جامعي وروائي يشغل اليوم منصب أستاذ كرسي بجامعتي الجزائر المركزية والسوربون بباريس، يعتبر أحد أهم الأصوات الروائية في الوطن العربي على خلاف الجيل التأسيسي الذي سبقه تنتمي أعمال واسيني الذي يكتب باللغتين العربية والفرنسية إلى المدرسة الجديدة التي لا تستقر على شكل واحد وثابت، بل تبحث دائما عن سبلها التعبيرية الجديدة والحية بالعمل الجاد على اللغة وهز يقينياتها، اللغة بهذا المعنى، ليست معطى جاهزا ومستقرا ولكنها بحث دائم ومستمر.
إن قوة واسيني التجريبية التجديدية تجلت بشكل واضح في روايته التي أثارت جدلا نقديا كبيرا، والمبرمجة اليوم في العديد من الجامعات في العالم: الليلة السابعة بعد الألف بجزأيها: رمل الماية والمخطوطة الشرقية، فقد حاور فيها ألف ليلة وليلة، لا من موقع ترديد التاريخ واستعادة النص، ولكن من هاجس الرغبة في استرداد التقاليد السردية الضائعة وفهم نظمها الداخلية التي صنعت المخيلة العربية في غناها وعظمة انفتاحها ، ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية من بينها : الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، السويدية، الإنجليزية، الدنماركية، الأسبانية، الكردية، والعبرية وغيرها
حصل في سنة ٢٠٠١ على جائزة الرواية الجزائرية على مجمل أعماله، حصل في سنة ٢٠٠٥ على جائزة قطر العالمية للرواية على روايته : سراب الشرق، حصل في سنة ٢٠٠٧ على جائزة الشيخ زايد للآداب، على روايته كتاب الأمير، حصل في سنة ٢٠٠٨ على جائزة الكتاب الذهبي على روايته: أشباح القدس
كنت أودّ أن أقيّم ما قرأته بنجمة واحدة تعني إنه لم يعجبني (أي: الكتاب!!)، وهو المصافحة الأولى لي مع المؤلف، ثم أمضي دون أن أكتب أو أزيد شيئًا، إلا إنني قرأت على جودريدز قبل قليل في هذه الليلة اقتباسًا بالعربية لأوسكار ويلد يقول: كيف يكون الإنسان فقيرًا وهناك من يحبه؟
فبحثت عن أصلها، وكان: Who, being loved, is poor?
وفي صياغة وتركيب النص الإنجليزي: فتنة، لم يُوفق المترجم إلى نقلها، وهنا وعلى مرمى حجر من هذه المقولة تذكرت مقطعًا من كتاب سيرة رضوى، الذي أنهيته منذ أيام قليلة، وتذكرت مقطعًا يقابله في سيرة واسيني، عندما أدركا هما معًا وللوهلة الأولى: أثر ما صنعاه في حياتهما، فأما هي – وفي ختام سيرتها - عندما عادت من رحلة علاجها في أمريكا، ووجدت طلابها وأصدقائها في استقبالها في المطار، وحتى بيتها، ومعهم باقة زهور كبيرة، وبالونات ملوّنة كتبوا على كل بالونة منها اسم كتاب من من أعمالها، ثم ذهبت إلى مكتبها في الجامعة فوجدت أجواء مشابهة ووجوه مبهجة محتفلة بعودتها، فعند ذلك
قلت لنفسي: "امرأة محظوظة، لا شك"، قلتُ: "حتى الرحيل الآن ليس خطأ، الثمار أسخى وأوفى مما تصوّرت"؛ استدركتُ: "لا أحد يجرؤ على الرحيل مخلّفًا وراءه كل هذا الحب .. لا أجرؤ"
وأما هو – وفي ختام سيرته – عندما وقف بالصدفة – كما يحكي - في مواجهة نطاحات السحاب في مشروع سكايلاين، في دوان تاون لوس أنجلس، وهو المركز التجاري والثقافي الأكثر حداثة في أمريكا، والأكثر تعقيدًا في المجال العمراني والمالي والمصرفي والرياضي والفني أيضًا، مركز تجمّع وسائل النقل والطرق السريعة بالخصوص وان أو وان 101، ثم يقول عقب هذا الشرح إنه عند هذا المشهد:
تأملت طويلا البنايات العالية التي كانت تخترق السماء، بدهشة طفل . شعت شمس لوس أنجلس البيضاء وسماؤها الزرقاء أبدا في عيني بقوة، فنهض الطفل النائم فيّ، وانتابني هذا السؤال بشكل تلقائي لم أحسب له أي حساب، إذ لم تكن لدي أية قصدية: كيف استطاع طفل عاش بالصدفة، وكبر الصدفة، وتعلم نجح بالصدفة، وما يزال يعيش إلى اليوم وفق سلسلة من الصدف التي مدت من عمره قليلا، نبت في قرية لا توجد على الخارطة، كان حلمه الأكبر أن يصبح معلما في القرية للحصول على سكن، والخروج من دائرة الفقر، وإعالة أمه وإخوته. ربما كانت حالة وعي أكبر من سني وقتها، لأن أمي كانت لها وجهة نظر أخرى. أن أتعلم أولا وأخيرا وأن لا أفكر في أي شيء آخر. انشغالها الأكبر هو الوفاء لوصية الوالد الذي طلب منها تعليم الأولاد وأن تتصرف بعدها في حياتها كما تشاء.
