تؤثر فينا عبارات المجاملة، وتترك الكلمات الطيبة أثرًا جميلًا يمتد معنا ربما لآخر العمر.. ما الذي يفعله بنا المديح؟ وكيف تؤثر في الآخرين عندما تمدحهم؟ هل يتغير الكون بمديح الأشياء، والمنازل، والأعوام، وشوارعنا القديمة؟ لا يبدأ رائد العيد كتابه بمقدمة، بل ببداية، ولا ينتهي بخاتمة، بل بافتتانٍ جديد. يمشي بك على أطراف الأشياء لا ليُعرّفك بها، بل ليعلِّمك كيف تراها لأول مرة. في صفحاته، لا يسكن المديح في قصور الكلام، بل يتمشى في الأزقة، يقف عند هامش اللوحة، يشرب من كأس التأمل، ويرتّق فراغات النسيان. هنا المدائح مترددة، وتائهة، متأملة وربما متأخرة… لكنها صادقة، وتعرف كيف تختار وجهتها. مدائح هذا الكتاب ليست قصائد جاهزة ولا شهادات تزكية، ليست عن أحد، بل عن كل شيء، تأملات في الجمال المنسي، وعن التفاصيل الصغيرة التي لا تُمتدح عادة، لكنها تستحق. بدايات بلا مقدمات، وسقوف بلا جدران، وأُطرٍ تصنع لوحات من البياض، ولعب ليس للتسلية، وإطلالات من علو، وأشجار لوز تكتشف هشاشة القشرة وصلابة الداخل، ولاأمكنة أكثر من الأمكنة، وهوامش ترقد فيها المعاني التي لم يُفسح لها المتن مكانًا.
يستهويني هذا النوع من الكتب التأمل في الأشياء وأصولها، من الفصل الأول الذي يتحدث عن "المديح" وغرام الإنسان منذ البداية بأن يكون حاضرًا بما فيه من جمال منذ خلق الله آدم .. وحتى عصرنا الحالي، وأتوقع أنا الكاتب استطاع أن ينجو من فخ الاستغراق في الحديث عن العصر الحالي، فأشار إليه بشكل موجز يتماشى مع طبيعة الكتاب التأملية، وهو يبرع في رصد تلك التأملات والتعبير عنها في كل فصل/ مقال (تريب المألوف فرصة لاستنطاقه، ورؤية الخفي في الواضح بعض آثار النبوة، امتلاك عينِ ترى ما لاتراه سائر الأعين، وحي خفيٌ يصل بك إلى أقصى مدى مما ترى) أعجبني جدًا تأمل البدايات .. تلك التي تغيب في النسيان، وهو يؤكد ذلك بأنه دومًا ما يختلف فيها ولكن لها نشوة يصعب مقاومتها أيضًا، يتأمل في هذا المقال أيضًا علاقتنا بالماضي بلا شك لأن الحنين إليه يعد حنين للبداية القديمة تلك، ربما يعد الأجمل في الكتابة التوقف عند تأمل لا يا يخضع للتأمل عادة، مثل توقفه عند "الإطار" وتأمله من أوجه مختلفة، يحكي فيه عن إطار الصورة والإطار المقيد للكتابة، وكلنا نتأمل "السقف" ونعتقد أن ذلك أقصى درجات الاسترخاء، ولكن رائد يمنح السقف أبعادًا أخرى، فيتناول علاقته بالخيال والأحلام من جهة، وكونه معبرًا عن العزلة وقيدًا للحرية من جانب آخر .. فتأمل :) يتحدث أيضًا عن اللعب وتجلياته ، والنظر من الأعلى، والهوامش ، وربما يكون أغرب ما جاء في تلك التأملات هو توقفه عند تأمل "اللوز" .. ذلك الفصل/المقال الذي يجعل الكتاب في ظني ينتمي لتأمل من نوع آخر، ولكنه في كل الأحوال جميل . شكرًا رائد العيد على هذه التأملات الهادئة .. التي لم تكن تائهة أبدًا
يتطلّب الأمر منك أن تقف قليلاً عند المشهد الأول في الغلاف قبل تقليب الصفحات والبحث عن الفكرة والتأملات، فلم يأتِ ما رأيتَ صدفةً أو ليمثّل أمامك عنصرًا فنّيًا طبيعيَّا أو رومنسيَّا، يحمل غصنًا مورقًا مُزهرًا ومثمرًا، وطائرًا منسابًا بألوانه الاستوائية، وضوء أو ربما شمس تتوسّط المشهد! لوحة التأملات قد بدأت بالفعل منذ هذه اللحظة، ورحلة القارئ المتأمل استهلّت خطوتها. فما هذه اللوحة إلا موجزًا تأمليَّا، يشبه الخرائط التفاعلية التي ترشدك إلى ما أنت مُقدمٌ على رؤيته واكتشافه، فأغصان اللوز تتصدّر المكانة بأزهارها المبشّرة بالربيع، بالبدايات الرقيقة وإن كانت قصيرة الأجل تُمهّد لما بعدها، بثمرها المرتبط بثنائية الحلو والمرّ في حياتنا، بكل ما بينهما من تشابه واختلاف، فبأي طعمٍ تود الخروج منها؟ يتقدّمها طائرٌ مترقّب، مُلاحِظ، توّاق، يستعد للانطلاق والانتقال والتجاوز فهو ابن اللحظة والمكان واللا مكان معًا، وكأنّ وجوده الحقيقي في المسافة والرحلة والتدفّق والانفتاح والتوسّع لا في نقطة الوصول، بل في المدى الممتد بين غصنين، بين الغروب والشروق، بين البدايات والنهايات.. تمامًا كالغاية من المديح التي وصفها لاحقًا، بأنّ متعته في المبدأ والفكرة والإنصاف، في المسافة بين عين الرائي المادح ووجه السامع الممدوح. لونٌ أخضرٌ ممتد وكأن الحياة بكل ما فيها من طبيعة وصنيعة ما هي إلا فيضٌ مستمر من الموجودات والسِّمات والمحسوسات، وما هذا الذي نتأمّله إلا نتيجة، نتيجة لهذا الفيض.. المدائح هنا ليست تائهة، وما التّيه فيها إلا تواجدٌ مختلف، تبحُّرٌ في وجهات وتوجُّهات، استمتاع وتعمُّق ولعب وتجوالٌ وتحرُّر من القوالب والأطر، من الإجابات المعلَّبة والزوايا الواحدة في النظر إلى الحياة. الدخول إلى ما ينويه رائد هنا من تيه أشبه بعبور متاهةٍ من المرايا، تظنُّ أنك تعرف ما تعكسه المرآة التالية، لتكتشف لاحقًا أنها لا تشبه مجمل توقعاتك، وكل انعكاسٍ فيها يفتح بابًا جديدًا وطبقة أخرى من الحكاية، أي ليست المخرَج الذي تبحث عنه.. بإمكانك إكمال اللعبة الذهنية التي بدأها، فالتأويلات هنا مباحة، واللعب والهامش أساسًا ومتنًا، لا سقف لحدودك، ولا إطار لأفكارك، ولا بداية ولا نهاية، فكل المساحات مدعاة للتأمّل، جناتٌ على مدّ النظر، يمكنك النظر إليها من الأعلى قدر ما شئت، تفرك عينيكَ للانتباه، وتفتح أمامك وفرة من الاحتمالات، ما توقَّعتَ منها ولم تتوقّع.