What do you think?
Rate this book


296 pages, ebook
First published September 1, 2009
لقد آن أن ننظر إلى حقيقة أسطورة العنف الديني: إنها جزء مهم من فلكلور المجتمعات الغربية. إنها لا تحدد حقائق العالم كما هي، بل تقوم بشرعنة ترتيبات معينة للسلطة في الغرب الحديث. إنها قصة الخلاص من الخطر القاتل عبر خلق الدولة القومية العلمانية. ولذلك، فإنها تشرعن توجيه ولاء المواطنين للدولة القومية وتؤمن احتكار الدولة القومية للعنف المشروع.
في الفصل الثالث، يتناول الكاتب "قصة الخلق" التي ولدت منها أسطورة العنف الديني: فترة الحروب الدينية الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. يتم اعتبار هذه الحروب هي التربة التي نبتت منها أفكار العلمانية التي فصلت بين الدولة والكنيسة، حيث تعلم المفكرون منها شرور دخول الدين في النطاق العام، وتعلموا منها أخيرًا أن الدين شأن داخلي، لا عقلاني بطبعه.
تناول الكاتب قصة الخلق هذه، وبدأ بنقد مكونات الأسطورة فيها، فبين أنه في كثير من الحالات تمت مواجهات بين طرفين من ذات التوجه اللاهوتي، وتمت تحالفات بين بروتستانت وكاثوليك، وقاتل مرتزقة بروتستانت في جيوش ملوك كاثوليك، كما يلاحظ أنه لم تحدث مواجهات بين لوثريين وكالفينيين في خلال هذه الحروب، رغم وجود اختلافات لاهوتية كافية بين الفريقين. يوضح الكاتب من خلال عديد الأمثلة التي ذكرها أن المتحاربين لم يكونوا يواجهون بعضهم بناء على الاختلافات الدينية في الاعتبار الأول، وإنما كان هناك اعتبارات سياسية كثيرة. لا يحاول الكاتب أن يصل لإنكار دور الكنيسة، أو أن ينفي أن الخلافات اللاهوتية لم يكن لها دور في الصراعات، وإنما ليوضح أن المصالح السياسية كانت تغلب الاعتبارات الكنسية أو اللاهوتية في عديد الأحيان، وإن كان هناك اعتبارات عند المتحاربين قد تغلب الاعتبارات اللاهوتية، فإن هذا يدعونا للتشكيك في سردية الحروب الدينية، وإن قبلنا الشك في صراعات الكاثوليك ضد الكاثوليك، والبروتستانت ضد البروتستانت، فإن علينا أن نقبل الشك أيضًا في السردية في صراعات الكاثوليك ضد البروتستانت.
جانب آخر في قصة الحروب الدينية هي اعتبار صعود الدولة القومية الحديثة الحلَّ الذي قضى على هذه الصراعات، يثبت الكاتب أن صعود الدولة - على العكس - كانت سببًا في نشوء الحروب في المقام الأول. تغير موازين القوى بضعف نفوذ الإمبراطورية والكنيسة سمح للأمراء أن يمدوا سلطتهم على مراكز القوى في حدود إماراتهم، وكان أحد أهم أسباب اتجاه الأمراء لتبني البروتستانتية سماحها وقبولها لاستقلال الأمير بإمارته بشكل كبير. يذكر الكاتب أن ملوك فرنسا وإسبانيا قد حصلوا على معاهدات سمحت لهم بالحصول على كثير من المستحقات في ممالكهم مما كان يذهب إلى الكنيسة، ولذا فإن فرنسا وإسبانيا لم تتبنيا البروتستانتية وبقيتا دولتين كاثولوكيتين.