ماذا حدث من تحولات بلا حدود ليجد هذا الطفل نفسه فجأة يقف في مواجهة ناطحات سحاب هي أرقى ما وصلت إليه البشرية، كان يكتفي برؤيتها في البطاقات البريدية التي يحفظ الكثير منها في أرشيفه الخاص ويتباهى بها أمام أصدقائه من الأطفال؟ ما الذي جاء به إلى لوس أنجلس سوى كتاباته التي منحته فرصة لا تقدر بثمن، ليخرج من دائرة الضّيق التي مات تحت ثقلها الكثير من الكتاب والفنانين؟ حظ كبير أن تصبح كاتبا لأن الكثير من المسافات تُختصر أمامك، وتُفتح معا أبواب الجنة وجهنم، في وقت واحد، لأن النجاح وسط دائرة الفشل والجفاف، ليس أمرا بسيطا. النجاح ليس وحيا يوحى. قد يكون للصدف فيه دور مهم، لكن في النهاية يصنعه الإنسان بيومياته، وتضحياته وحتى خوفه من الإخفاق. سدنة الموت والضغينة ينتظرون في كل الزوايا. هذا الموضوع أيضا يحتاج لا إلى سيرة، ولكن إلى كتاب مليء بالسخرية. السخرية وحدها قادرة على توفير لحظة تجاوز سلمية تسمح بمصالحة عالية مع الذات.
الحسد أعمى، وهو الصورة الخفية للفشل والإخفاق. تعلمت من حياتي أن أجمل الحلول هي الخروج نهائيا من هذا المنطق، والاتكاء على مثل حنّا فاطنة وميما أميزار الذي به الكثير من الحكمة: لو رمينا كل كلب نبح بحجر، لنفذ الحجر. لهذا كان الرهان الأكبر هو رهان كتابي. غرقت فيها، ونسيت كل شيء، ومحت أنوار الكتابة كل الحواجز في طريقها ولم تترك أمامي إلا المسارات الضوئية كدليل في دهاليز الإبداع. عالم الكتابة الداخلي قاس، وبه قتلة ومتربصون برتب مختلفة، من الجندي البسيط المسخر للآخرين، إلى العقيد المكلف بالتنفيذ، إلى الجنرال وحتى الفريق الذي ينظر من وراء الحجب والستائر.
