“أنظر من نافذة غرفتي التي تقع في الطبقة الأخيرة من بناية قديمة، إلى الأسطح المجاورة، وأتخيل قناصاً لامرئياً يكمن خلف الأطباق اللاقطة، أو خزانات المياه، أو النافذة المقابلة لنافذتي مباشرة، فأنا في مرماه تماماً. وهاأنذا أتخيل طريقة موتي، وكيف سأقع عن الكرسي ببطء، ليرتطم جسمي برخام أرضية الغرفة، فيما ستتلوث شاشة الكمبيوتر المفتوحة أمامي بدمي، من دون أن أكمل الجملة الأخيرة".
يسجل الروائي يومياته من قلب الجحيم، كما عاشها طوال ألف يوم ويوم، ليغلق الدائرة على "سرديات الشهود"، وإذا بنا نقع على شهرزاد أخرى تتجول في شوارع دمشق اليوم، وسط الحرائق، من دون أن تحتاج إلى اختراع حكايات خيالية.
يستدعي خليل صويلح بطريقته السردية اللافتة، والتي خبرناها في "وراق الحب"، و"دع عنك لومي"، و"سيأتيك لاغزال"، مؤرخين ووراقين ومدونين قدامى لفحص صورة دمشق المنكوبة، على غرار ما فعله سلفه شهاب الدين بن أحمد البديري الحلاق في كتابه "حوادث دمشق اليومية"، كما يحاور ابن عساكر، وابن خلدون، والتوحيدي، فتختلط الخرائط، وتتعدد الهويات، ويشتبك الرواة، فوق سجادة بلاغية تحتشد بجماليات شعرية آسرة، رغم كابوسية المشهد.
يأتي خليل صويلح في عمله الجديد (جنة البرابرة) ليبرهن أن عبث السياسة بامكانه أن يطول كل شيء، الرواة والتاريخ والمدن والوقائع، حتى الكتابة لن تسلم من ذلك، ستتخلص من شكلها المعتاد، فأسباب الخراب عديدة والهاوية عميقة والراوي كان عالقا في أتون النار محصيا لأنواع العنف، غير واثق من قدرته على البقاء، لذا من المستحيل أن نتوقع منه رواية محشورة في جنسها الأدبي المعتاد، إعادة النظر في أساليب السرد التقليدية، بهدف خلخلة اطمئنان القارئ وثقته بما يظنه أبديا كان واضحا منذ الصفحات الأولى للعمل، فالسارد لم يرغب يوما أن يكون في موقع المؤرخ، وكلمة (رواية) على الغلاف الخارجي لا تعني شيئا!
«هناك لحظة خاطفة وعصية على الوصف: الرواي الذي نجا بالمصادفة، سيفقد حدة التركيز، فما عاشه تحت القصف المباغت، أو في المعتقل، أو لحظة الفرار من الموت المحتم، أو لحظة الاختطاف، أو الانتهاك، لن يتكرر مرة أخرى بالتفاصيل نفسها».*
العمل يرصد عذابات دمشق، عبر تدوينه «سرديات الشهود» وما أكثرهم! تنتهي اليوميات بتاريخ 2013/12/9. «وفي اليوم الألف، لم تتوقف الحرب!» هناك مسودات ضائعة، ربما من شدة قتامتها لم يتمكن الراوي من استرجاعها في كتابته وظن أنها فقدت من ذاكرة الحاسوب.
استحضر صويلح تاريخ دمشق، عبر تضفير السرد بمرجعيات من التراث والأدب والموسيقى، استخدم شخصيات لعبت دورا مؤثرا في المدينة القديمة، تعبر الوجوه تباعا في شريط «التغريبة السورية» لتسرد شيئا من ماض لن يعود، بينما يسجل الراوي يومياته في (بلاد لم تعد موجودة إلا في مصورات «غوغل ايرث»).
هي سيرة ذاتية، ومرثية عظيمة تنسج خيوط الزمن الضائع، و رواية ناقصة غاب عنها الرواة باكرا، كتبت في العتمة. محاولة عبثية لاخراج مقتنيات متحف عظيم للشارع المضطرب حيث السيارات المفخخة ومشاهد القتل والتشريد، وكأن الراوي يشهد التاريخ - بعظمائه وحكمائه - على بشاعة ودموية الحقبة الحالية.
