المتأمل في أشعار العرب الأوائل يجد أنهم يدورون حول معانٍ تكاد تكون واحدة ثم سرى هذا التوافق في الصور الفنية والتشبيهات شيئاً فشيئاً، وقد يعرف أحد الشعراء بابتكاره لمعنى لم يسبق إليه، ويشتهر هذا عنه، ثم يأخذ الشعراء عنه هذا المعنى الذي أرشدهم إليه ذلك الشاعر ، وقد امتدت هذه الموافقات من الشعر الفصيح إلى الشعر النبطي، وقد ظهر هذا لي جليّا وأنا أقرأ الأشعار النبطية فأجد معاني وصورًا هي نفسها في الفصيح، فلفت هذا انتباهي ، وولّد لدي رغبة في جمع هذه الموافقات والتعليق عليها.
ولولا خصال سنّها الشعر ما درى * بغاة الندى من أين تؤتى المكارم . بشار من راقب النَّاسَ لم يظفر بحاجته * وفاز بالطيبات الفاتِكُ اللَّهِج سلم الخاسر من راقب الناس مات هما * وفاز باللذة الجَسُورُ . كعب بن زهير ما أرانا نقول إلا رجيعا * ومعادا من قولنا مكرورا عبد الله الرشود مابه جديد وكل ما قيل ينعاد * نفس الكلام اللي نقوله نعيده . ابن سهل الأندلسي لا تسالِ اليوم عما كابدت كبدي * ليت الفراق وَلَيت الحب ما خُلِقا الشاعر يا ليت ربي ما خلق حب وفراق * ولا خلق حب على غير فرقا . الأعشى علّقتُها عرضًا وعلّقت رجلًا * غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل مجنون ليلى جننا بليلى وهي جنّت بغيرنا * وأخرى بنا مجنونة لا نريدها . مجنون ليلى أحب من الأسماء ما وافق اسمها * وأشَبَهَهُ أو كان منه مدانياً البهاء زهير أحببت كل سمي في الأنام له * وكل من فيه معنى من معانيه ابن فطيس أعشق سميك فالبزارين وادعيه * وأقبل خطاه لو أخطى وأتلقاه . الأحوص أزور البيوت اللاصقات ببيتها ** وقلبي إلى البيت الذي لا أزوره مدغم أبو شيبة اعتبر مسياري لجارك ضرورة * لأجل أوقف موتري قدام بيتك مطلق الطايعي أحب ضيفة جاره اللي يواليه * القلب يمه والوجه يم جاره . ذو الرمة من الخفرات البيض ودّ جليسها * إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها وقال الشاعر صوتك يريح خاطري لا سمعته * يا حي صوتك يا بعد كل الأصوات حتى كلامك غير لا من نطقته * ودي تعيد السالفة عشر مرات . العوام بن عقبة إذا جئتُها وسط النساء منحتها * صدودا كأن النفس ليس تريدها ولي نظرة بعد الصدود من الجوى * كنظرة تكلى قد أصيب وحيدها فلاح القرقاح انظر لها نظرة اللي ما يواطنها * ما كنهـا أول طموحي وآخر آمالي . وكم من حديث قد خبأته للقاء * فلما التقينا صرت أخرس أبكما
أزن الحديث أقوله عند اللقاء * فيضيع عند تقابل النظرات
أجمع له سمان الهرج خوف من التقصير * ولا جيت أبشرح له كلامي تهيزلته يجيني منه هيبة معزة سحى تقدير * أجِيه عندي علم وأروح ما قلته . قال أحمد شوقي وتعطّلت لغة الكلام وخاطبت * عينَيّ في لغة الهوى عيناك وقال عبد الله بن زويبن وعرفت ما تخفيه في صدرها لي * من واقع النظرات مني ومنها . قال ماجد مقبل خذني ولو ذكرى جوارك تصطلي * وإذا نويت فراقنا خذني معك وقال الشاعر إن كانها غيبة وترجع باحتريك * وإن كنت ناوي نفترق خذني معك . أبو منصور الباخرزي إذا اعتذر الجاني محى العذر ذنبه * وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب محمد بن ثايب الشهراني اعتذر والمعاذير نصف المنزلة * لحية ما تقبل العذر ما تستاهله . قال أبو العلاء المعري هذا جناه أبي علي * ـيّ وما جنيت على أحد وقال محمد بن لعبون أمي وأبوي اللي رموني بالسباب * يا ليتها بعد الحمال اسقطت به وكلاهما لم يتزوج . قال أبو الطيب المتنبي بليت إلى الأطلال إن لم أقف بها * وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه وقال محمد العبد الله القاضي واحترت فيها كنّني مذهب لي * جملة قماش فارط ضاع بالسهل . الباهلي لأشكرنك معروفا هممت به * إن اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إذ لم يمضه قدر * فالشيء بالقدر المحتوم مصروف الديحاني السنافي تجري الفزعة بدمه * وقفته لا بانت الصملة حماها وحاجتك لو ما قضاها لا تذمه * من سعى في حاجتك كأنه قضاها . أبو تمام تعوّد بسط الكف حتى لو أنه * ثناها لقبض لم تجبه أنامله تراه إذا ما جئته