سأضطر إلى البتر، هذا وقد نقلت هذه الفقرة، ولم أكتبها وإلا لتساقطت من الملل، فالسيرة نُشرت من قبل صفحة على الفيسبوك، وأشار المؤلف إلى ذلك وشكر القائمين عليها والـ10 آلاف عضو المشترك بها، عشرة آلاف، رغم إني عندما بحثت عن أولى كلمات هذه الفقرة لكي أنقلها، فدلتني نتيجة البحث على صفحة السيرة وعلى البوست المنشور فيه أغلب كلمات هذا الفصل الأخير، فنقلت الفقرة التي بأعلى، ثم هبطت إلى أسفل، ولم أجد سوى "لايك" وحيد ناله البوست، وهو لا يعود لشخص، وإنما هو "لايك" باسم الصفحة ذاتها، إي من نفسها لنفسها، أدرك إن ذلك المقياس ظالم جدًا، وغير موضوعي تمامًا، ولكني ابتسمت بالرغم من ذلك ثم أغلقت الصفحة
ونعم!، قرأت ما كتبه من أن الحسد أعمى وأنه الصورة الخفية للفشل والإخفاق عند الحاسد، وإن لو كل كلب عوى ألقمه حجرًا، لأصبح الصخر: مثقالاً بدينار!، إلا إنني لا أحب أمثال هذه الكلمات على أي حال
:D
ثم حتى، عندما أحببت أن أخطّ تحت الكلمات التي تقابل ما قالته رضوى في كلام واسيني، تعبت!، والمفارقة بين الموقفين كانت صارخة، فهذه وسط بشر ومشاعر دافئة، بينما هذا .. امم .. كما ترون!، ثم إن كلماتها كانت كل كلمة في محلّها، لا زوائد أو ترف لغوي، وهي هي القديرة المتمكنة، بينما في كلماته لم أعرف من أين ابتدأ ومن أي انتهى، وبدت الخطوط تتقطع فجأة لتتصل ثم تنساب مرة أخرى، ما هذه القدرة على التطويل دون طائل!، وما ذلك الكلام الكثير الكثير الكثير كزبد البحر!، ولا أصدق حتى الآن، وأقلّب الصفحات الكثيرة حائرًا، كيف استطاع المؤلف أن يصنع كرة الثلج الكبيرة هذه وسبعمائة صفحة حول شيء ضئيل وباهت هكذا!، وكرة الثلج عندما تذوب في النهاية، تحت أثر الزمن أو النسيان أو التنقيب فيها بالإيدي، لا يتبقى منها سوى حصاة صغيرة، جدّ صغيرة، كان من حظّها فقط إنها تدحرجت أعلى منحدر تغطّى بجليد الكلمات الفضفاضة
رواية سيرية، أو سيرة روائية، أو مهما يكن!، فلا خيط روائي هنا، وإنما هي قصص قصيرة مليئة بحشو الكلام تظهر وتختفي بين الصفحات، كُتبت بخيال مهيض الجناح يظهر عليه أكثر ما يظهر أصبع البحث والدراسة، عن الموريسكيين وأساليب تعذيبهم على يد الأسبان، والحروب والوقائع التي دارت سجالا في حوض البحر المتوسط بين تركيا وسواها وأسبانيا، والأسر والرهائن والفدية بين الجانبين، وكل هذه الأمور التي كنت قد قرأتها قريبًا في كتاب صغير عنوانه: قراصنة المتوسط:
فلم أشعر بأثر بارز لصنيع المؤلف، اللهم إلا قدرة النثر الأدبي، وكمشاعر ساذجة للشخصيات تخيّلها "باحث" حاول أن يرتدي ثوب الروائي، ثم حسبَ - بشكل معيب - أن الكثير من رومانسية السرد (بالمعنى الدارج لها) وعاطفية الأسلوب كفيلة بأن تجلب إحساس التجربة الحقيقية والمعاش إلى القارئ
ثم قصص وصفحات عن كتاب دون كيخوتي، وإحياءه لمؤلفه ميغيل دي سيرفانتس، وحوار معه أصابني بالضجر والملل الذي لا يُحد، وكثير من رومانسية النص والحكم الجوفاء، ومثله كإحياءه لجدّه ولمحي الدين بن عربي، وللشيخ المُرشد الحكيم ألبينو، وكل الشخصيات التخيّلية الأخرى التي جاءت كظلال باهتة تثير الاشفاق!، ولا أحسب مثلاً إني قرأت شيئًا متهافتًا كإعادة اقتباس قصة آدم والخطيئة الأولى بهذا الشكل الساذج جدًا في بداية الجزء الأول من السيرة، ولا إعادة إقتباس قصة سيدنا إبراهيم مع الطير بهذا الشكل الأشد سذاجة في آخر الجزء الثاني من السيرة