أهمية هذا الجزء من مناقشة الأسطورة أنه سبب ما يذكره الكاتب أن صعود الدولة الحديثة كان سببًا في نشوء هذه الحروب، وأن ظهور الدولة في صورتها الأولى - الدولة المطلقة - كانت سببًا في تبني العقيدة العلمانية، وظهور ثنائية الديني-العلماني جنبًا إلى جنب ثنائية العام-الخاص. هذه الأيدولوجية هي التي قامت بإنشاء المفارقة بين الدين الذي محله الذات، الذي هو لا عقلاني بطبعه ومنفصل عن جميع جوانب الحياة الأخرى، والعلماني والذي هو عقلاني ويهتم بجميع جوانب الحياة الأخرى. ترى هذه الأيدولوجية أن هذه القسمة هي قسمة طبيعية، وأن من حاول أن يسمح للدين أن يشترك في الحياة هو ببساطة يأتي بشيء غير طبيعي.
هذه النقطة الأخيرة كانت موضوع الفصلين الأولين. في قلب حجته ضد أسطورة العنف الديني تقبع مسألة تعريف الدين، وحقيقة أن تعريف الأسطورة للدين هو في حد ذاته جزء من أيدولوجية الدولة الحديثة وثنائياتها. تعرِّف الأسطورة الدين باعتبار أن له جوهرًا مستقلًا بذاته، ثابتًا في كل الأديان باختلاف عقائدها ومظاهرها، مستقلًا بذاته عن جميع المجتمعات؛ ترى الدين على أن له جوهرًا عابرًا للتاريخ والثقافات. يجادل الكاتب أن تعريف الدين باعتباره ذاتيًا ومنفصلًا وبائنًا عن مظاهر الحياة الأخرى إنما هو من نتاج الأيدولوجيات العلمانية الحديثة، وأن الغالب في المجتمعات على مر التاريخ ـ ومنها المسيحية المبكرة حتى العصور الوسطى - أنه لم تكن هناك طريقة لفصل الديني عن باقي جوانب المجتمع الأخرى.
استعرض الكاتب عدة آراء لمفكرين قد كتبوا في مسألة العنف الديني، وناقش تعريفاتهم للعنف. هناك طريقتان للتعريف: الأولى، وهي الطريقة الجوهرانية، أي محاولة تعريف الدين بأركانه الأساسية، الإيمان بإله، أو الحياة الآخرة، أو وجود التشريعات … إلخ، الطريقة الثانية وهي الوظائفية، وهي محاولة تعريف الدين عن طريق أثره أو آليات عمله، مثل إضفاء الرمزية على الأعمال الدنيوية، أو السرديات الكبرى … إلخ. أوضح الكاتب أن الطريقتين وقعتا في أزمة، هب أنك عرفت الدين بأنه يشترط الإيمان بإله، ستجد أن هذا التعريف لا يتضمن الكثير من عقائد الهندوسية والتي لا تضع تركيزًا على مفهوم الإله، والبوذية والتي ترفض فكرة الإله، يمكنك حينئذ أن تعدل التعريف إلى المفارق أو المتعالي، إن قبلت هذا التعريف ستجد أن فكرة "المتعالي" قد تنطبق على القومية، وهكذا إن قبلت تعريفات الوظائفية كالرمزية والسرديات الكبرى ستجد أنها بسهولة تنطبق على القومية والاشتراكية، والحقيقة أن مِن علماء الاجتماع من قام بإدماج الكثير من الأيديولوجيات العلمانية كأديان. يرى الكاتب أن أصحاب هذه الآراء أما خيارين، إما القبول بالتناقض والحفاظ على تعريف غامض، فلن يكون هناك فائدة إمبريقية حقيقية لهذه الآراء، أو أن يقبل الكاتب أن يشمل تعريفه هذه الأيديولوجيات، ولن يكون هناك معنى للتفريق بين الديني والعلماني حينئذ.
الكتاب كان دسمًا، ومن أسباب هذا أن كثيرًا من أجزائه كان "مسحًا" لاستعراض مجموعة كبيرة من الأفكار. الفائدة الأكبر بالنسبة لي كانت مناقشة تطور فكر العلمانية وأنها ترتيبات سياسية معينة في فترات زمنية معينة:
إن التخلص من أسطورة العنف الديني سيساعدنا في رؤية الطبيعة المؤقتة للعلمانية الغربية باعتبارها مجموعة من الترتيبات الاجتماعية المحلية لا باعتبارها حلًا كونيًا لمشكلة الدين الكونية.