«شريط طويل ومكرر، من الغزوات والفتوحات والثورات والمذابح واهتزاز العروش، يعبر أمامي بالأبيض والأسود، عدا كدمات حمراء داكنة، هي أختام فاتحين وملوك وخلفاء و ولاة وقادة جيوش وجنرالات وانقلابيين».*
مغامرة صويلح في السرد التاريخي الممزوج بالسيرة الذاتية والمزدان بالألعاب اللغوية، هل ستحظى بما تستحقه من احتفاء؟ هل سيتقبل القارئ عمله الموسوعي دون الوقوف طويلا عند المسميات وما اعتاد عليه من نمط روائي؟ هذا العمل الاستثنائي قادر على الاحتفاظ بقيمته لقارئ حالي وآخر مستقبلي، وربما لجيل عربي قد ينجح في التخلص من (الديناصور) الذي أبقاه صويلح طليقاً في (جنة البرابرة)!
*من رواية (جنة البرابرة) لخليل صويلح، دار العين 2014
"كل الناس صالحين للحرب، ان لم يكن كي يقتلوا، فلكي يموتوا". من يعيش في دمشق يرى الحرب بواقع مختلف، الحرب هنا بطيئة وأكثر سوادا، لا نملك ترف تسارع الزمن في لحظات الاشتباك، الترقب والانتظار هو سيد الموقف في دمشق، مدينة تخلو من أهلها شيئا فشيئا، تحاصرك بحصار ترقبها لتصبح منفيا، ويضيق بك المنفى عند بحثك عن سهرة مع صديق ليشاركك توقف الزمن، او عن حضن امرأة في ليلة حمراء تتنفس منها هواءا نقيا من رائحة البارود والدم المسكوب في الشوارع، حتى خفقة القلب عند صوت الانفجار او خبر الموت ذبلت ،قتلها ضجر الوحدة بانتظار الموت، فلم يبق هنا صديق ينتظر الموت معك.
يقال أنه في هيروشيما، لم تترك القنبلة النووية أطرافًا أو وجوهًا أو عظامًا؛ تركت ظلالًا. فالوميض الحراري الهائل، الذي بلغت حرارته آلاف الدرجات في جزء من الألف من الثانية، لم يمنح الأجساد فرصة للاحتراق، بل اختطفها قبل الاحتراق ذاته. ما تبخّر لم يكن الإنسان كاملًا، بل طبقاته السطحية، تلك التي امتصت الصدمة الأولى، فيما تغيّر لون الأسطح من خلفه. الضوء أحرق الحجر، لكن الجسد -ولو للحظة- أعاق هذا الحرق، فبقيت “بقعة نجاة” على الجدار، لا تسجّل من الإنسان إلا هيئة غيابه. هكذا تشكّلت ظلال هيروشيما: آثار صامتة لمن احترقوا قبل أن يسقطوا.
ولذا، فأنا متساوٍ مع خليل في مشترَك ثالث غير الكتابة والسورية، كينونة الظل. ظلال تصرخ في عالم لا يكاد يعبأ بالأجساد، ومن هنا، وفي خضمّ صراعٍ نما في ظلي بينه وبين ظل الشاهد خليل، قررت بعد قراءة هذه اليوميات أن أدوِّن شهادتي، عن يوميات ظل باحث عن بلاده.. في بلاده.
هذه الرواية استمتعت بها كثيراً أثناء قرائتها.يمكن أن أقول أدهشني لجماليتها منذ مدة أعتقد كنت قرأت لنفس الكاتب كتاب حول الكتب والمكتبة وأحسست بنوع من الملل وعندما اقنيت هذا الكتاب ظننت أنه سيكون مملا.لكن طرأ العكس. رواية تتحدث عن الألم والحرب والشتات والظلم الذي تعرض له الإنسان السوري الذي كان يُبطش من طرف النظام السوري المتمثل في الأسد الذي ذهب غير مأسوف عليه والنظام الداعشي من جهة أخرى. تجارة في النساء تحت غطاء يسمى الزواج أو ملكة اليمين خطف الأشخاص وطلب فدية . قرأت هذا الرواية تزامناً مع الأحداث الأخيرة للسويداء.ونرى أنه بعد أكثر من عشر سنوات لم يتغير شيئا،القمع الذي بدأه نظام الأسد يكمن نظام الجولاني.
تبدو أقرب لليوميات والملاحظات على الحرب السورية من كونها رواية تحتوي على شخصيات وحبكة روائية , يستعين الكاتب بكتب التراث والتاريخ والشعر في محاولة لتفسير كيف تحولت سوريا لهذا القدر من العنف والدمار والكراهية , ويبرز الكاتب جرائم النظام السوري وجرائم الجماعات الاسلامية المسلحة على حد سواء دون انحياز أو تبرير لأي منهم