أين الرواية؟
وأما السيرة، فهي صفحات مكتوبة بأسلوب واضح، وبيّن، ولا خيال أو شطحات أدبية كثيرة فيه، وكان في إمكاني – لولا الملل - أن أقص الصفحات التي تمثل السيرة وأجعلها معًا وأزيل كثيرًا من الحواشي ثم أقدمها في كتاب صغير مستقل بنفسه لا يتجاوز عشر صفحات يسيرة دون أن أخرم قصة أو أغفل واقعة سيرية ذُكرت، وذلك بالتأكيد بعد إسقاط حشو الكلام منها، أي: ستتبقى تلك الحصاة الأولى بعد ذوبان الثلج، كما قلتُ وأمطُّ وأعيد مرة أخرى
ثم من ناحية أخرى فالفصل الأخير يستحق القراءة، فهو - رغم مطّه المعتاد للكلمات (كمثلي في هذه المراجعة تمامًا!) - فيه الخلاصة، وأكاد أتمنى أن أعود في الزمن لعدة أيام وأخبر نفسي قبل أن أشرع في القراءة بأن أكتفي بصفحات الفصل الأخير، وأقسم لنفسي بإنني في الحالتين لن يفوتني شيئًا!، وسأخبر نفسي كذلك بإنه رغم الصفات الكبيرة التي خلعها على سيرته في الفصل الأخير هذا، إلا إنها فعلاً مجرد كلام منه، فلا تجعل – يا أناي الماضية - ذلك الكلام الأخير يظننك إنك فوّت على نفسك قراءة مثيرة للاهتمام دون أن تدري، مثلما جعلني أشك– أنا: أناك المستقبلي – في إنني قرأت حقًا وأنا واعٍ ما جلس يتحدث عنه بحماس في فصله الأخير، كلا!، إنه
..
- ماذا حدث!، لماذا سكتَّ، ولماذا تضحك؟
لا شيء!، وإنما كان الكتاب مقلوبًا أمامي على ظهره، وقرأت الآن ما كُتب على الغلاف الخلفي، فالمشرف على سلسلة إصدارات مجلة دبي الثقافية يتحدث فيها عن أهداف النشر في السلسلة، ويقول، إنهم واضعون نصب أعينهم ما نذروا له أنفسهم، ألا وهو نشر الثقافة العربية:
مع حرصنا على التنويع في شتى مشاربنا الثقافية، تعميمًا للنفع، وحرصًا على محاربة الرتابة المفضية إلى الملل
أقال: "محاربة الرتابة المفضية إلى الملل"
يا ربي
لقد تغلب المؤلف على الناشر بالضربة القاضية
:D
.
.
وقال صالح جودت:
سماءُ غيركِ تُزهى إن حوتْ قمرًا وأنتِ أرضكِ بالأقمار تمتلئُ
كان يخاطبها، ويعرّض بالأرض الثانية التي لا تملك إلا قمرًا حجريًا قديمًا واحدًا، فتبني له بناءً واسعًا فخمًا مترفًا، وتضعه في صالة واسعة واسعة، وتسلّط الإضاءة عليه من مختلف الجهات، وتفرض الدخول بالملابس الرسمية لمشاهدة القمر القديم!، بينما عندها فالأقمار الزاهية – كما يقول الجاحظ – مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي
. . . " السيرة والسيرة الذاتية تحديداً ، اذا كانت في النهاية صراحة شديدةً القسوة على كاتبها قبل قارئها ،فهي ليست اسراراً يتم الكشف عنها بشجاعة تثير شهية القرّاء و النقاد على حد سواء وفضح خفايا النفس وعرض الحميمي أمام الآخرين بشكل استعراضي لأرضاء ذاته خاصة و عامة، قلقة وربما مريضة لكنها فرصة قد تتاح مرة واحدة في العمر .للانتصار لهذه الذات التي مرت عبر تحارب حياتية فيها من الجمال والمخاطر ما يستدعي تدوينها لكنها لا تشكل أبداً درساً نموذجياً للآخرين لانه لكل فردا مساره الذي قد يكون أبهى مما رويت ،و أجرأ مما أسررت ،وأنبل مما حكيت ،هي مجرد محاولة انتساب للحرية و الحب و النور ولكل ما يمنحنا فرصة البحث عن معنى لعبورنا كالنيازك في السموات هذه الدنيا قبل التحول الى رماد أختبار مدى استحقاقنا لحياة ليست دائمة سهلة أو متاحة .امتحان قاس ،لكنه شديد البهاء و يستحق ان نعيشه و نصاب بدواره ." . . . سيرة روائية من الكبير واسيني الأعرج تتدرج فيها من جده الروخو و صاحبته جدته ووالدته ومن ثم ملهمه سرفانتس صاحب رواية دون كيخوت ( دون كيشوت ) وأبناء جيلي عاشوا هذه اللحظات مع محارب الطواحين الذي استلهم منه هذا المتخيل العظيم لشخصية خيالية و بدأ بكتابة رواياته ،،،، سيرة جميلة وبها أحداث راقت لي ✨