متهللاً * كأنك تعطيه الذي أنت سائله خالد المريخي من طيب راسه ليا من جيته بحاجة * كأنه يبي منك وأنت اللي تبي منه . عاصم المنقري وأنا لنقري الضيف قبل نزوله * وتشبع بالبشر من وجه ضاحك الدارمي وما الخصب للاضياف إن يكثر القرى * ولكنما وجه الكريم خصيب الديريني بشاشة وجه المرء خير من القرى * فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك المزيني ضحكة حجاجك للمسير إذا جاك * تسوى مفاطيح الغنم والقهاوي الثويني لا جبت ميسورك بهرج المحبة * أخير من كبش سمين يجابي سعد بن مرسان ترحيبك بضيفك تراه الكرامة * أقولها للي يعرف المواجيب شفت القعود اللي طويل سنامه * ما يجملك في الضيف من دون ترحيب . قال الشاعر جئنا إليك وكان المال ينقصنا * عدنا وينقص منا العز والمال قال هادي بن مانع جيتك وأنا ضايق وناقصني فلوس ورجعت ناقصني فلوس وكرامة . وقال ابن الرومي وإني امرؤ لا تستقر دراهمي * على الكف إلا عابرات سبيل وقال سعود الرساسمة المال في جيب الكفو عابر سبيل * اليا جلس يومين في جيبه رحل لكن لا من طاح في جيب البخيل * يقضي حياته كلها راعي محل . الشافعي إن اعتذاري إلى من جاء يسألني * ما ليس عندي لمن إحدى المصيباتِ الرمالي أمرّ مِرّ مَر في دنيتي لي * وأمرّ مِرّ مرني في حياتي لا جاني العاني وأنا ما معي شيء * ودي قبل ياتي تجيني وفاتي إن اعتذرت يظن ظن الردى في * وأنا الردى ما هو صفة من صفاتي . قال الفرزدق أحلامنا تزن الجبال رزانة * وتخالنا جنّا إذا ما نجهل وقال فلاح القرقاح عقال لكن في المعارك مهابيل * وهبالنا والله ماهوب أية هبال . قال أبو الطيب المتنبي وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا * إذا لم يكن فوق الكرام كرام وقال عفاس بن حرباش لا تمدح الصانع على صنعة السيف * امدح يمين في اللقاء وقفت به . قال امرؤ القيس فقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالأياب وقال الطغرائي والدهر يعكس آمالي ويقنعني * من الغنيمة بعد الكد بالقفل وقال الشاعر رجعنا سالمين كما بدأنا * وما خابت غنيمة سالمينا . زهير الود لا يخفى وإن أخفيته * والبغض تبديه لك العينان علي والعين تعلم من عيني محدثها * إن كان من حزبها أو من أعاديها المقحم وإذا العيون تحدثت بلغاتها * قالت مقالا لم يقله خطيب . بن الراوندي كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقًا محمد العبد الله القاضي وكم عاقل بل حاذق راس ماله * عقله وكم بهلول عقل جمع مال . أبو الطيب المتنبي كدعواك كلّ يدعي صحة العقل * ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل محمد المقحم كل يشوف إنه معه عقل نظيف * ماهوب مثل عيال عمه واقصراه ترى الجهل مثل الغبار اللي خفيف * كل يشوف العج عند اللي وراه . أبو عبد الله المرسي السلمي ودع السؤال بكم وكيف فإنه * باب يجر ذوي البصائر للعمى وقال الشاعر دع عنك قولة كم أو كيف وشلون * ما تستفيد إلا ضياع البصيرة . المقنع الكندي وإن الذي بيني وبين بني أبي * وبين بني عمي لمختلف جدا عبيد بن علي بن رشيد أنا على لان وربعي على لان * متخالف رأيي ورأي الجماعة . قال أبو الطيب المتنبي أصادق نفس المرء من قبل جسمه * وأعرفها في فعله والتكلم وقال رشيد الزلامي يدلك على الرجال هرجه ليا هرج * وتدلك على نيات قلبه حركاته . عبيد الله بن الحر الجعفي ألم تر قيسًا قيس عيلان برقعت * لحاها وباعت نبلها بالمغازل . قال النابغة الجعدي ولا خير في حلم إذا لم تكن له * بوادر تحمي صفوه أن يكدرا . قال قعنَب بن أم صاحب صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا إن يسمعوا ريبة طار لها فرحًا * مني وما سمعوا من صالح دفنوا . المتنبي ذل من يغبط الذليل بعيش * رب عيش أخف منه الحمام من يهِن يسهل الهوان عليه * ما لجرح بميت إيلام . قال قعنَب بن أم صاحب صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا إن يسمعوا ريبة طار لها فرحًا * مني وما سمعوا من صالح دفنوا . القاضي الجرجاني أرى الناس من داناهم هان عندهم * ومن أكرمته عزّة النفس أكرما راشد الخلاوي ومن هان نفسه للملا هان قدره * حتى تشوف الذر يسعى بغاربه . وان مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن * بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وأني لأستحيي صحابي أن يروا * مكان يدي في جانب الزاد أقرعا
