مع الموت من هذه الرحلة، وتنتهي الملحمة بما ابتدأت به، بتمجيد هذه الأسوار التي بناها. معنى المشروع الإنساني، إذن، حضارتُها. لا معنى لأي حياة فردية، إن صح التعبير، لكن الخلود للجماعة، للنوع، وهذا هو معنى حياة الإنسان.
ما هي الركيزة الأساسية للملحمة؟ ما الذي تبتغيه؟ "يعبِّر الشِّعر البطوليُّ عن منظومةٍ من القيم، ولا يمكن له أن يوجد ما لم توجدْ قبله منظومةُ القيم المذكورة. ويكمن جوهر هذه القيم في مفهوم «البطولة»، أي التَّعبير الأقصى عن روح النَّبالة والفروسيَّة والشَّرف الرَّفيع من خلال الإقدام على المواقف الخَطِرة، والمجازفة بالتَّضحية بالحياة نفسها من أجل هذه النَّبالة الاستثنائيَّة. يُدافع الشِّعر البطوليُّ عن هذه القيم باعتباره معنى الشَّخصيَّة وأسلوب وجودها. وإذا تعرَّضت للخطر، تعرَّضت النَّبالة نفسها للخطر، ولن يتردَّد البطل بالدِّفاع عنها بكلِّ ما أُوتيَ من تهوُّر واندفاع وحميَّة تستعصي على التَّرويض." إذن ملحمة كلكامش تمثّل الثقافة العامة لذلك العصر: ما عدّوه مهما وما ظنوه جديرا بوصف البطولة وحقَّه التخليد.
"وأول مسألة تتراءى لدى النظرة الأولى هي أن داخل الأسوار حضارة وبناء وأن خارج الأسوار طبيعةٌ وعراء. داخل الأسوار، هناك الأبنية والقصور والمعابد، التي تتباهى كلُّها بكونها مبنيَّةً من الآجرِّ المفخور، الذي صنعه سكّان المدينة بأنفسهم، وبعضها من النُّحاس الذي يتلامع ويأتلق. أمّا خارج الأسوار، فلا يوجد سوى التِّلال، التي ينصبُ فيها الصَّيّادون فخاخَهم لاصطياد الحيوانات، عندما تتجمَّع بالقرب من مساقي الماء. لا شيءَ خارج الأسوار يشي بالحضارة، أو يكشف عن أيِّ مظهرٍ من مظاهر ترويض الطَّبيعة سوى محاولات الصَّيّادين نشر شباكهم للإيقاع بالحيوانات. ويمكن القول إنَّ العراء الذي يمتدُّ أمام البصر لا يمثِّل سوى الوحشيَّة والبربريَّة التي لم يروِّضْها الإنسان بعد."
أعجبني الكتاب جدا، فهي رحلة زمنية وأدبية. شيء مدهش في أن أقرأ مخاوف الإنسان قبل آلاف السنين، وأراها هي هي. يبدو أن الإنسان منذ طليعة فجره الثقافي كان يردد سؤال الملائكة: "أتجعل فيها من يفسد فيها؟" أي حكمة مضمرة في خلق الله تعالى لنا؟ من يدري، لكن الأكيد أننا ما زلنا نحاول فهم ذلك من خلال الحكايات.
---
(1) من مباهج الهجع الشعر المصاحِب:
أجلّبنّك يا ليل وراح أدك عَل راح
ولا مرهه الوسن عيني ونمت مرتاح
ولا صاحب نفعني، ولا نفعني صياح
أنا طايح وإلْ يعثر تكثر كصاصيبه بويه يا بويه
(2) قال الرازي، وهو القامة العقلية الخالدة:
نهايةُ إقدامِ العقولِ عِقَالُ ،، وأكثرُ سعيِ العالمينَ ضلالُ
وأرواحُنا في وحشةٍ من جسومِنا ،، وحاصلُ دنيانا أذىً ووَبالُ
ولم نستفدْ من بحثِنا طولَ عمرِنا ،، سوى أنْ جمعْنا فيهِ قيلَ وقالوا