ستون سنة يا ميترا ، و شيء من غبار الزمن. ستون سنة و الكثير من الحب ، و جوع بدون حدود للحياة ، و اصرار بلا قيامة من أجل استحقاقها . يجب أن نقرأ سيرة المنتهى قراءة انسانية لندرك أنّ الواسيني نحت معنى للحياة و استحقّها ، كما قال جده الروخو ، نحته من قساوة الحياة نفسها ، التي لم تأته أبدا على طبق جاهز ، و التي حرمته طفولته الأولى و تمادت في حرمانه ممن أحب ، فما كان له إلا الانتساب إلى جده اللغوي دون كيخوتي /سيرفانتيس و ركب جنونه ليحارب طواحين الحياة ، و يتمادى هو أيضا في جوعه لها و السعي اليها كما الفارس العاشق. و ظلّ فارسنا، في رحلته نحو ما هو أهل له و يستحقه، مزوّدا بكلّ ما اكتسبه من حنا فاطنة و ميما أميزار من خير و نبل و حب ، و مسلّحا بالإصرار و الثقة و مشبعا بالانسانية .. ألغاز كثيرة كنا نقرأها في أعمال الواسيني ، و كلّ منا كان يؤولها كما يشتهي لأننا لم نملك السبيل إلى سرها الخفي ، سيرة المنتهى فتحت السّتار عن مكنون القلب ، و أزالت الضباب بيننا و بين كاتبنا ، و الذي لم يكن بالنسبة له ضبابا ، بل كان رماد الحرائق التي اشتعلت في قلبه زمنا، فأبى إلاّ أن يشركنا في حرائقه تلك دون أن يخلق لنا بطلا خارقا و نموذجيا أو حتى نخبويا ، بل ظلّ على سجيته و بساطة الطفل الذي يحمله في قلبه . و لم يبخل علينا اذ أشركنا في أدق التفاصيل و بلغة أقل ما يقال عنها أنها شلال جارف يسحب القارئ إلى تياره بقوة فيجد نفسه في عمق المشهد منقبض القلب و دمعه لا يسعفه . لقد وصلني صدق ما كتب الواسيني ، وصلني حتى عطر الأمكنة التي مرّ بها في معراجه ، وصلني دفئها، بردها ، غبارها ، أدخنتها ، موسيقاها ، أصواتها ، وصلتني شهقة الفرح و غصة الأسى ، لذّة اللحظات الجميلة ،و آلام اللحظات القاسية ، لقد سمعت آهات قلبه و نشيجه، و شاهدته ينفض غبار الزمن عن كاهله، شاهدته يزيل شوائب النفس و كل ما أرهقها ، ليصبح خفيفا مثل نسمة على حافة بحر قريته .. انتهى العمل على السيرة ، لكن صخب الكتابة لم ينته و معه صخب الحياة و جنونها ، و الواسيني لا يزال يحمل هموم أوطاننا التي تغرق في برك الدّم ، و تتلاشى وسط رماد الحروب ، لا يزال يرفع صوته و قلمه ليستنكر حرب العربي ضدّ أخيه العربي ، و لا يزال يدافع عن قضايا الانسانية ، ليس لأنه استثنائي ، بل لكونه غيمة محمّلة بالخير تمطر الحياة ابداعا و تأبى أن تجفّ
سيرة روائية بقالب أدبي تحدث الكاتب فيها عن بعض من محطات حياته التي كونت وأسست شخصيته فهو يحدثنا عن جده الأندلسي ، أمه ، أخته ، حبه الأول وبعض الكُتاب الذين أثروا به ووضعوا بصمة في حياته
كما قال واسيني الأعرج بأن جميع الشخصيات التي ذكرها في السيرة قد وافتهم المنية فكتب السيرة والأحداث في العالم الآخر أو في السماء بحد قوله حيث أنه في العالم الآخر يلتقي بهم ويستمع إليهم ومن خلال المحاورة معهم يُعرج على شخصيتهم ومقتطفات من السيرة التي حدثت معه بصحبة الشخصيات المذكورة أعلاه .
