كتابٌ رائعٌ وثريٌ يوفر نقطة بداية لكل من تبحث عن إجابات بشأن نظرة الله والدين إليها، سواء كانت مسيحية أو مُسلمة، إجاباتٍ لكل من تتساءل عن الأسباب التي تجعل المجتمع حولها قيودًا عليها ما أنزل الله بها من سلطان، ولم ترد في القُرآن، أو يتحدث عنها نبيٌ عظيم البيان.
يتكون الكتاب من مجموعة أبحاث علمية منفصلة، تقع كلها تحت نفس العنوان وهو "النسوية والدراسات الدينية". ينقسم الكتاب إلى قسمين: "النسوية في الدراسات المسيحية" و "النسوية في الدراسات الإسلامية"، بالإضافة إلى مقدمة المحررة ومقدمة المترجمة. وتعتبر هاتين المقدمتين جزء أصي ًلا ً من الكتاب، إذ تقدمان معرفة إضافية تفيد فهم السياق العام للكتاب ومظلته الجامعة مع تقديم ملامح ظهور التيار النسوي الديني، بالإضافة لتفنيد طريقة الترجمة المستخدمة نظ ًرا لكون هذا المجال البحثي جديد نسب ًيا في الأدبيات العربية.
أنصح بالتركيز على -مقدمة المحررة -القرآن والجنس/ الجندر والجنسانية: التماثل، الاختلاف، المساواة - أسما برلس - بحث في القرآن والجنسانية - آمنة ودود -قراءة في تفسير القرآن واعية لاعتبارات الجندر - أميمة أبو بكر
---
كما يتضمن الكتاب تعريف بالمشاركات والمشاركين، أنصح بالاطلاع عليه لمعرفة رائدات الفكر النسوي الديني عمومًا والإسلامي خصوصًا. --
تقدم مقالة آمنة ودود المظلة العامة لفلسفة قراءة القرآن من وجهة نظر نسوية وتنظر لأن الفرد لا يطور معرفته بالله من خلال المؤشرات النصية وحدها ولكن من خلال مصفوفة مركبة من العلاقات بالنص. ثم تمر على مراحل تطور تفسير النص، ومن ضمنها مرحلة استخدم فيها المفسرون والفقهاء حق استخدام التأويل لا التفسير الحرفي المباشر، وهو ما تطالب هي به الآن ولكن من منظور الجندر المستحدث، كتطور طبيعي ومنطقي لهذا الحق. وأن الهدف من التفسير هو كشف المعاني التي تعكس جوهر فكرة أن الله المطلق -الذي لا نقدر على معرفته كمال المعرفة بعقولنا المحدودة- يريدنا أن نستخدم ذوتنا الإنسانية الفاعلة لكشف معاني النص بطريقة تعكس الأهداف الكبرى للرسالة ومنها العدل، كما أنها ترى أننا نحن، أي الجماعة المسلمة، الذين ننتج معنى النص، وهذا المعنى يتغير بتطور ذواتنا، وأن النص مؤشر أولي للمعنى. بشكل شخصي أعتبر ودود من أكثر النسويات الإسلاميات راديكالية و يمكن أن تكون صادمة في تعاملها مع النص المقدس في بعض الأحيان.
أما أسما برلس فتركز في مقالها على أن القرآن لم يفرق بين جنسانية النساء والرجال في أي موقع ولا توجد آية تبروز الثنائيات القطبية بين النساء والرجال، وبالتالي لم ينزع القرآن الفاعلية عن أي منهم أمام الآخر. كما أن الإسلام على عكس المسيحية واليهودية لم يحط من شأن الجنسانية أو يصفها بالقذارة بل على العكس احتفى بها ونظمها. وفي شرحها لفلسفة القرآن في التأكيد على المساواة في الجنسانية بين النساء والرجال تناولت برلس "لتسكنوا إليها" "الخبيثات للخبيثين والخبيثون الخبيثات" إلى آخر الآية "الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك" لتدلل على أن العفة في القرآن متعلقة بسلوك الفرد، لا بطبيعته أو هويته .
تناولت أيضا مفهوم "النظرة المحدقة" في تفسير آيات غض البصر، وكان في رأيي من أكثر الأجزاء إثارة للاهتمام وتأكيدًا على تساوي الفاعلية بين النساء والرجال في القرآن. أما في حديثها عن الفهم الخاطئ للنساء كممتلكات جنسية، فقد تناولت برلس آية " زين للناس حب الشهوات من النساء..." إلى آخر الآية و آية "نساؤكم حرث لكم"
أما أميمة أبو بكر، فترصد تفسير آية واحدة فقط في العصور الإسلامية المختلفة لتعرض كيف تغير معناها وتفسيرها مع الزمن وكيف اكتسب معاني جديدة ذكورية لم تكن موجودة بالأساس. الآية هي 228 من سورة البقرة والتي تتضمن " وللرجال عليهن درجة"، ومنها تنطلق لعرض تفسيرات الطبري ثم الرازي ثم القرطبي ثم الألوسي وصولًا لمحمد عبده و ثم الشعراوي. وتعرض أبو بكر أمامنا كيف يضفي كل مفسر منهم معنى على نفس الآية يحمل من فكره وقناعاته وظروف مجتمعه وزمنه. ثم عرضت أبو بكر جهود المفسرات المسلمات المعاصرات لتفسير الآية بنظرة جندرية باستخدام منهجيات علم التفسير التقليدية ووصولهم لمعاني مختلفة نابعة من ظروفهن ووضعهن كنساء مسلمات.
الكتاب في رأيي هو تجل عملي لمنهجيات النسوية الإسلامية في التعامل مع النص المقدس وأنصح به كل مهتم.