أقطع جانب الضيف وأقصر ذراعي * وأشره على راعي الذراع الطويلة الذي يلوف بها الصحن ما يراعي * شق الصحن ما يقنعه عن قبيلة . يوصون نساءهم وإذا هلكت فلا تريد عاجزًا * غسا ولا برما ولا معزالا واستبدلي ختنا لأهلك مثله * يعطي الجزيل ويقتل الأبطال
ولا بطنا لا يبرح الدهر قاعدًا * عبوسًا إذا ما الضيف حطت ركائبه ولكن فتى ذا نجدة وسماحة * يخبّ إلى أمر العشيرة راكبه . جزى الله الحوادث كل خير * عرفت بها عدوي من صديقي
الله يبيض وجه سود الليالي * عرفت فيها صاحبي من عدوي
الله يبيض وجه الأيام يا سعود * تكشف وجيه مقرعين الفناجيل لولا الجمر ما تنعرف ريحة العود * ولولا المواقف ما عرفنا الرياجيل . قالت كلثوم بنت عمر بن صالح وزن الكلام إذا نطقت بمجلس * وزنا يلوح لك الضياء اللائح فالصمت من سعد السعود وإنه * زين الفتى والنطق سعد الذابح
استمتعت جداً بقراءة هذا الكتاب الفريد، الأسلوب جميل جداً في التعليق على الأبيات، وفكرة جمع الموافقات بين الشعر الفصيح والنبطي فكرة مميزة، ومما لفت انتباهي عدد المراجع التي استند عليها الكتاب، فقد فاق عددها ال٣٠٠ مرجع، وهذا دليل على الجهد الكبير الذي وضع في هذا الكتاب
مما أعجبني في باب المدح👇🏻
قال أبو تمام:
ولو لم يكن في كفه غير روحه * لجاد بها فليتق الله سائله
وقال راشد الخلاوي:
لو إن ما يلقى لمن سال يا فتى .. لك الله غالي الروح للناس جاد به
"الكريم يجود بكل ما يملكه ، ويده سيف مسلط على كل ممتلكاته ليجود بها للسائلين ، ومن المبالغة في مدح الكريم أنه لا يبخل بشيء، حتى لو أراد السائل روحه الجاد بها ، ولا يرده عن الجود شيء ، كريم بماله وأخلاقه وجاهه بل حتى روحه ، وهذا المعنى وافقه عليه الشاعر النبطي في مدح كريم بأنه إن لم بجد ما يقدمه للسائل إلا روحه قدمها له."
وأيضاً أعجبتني هذه الأبيات 👇🏻 قال أبو الطيب المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله .. وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم
وقال عبد الله بن ربيعة:
المستريح اللي من العقل مسلوب *** لا شفت لك عاقل ترى الهم دابه
وقال محمد الأحمد السديري:
المستريح اللي من العقل خالي .. ما هو بلجات الهواجيس غطاس
العقل نعمة إلهية تستحق الشكر ، وربما كان العقل بلاء وشقاء للإنسان، وكان دستويفسكي يقول: "الإسراف في إدراك الأشياء والشعور بها مرض" وذكر ��لشعراء موازنة بين العاقل والجاهل ، فالعاقل يتعب ويشقى لكثرة ما يحمل من الهموم والتفكير بالأمور، وأما الجاهل فمستريح يلعب ولا يحمل هم شيء.
الكتاب مليء بالأبيات الجميلة وزادها جمالاً التعليق على الأبيات ممتع جداً 📚 💯
الكتاب شدّني من عنوانه قبل مضمونه لما شفته في أحد الحسابات اللي أتابعها، لأنه يلمس شغف ورغبة تمسني شخصيًا كوني - بدوية - وأحب الشعر وهو شيء نعيشه يوميًا ونتعرض له. الكتاب تناول العلاقة بين لهجتنا وشعرنا الشعبي من جهة، والفصحى بكل جمالها وبلاغتها من جهة أخرى. مقارنات وتفكيك، وربط بين اللونين! واللي بيقرأ الكتاب بيحس أنه فعلاً يمشي بين عالمين متوازيين لكن متشابهين كثير! وبشكل ما توقعته صراحة. اللي عجبني أكثر شيء هو أنه ما يتعامل مع النبطي كشيء أقل قيمة أو كأنه مجرد كلام دارج! بالعكس، أعطاه مكانته الطبيعية كشعر ويتشارك مع الفصحى نفس الروح من حيث الإيقاع، الصورة الشعرية، المعاني، وأحيانًا صابتني الدهشة كيف نفس البيت أو الفكرة تنقال بلهجتنا وتكون مطابقة لشطر فصيح من سنين سابقة! الكتاب حسيته يشتغل على هويتنا اللغوية، لأننا نعيش الفصحى في الكُتب، ونسمع النبطي في المجالس، والاثنين يكمّلون بعض. أسلوب الكتاب شوي "بحثي” مو ديوان مثل المتوقع! لكن ما يسبب الملل، ومليان أمثلة، ويصلح لكل شخص يحب الشعر أصلاً، ويبغى يشوف كيف تتلاقى النصوص الفصيحة مع النبطية.