في بداية الصفحات لم أستسغ الأسلوب حيث إنني لم أتقبل فكرة العالم الآخر الذي تصوره واسيني بل فضلت السرد عن طريق الواقعية إلا إنني مع تقدمي في قراءة السيرة أحببت الأسلوب وتقبلته لثقتي بإسلوب واسيني الأعرج ولغته الأدبية الساحرة وبسبب فضولي لمعرفة المزيد عن حياة الأديب الجزائري واسيني .
أحببت في الرواية قصص جده الأندلسي وحياته الصعبة التي مرّ بها
أحببت جانب والدته المكافح وتحولها لدور الأب في سبيل تعليم أبنائها.
أحببت جدته فاطنة وإصرارها لترسيخ حب اللغة العربية والقرآن والأجداد وزرعه هذه القيم في قلب حفيدها.
أحببت وقوفه في صف المرأة والدفاع عنها من خلال قصته مع حبيبته الأولى بالرغم من بعض التحفظات لدي على القصة ولكني بالتأكيد أنا في صف الضيحة مينا وضد الجلاد ابن عمها
تمنيت لو أن واسيني تطرق وتوغل لجوانب أخرى في شخصيته لكنه لم يفعل تمنيت أن أعرف الكثير عن حياته العلمية والأكاديمية وعن زواجه وأبنائه وعن نجاحاته ورواياته لكنه لم يتطرق لهذه الجوانب المهمة في حياة وسيرة أي أديب.
الانطباع الذي دام لفترة طويلة حالت دون إنهاء هذه السيرة أسرع مما فعلت: أنها مملة مكررة بلا جدوى.. إلى أن وصلت لكلمته التي جاءت كتذييل للسيرة وحينها أدركت أن توقعاتي المسبقة عن واسيني من قراءاتي السابقة له لم تخب، فأنا أعلم مسبقًا أن غزير الانتاج يقدم كل عام أو عامين عملًا روائيًا جديدًا، وكلها من الحجم الضخم، صحيح أن هذه المرة جاء العمل بكثير من التكرار، لكن هذه المرة لم يكن غرض واسيني سوى ذاتيًا، أراد أن يعبر عن امتنانه لكل من كانوا سببًا في ما هو عليه، يقول:
لهذا أدرك اليوم كم هي قاسية كتابة سيرة ما؟ لأنها تقليب للمواجع الغامضة التي ظل الكثير منها معلقًا في الفراغ في انتظار الودة باتجاهه. أفضل تعب الروايات بكثير، وتعقيدات كتابتها، على سيرة واحدة ولو جزئية. كتابة سيرة ذاتية معناها الانخراط في تاريخ ذاتي ليس من السهل الغوص فيه بعمق وصدق.ولهذا كل محاولاتي الأولى في كتابة السيرة كانت فاشلة...كانت رهاناتي الكبيرة في هذه السيرة كمشروع كتابي، واضحة، لأن المعلومات الحياتية والذاكرة بكل ثقلها، لا تكفي، فهي تحتاج إلى سند فني حقيقي يحملها ويحتويها ويخلق جسرًا بينها وبين القارئ. فقد حاولت بكل جدية واحترام لذكاء القارئ، لى كتابة نص لا يقطع علاقته بالأدب. فهذه في النهاية هي سيرة أديب وليست سيرة مناضل خاض حروبًا ومعارك انتصر فيها وغير مجرى التاريخ، ....".
الصراحة تعقيبه في الفصل المعنون" بعض ما خفي من سيرة شتها كما اشتهتني" أنساني كل الملل الذي صاحبني أثناء القراءة، ولن أنكر ان أجزاء بعينها أخذتني كلية، بدءًا من صفحة الاقتباسات الثلاثة في البداية، الحديث الشريف، اقتباسه من ابن عربي، واقتباسه من تقرير إلى غريكو لكزانتزاكي، ليضيف إلى قائمتي التي لا تنتهي كتبًا جديدة، على أمل أن أمهل لقرائها جميعًا.
