كأنه وقتُ التكشُّف والتعري؛ إذ عوضًا عن الراحة بعد عناء اليوم وصخبه، صار لوقت الأصيل في طهران صخبٌ عبثيٌّ يُفاقم عناءَ العيش فيها، ويكشف عن أزمة المجتمع الحديث في برزخٍ من التردي والحيرة، بين روايتين "مُعتبرتين" عن ماهية الفردوس والجحيم. هذا الصخبُ الذي يُثيره قطاع عَرَضي مُنتخبٌ من مجتمع المدينة الكئيب -الذي أطَلَّ به مستور على قارئه- لا يُعبِّر عن عينات إنسانيَّة عشوائيَّة، تخبط يمنة ويسرة في فوضى واضطراب، ولكنها عينات مُنتقاة بعناية تُعَبِّر عن قلق وجودي مُتَّسق مع معاناتها المستمرة، التي تكرسها نقائصها الإنسانيَّة الحتميَّة، وتقعُد بها -في برزخ المدينة الأرضي القائم على حافَّة الجحيم- عن بلوغ الفردوس الأرضي المستحيل!
في هذه المجموعة القصصيَّة؛ تبدو شخصيَّات مصطفى مستور وكأنها تُكابِدُ قهر الأقدار عبر مسائل منطقيَّة يُمكن حساب احتمالات وقوعها، بيد أنها مما لا يُمكن للقلب العاجز تعقُّلُه. ليبدو المخرج الوحيد والمهمَّش في روع الإنسان الحديث هو إيمان العجائز الذي يتجلَّى بأسُهُ في يقينهن بأن ذكر الله سيُخفِّف وطأة الجحيم الذي يصطليه هذا العالم الضال، العالم الذي يصبو إلى فردوس يحصُد فيه كل شيء؛ فتُعيده الرغبة السامَّة نفسها إلى جحيم الواقع.
روائي ومترجم إيراني ولد في مدينة الأهواز. نشرت روايته الأولى: «وجه الله» بالفارسية عام 2001م؛ فحققت نجاحًا ساحقًا واختيرت كأفضل رواية في إيران، ونالت جائزة القلم الذهبي، وطُبعت خمسين طبعة خلال عشر سنوات. ثم نشر مجموعتين قصصيتين ناجحتين قبل أن ينشُر روايته الثانية عام 2005م، والتي لاقت إقبالًا واسعًا، وقد صدرت عن تنوير للنشر والإعلام بعنوان: «عراق خنزير في يد مجذوم». وفي عام 2006م نفدت مجموعته القصصيّة الجديدة فور طباعتها بسبب الإقبال منقطع النظير. وحين نُشرت روايته الثالثة عام 2009م؛ كانت أكثر الكُتب مبيعًا في معرض طهران الدولي للكتاب. ثمّ طُبعت مجموعته القصصيّة الأخيرة، عام 2010م؛ ست طبعات خلال ستّة أشهُر. ليُسطّر مستور اسمه كواحد من أهمّ عشرة روائيين وأكثرهم شعبيّة خلال ثمانين عامًا هي عُمر الأدب الروائي الإيراني الحديث.
بين واقع صريح فج، وخيال مأمول؛ تأخذنا قصص هذه المجموعة في رحلة تتردد بين العالم الجواني للإنسان وبين العالم الخارجي من حوله… ترصد الصراع المتأجج داخل النفس الإنسانية، وتتسمَّع ذلك الصوت الداخلي الذي يحدوها لتخيُّل الفردوس الأرضي وأمواج الطوبيا الحالمة. كما ترصد المجموعة -كذلك- صخور الواقع التي تتبدد عليها تلك الأحلام! كعادته؛ يأسرني سرد مصطفى مستور. وكعادتها؛ تسحرني لغته المغموسة في عذوبة شعرية عجيبة! أعجبتني كثيرا قصة "طهران وقت الأصيل"، وهي أكبر قصص المجموعة؛ تكاد تكون رواية قصيرة؛ إذ ضمَّنها مستور عدة مشاهد محتدمة دراميًّا، متفرقة ومختلفة، كما فعل في بعض رواياته من قبل، لكنه هنا لا يجمع بينها في النهاية، بل يتركها هكذا ويمضي إلى غيرها مُعمِّقًا شعور التشظي والاغتراب في نفس القارئ. أبطال وشخصيات مستور تتراءى لي دومًا في صورة شخصيات (أعرافية) قابعة بين الفردوس وبين الجحيم؛ تحتوشها حيرة وجودية قاتلة، ويأكلها قلق المآل وغموض المصير! قلت من قبل -في غير مرة- إنني أحب قلم هذا الرجل، وأتمنى أن تُتَرجم أعماله كلها عن آخرها!
في هذه المجموعة القصصية المُرهِقة، للروح وللعقل معًا، ينعي مصطفى مستور الأديب الإيراني البصير العالَمْ من خلال مجتمع طهِران الحديث، ولأن شخصياته مقهورة وضعيفة وهشّة النفسية طوعًا، مستسلمة لضلال مغروس داخلها لا تستطيع إيجاد مخرج منه، ربما لأنها في نظر مستور قد أعرضَتْ عن " المخرج" الدائم والظاهر لمن هو بصير. تعجبني من لغة مستور أنّه منحدرٌ من سلالة الأدباء الفرس، فمازالت اللغة بين يديه هادئة وعذبة، وشاعرة، ولاذعة ومنسابة، خاصة في شعره الذي اهتزّ له وجداني عند قراءته بما لم يكن في حسباني- وهذا بغضّ النظر عن العقلانية الظاهرة والمزعجة في بعض الأحيان التي تصاحب كتاباته-، ولكنها على كل حال سمة أصيلة من سماته ككاتب صاحب فكر وفلسفة لا تخلُ منها كتاباته.