سيرة المنتهى .. حلقات متداخلة من سيرة الماضي و الحاضر و المستقبل ، سيرة المُتأمّل و المُشتهى، سيرة الإنسان و المكان و الفكرة. حلقات تربطها الفانتازيا و لا يحكم إغلاقها إلا حرفة واسيني الأعرج. سيرة يغلب عليها الألم، يزينها الأمل، يغلفها الحب. ملامح الإنسان و كل ما يجب أن يحمله من حب واضحة. مداد هذه السيرة حر فبذلك ستصل رسالتها إلى كل إنسان، رغما عن أنوف المتربصين بروح الحب، و مدعي الفضيلة و الملائكية. تحتاج قراءتها لعمق اكبر و تفصيل أشمل ...
لا أدري كيف تتصاخب الأفكار في ذهني ، لكنني أعلم أن الحديث عن تجربة واسيني الروائية أمر ليس بالهين . واسيني الأعرج الأكاديمي الشريد المنفي و المتواطئ مع الأحزان و الابتسامات الخائنة و لحظات الفرح القليلة في أيام تبخل بكثير من المسرات منتصرة للآلام و الفقدانات و الفجائع .. ها هو واسيني يقارع الموت بالحياة ، بالحب ، بالكتابة ، بالسخرية و الهزء من كل الأحزان .. بالنسبة إلي اعتدت على أسلوب واسيني المليء بالفجوات اللغوية
الجزء الثاني والأخير من سيرة الكاتب واسيني الأعرج حيث امتزجت الحقيقة بالخيال الماضي الأندلسي البعيد ب ارهاب التسعينيات المقيت الحب الفقر النساء الادب الصحراء الحرية وكثير من دون كيخوته و كثير من حب الأم المقدس والتضحيات افضت وامتعت يا واسيني فشكرا لك
الفكرة مُبتكرة، اللغة جبّارة لكن السيرة طويلة طويلة أطول مما يجب يتخللها الكثير من التكرار، واللف حول بعض المفردات والصياغة ذاتها مراراً، الذي يضفي الملل مُجبراً عن وجه حق.
لم تكن تستحق جزئين كان يكفي جزء واحد ولكن واسيني لا يتخلى عن الثرثرة والتكرار ورغم ذلك فانا استمتع بثرثرته لجمال ااسلوبه ولغته التي تجذبني داخل تفاصيل عالمه فكرة الاسراء لعالم البرزخ اعجبتني كثيرا جاءت متشلبهة مع اعمال كثيرة كجحيم دانتي مثلا وقد ذكر بنفسه بعض الامثلة كالمعري هذا الخيال يعجبني وقد اخذني بعيدا عندما يكتب واسيني سيرته فهو لا يريد ان يقص كفاحه ومجده وبداياته بقدر مايريد ان يشفي الجراح المفتوحة ويكمل القصص التي بترها الموت رجل المه الفراق بشكل فج تقريبا لم يودع كل من رحلوا عنه ابوه الذي لم يعرف له قبر وجدته التي عاش بعقدة ذنب طفولية تجاهها ومينا وقتلتها البشعة وعزيز وزوليخا تبدو مينا هي مريم المعذبة التي تموت دائما في نهاياته مريم ام سارة في طوق الياسمين ولكنه عاد ليذكر اسم مريم دون اشارة لحكاية عنها فعاد ليربكني هل مريم شخصية اخرى هل يجمع الاثنين في رواياته على كل حال فقد جاء احساس واسيني المرهف في رواياته وكتاباته المستمرة عن مشاعر المرأة بدقة متناهية مترجما لما عاني في حياته قربه من اخته وعذاباتها وفراقه لها والنسوة اللاتي عرفهن وراقب عذاباتهم عن قرب ولكن تبدو مينا ملهمته الاقوى والابدية ظللت ابحث داخل كتاباته عن حقيقة مريم ولم يوصلني حتى في سيرته للحقيقة كاملة لتلك المرأة التي استفزته لكتابة كل هذه المشاعر ولكن كما قال على لسان سرفنتس وهو يحاوره داخل الرواية " في الكتابة كل شيء حقيقي عندما تعبره الكتابة والقراءة لا حقا لانك لو تساءلت عن حقيقته من عدمها ستخسر كل شيء تخسر النص وصاحب النص " واسيني كان يحاول ان يطمئن روحه بان كل من فقدهم هم الان في حال افضل حيث السلام والامان التام بينما يظل هو شاردا يبحث في المسالك عن طريق النور يحاول ان يعترف باخطاءه ليتخلص من المها ويعتذر لكل من لم تمنحه الاقدار فرصة للاعتذار ويقابل كاتبه المفضل الذي اثر في طفولته واثرى خياله ووجدانه ثم يربط حقبة سقوط الاندلس ومحاكم التفتيش بالح،كة الاسلامية في الجزائر في التسعينات التي كانت بمثابة محاكم تفتيش اخرى ليترك تلميحا بان مايحدث الان شيء مكرر ليس له علاقة بالدين في الاساس والمفارقة ان يتعرض ذلك الكاتب في هذا الوقت الى النفي وكذلك يختار واسيني المنفى للهروب من الاغتيالات التي طالت اصدقاءه ذات المقصلة فوق رقبته لذا فاعتباره دون كيشوت سيرفانتس جده اللغوي ليس من فراغ الحقيقة ان قلم مواسيني يظل مبدعا وجذابا رغم كل مايمكن ان يؤخذ عليه على الاقل بالنسبة لي فالقراءة لهذا الرجل تشكل جزء من سعادتي
نفس المشكله اللى واجهتنى فى الجزء الاول من الرواية حسيت بكمية حشو كبيرة فى الرواية واطالة فى بعض الاحداث دون داعى الافضل فى الرواية جزء مينا , كمان الاسلوب السردى لاستاذنا جميل وممتع جدا فى الاخير رغم انها رواية سيرية الا انها جديدة فى طريقة كتابتها
" أعتقد أني يوم فتحت عيني لأول مره كنت بلا طفوله" . سيرة المنتهى ومعراج واسيني الى عالم الأموات انتهيت من قراءتها ولَم أنته من وجع تغلغل الى أعماقي ليستقر هناك ..! استوقفتني مشاهد كثيره في الروايه وتشبثت بذاكرتي تفاصيل كثيره . حديثه عن علاقته بأبيه ، الذي هجر أمه ورحل الى فرنسا ليهيم عشقًا هناك ..! وبينما هو يقف على عتبات الانتظار ينتظر أبًا يقوم بدوره في الحياه وحين يعود هذا الأب ، تتخطفه أيدي الأعداء وليحمل هو وإخوته لقب " أبناء الشهيد " . فقد والده حيًّا وميتًا ..! . حديثه عن أمه وقيامها بأدوار مزدوجة لرعاية أبنائها في ظل غياب الأب عن أوجاعها الثقيلة التي خلفها زوجها وحملتها بعيدًا عن أعين أبنائها عن سياط الألسنة الذي لايفتر عن جلد أمه حين رحيل زوجها لفرنسا وحتى بعد رحيله الى قبره ! . عن حنا فاطمة الجده الحنون ، سيدة الحكايات اللذيذة الجده التي تربى في أحضانها ، وأخذت مكان أمه في مواقف عديده ! . في لقائه بجده الأندلسي ، الذي قاتل في سبيل الأندلس حتى قتل تأثرت كثيرًا في رسالته الى شقيقه عزيز، الذي تخطفه الموت.. شعرت بالوجع المتخفي خلف الكلمات . في حديثه عن مينا .. الحب الاول والوجع العميق والذكرى الراسخه لامس أعمق نقطه في قلبي .. أدخلني في حاله من الضياع وأرهقني في البحث عن اجابات لكثير من التساؤلات المربكه .. مينا .. الحبيبه الغارقة في الوحل حتى أخمص قدميها دفعها الظلم الى أن تخوض غمار الخطيئة ، وتبحث عن مستقر لها بين أحضان الباحثين عن المتعه الجسديه حين يتحدث عنها يقول هي التي شكلت داخلي عاطفيًا ولغويًا بقوه من حيث لاتدري مينا .. شعرت بالاشمئزاز منها لحظات وتعاطفت معها في لحظاتٍ أكثر .