سأبدأ بالتعليق على القصص في المجموعة مع الوعد بأنني لن أحرِقَ للقارئ المنتَظِر أيُ حدثٍ حتى لا يفوته لحظة من لحظات الجمال. في القصة الأولى " صخب الأصيل على حافة المنحدر".. لا شكّ أن عناوين مستور دومًا فريدة وبعيدة الإشارة، ربما تفوت المتعجّل. في تلك القصة العميقة الشبيهة بالومضة التي استهلّ بها مستور مجموعته بدا لي البطل " إلياس" كأنه على حافّة منحدر لم يدركه إلا بعد أن اقترب منه، وهو عين المنحدَر الذي كانَ ملاكه يحاول تحذيره منه في الحُلْم، كلها مُنحدرات رمزية تشبه هذا المنحَدَر الحقيقي الذي ينزلق منه الناس من وقت الظهيرة إلى حضن الليل، ولكنّ مستور يمارس كالعادة هوايته في التلاعب بعقل القارئ. والقصة قوية كومضة في لحظة غفلة! القصة الثانية " عدّة روايات معتبرة عن الجنّة".. عظيمة في بساطتها، بسيطة داخل عظمتها، كانت أغرب قصص المجموعة بالنسبة لي لأنها أشبه ما تكون بأدب الأطفال شِبه المهجور في الشرق، تخيّل أن يكتبَ رجل كهل أو عجوز بلِسان طفلِ وخفّة روحه! فقد جعلت عذوبة اللغة وشاعريتها وجمالها، وكمّ الشحن والاختزال في جمل مستور القصيرة من القصة رواية حقيقية معتبرة عن الجنّة بينما نحن ها هنا في الدنيا. وصحيح أنها على لسان طفلِ ذو رأسٍ كبير يريدها أن تَصغُر الآن وليس في الجنّة، ولكن حدثّوني أليس الناس الآن أطفالًا لا يدركون ماهيّة الحقيقة، وحقيقة العالم ويريدون الجنة الآن وهنا في الدنيا مثل هذا الطفل الصغير؟! قصة رقيقة وعذبة كنسمة هواء، وكاشفة كنهاية غير سعيدة..
القصة الثالثة " طهران وقت الأصيل".. قصة المشهد المصوّر بامتياز، كأنك هناك حاضر تشاهد الأحداث، وتلك هي القصة التي ينعي فيها مستور العالم الزائل من خلال تشريح يومياته في وجدان أهل طِهران حيث الكلّ غارق في ذاته، وملذَاته، ومشكلاته لا يرى في الحياه حياه أبعد مما تحت قدميه! قصة عن عدمية الكائن البشري الخالد بطبعه!
القصة الرابعة " عدّة روايات معتبرة عن الجحيم".. حيثما يوجد الجحيم، توجد الجنّة بجانبه..!
القصة الخامسة " عدة روايات معتبرة عن البرزخ".. البرزخ هو رجل بين امرأتين، أو امرأة بين قلبين، والمرء على مشارف الموت بين حياتين. البرزخ الخلق الإلهي البديع الذي استعار مستور فكرته من الدين إلى الدنيا ومن طريق الآخرة إلى الآن.
القصة السادسة" عدة مسائل بسيطة".. القصة الأخيرة فريدة من نوعها كتبها مستور تعزية وإهداءا كاتب أمريكي وقصته المعنونة " بعدة مسائل" وعلى طريقة مستور العقلانية الرياضية خطّ أعمق مسائل الوجود في صيغ مسائل رياضية عالقة بلا حلول!
المجموعة جميلة، راقتني وتستحقّ عدة قراءات وتأمّل في وقت الأصيل..
أحيانًا لا يتجاوز الأمرُ ساعةً من نهارٍ؛ ويبدو أنَّ هذا متوسط ما يحتاجه مصطفى مستور كي يُجري مَسحًا عرضيًا للمجتمع الإنساني المعاصِر في طهران، ويضعنا في عالَمه القصصي بكثافةٍ غير مباشِرةٍ تكافئ واقعًا برزخيًا يترنَّح على حافة الجحيم، وينتقي شخصياته التي قد تبدو لوهلةٍ وكأنها عيناتٍ عشوائية؛ عدا أنها ليست كذلك. إنها شخصياتٌ مدفوعةٌ بالحب والشغف والبراءة؛ لكنها مسكونةٌ بنقائص وعيوبٍ إنسانيةٍ طبيعيةٍ تكرِّس معاناتها ولا تسعفها على الظفر. في هذه المجموعة المكثفةٌ، التي تتعمق في تفاصيل واقع شخصياتها وأزماتهم وعلاقاتهم الإنسانية، نوَّع فيها مصطفى مستور من أشكال السرد اللافتة، من قصةٍ إلى أخرى، يقّدم المؤلف عبر سلوكياتٍ عاديةٍ من شخصياتٍ عاديةٍ، طبقاتٍ من المعنى تستدعي تأملاتٍ في أقدار الشخصيات وأزماتها النفسية وخياراتها المصيرية والخسائر الحتمية المترتبة، مع مساءَلةٍ ذكيَّةٍ غير مباشرةٍ لبعض الأعراف الإنسانية التي ربما تحتاج لإعادة تقييمٍ.