Jump to ratings and reviews
Rate this book

إضراب فيزيولوجي

Rate this book
عْتَقَل ضِرار على أحد الحواجز، بسبب اشتراكه في المظاهرات ويُسجن لأشهرٍ ليعود بعد ذلك لحياته العاديّة، أو ليست بالعاديَّة تمامًا... إذ أخمدَ التعذيب تمرُّده الداخليّ، فيُقرِّر جسده أن يتمرَّد ويُعبِّر عن القهر الذي كابده واختزنه عبر أغرب الطرق وأكثرها فانتازيَّة.

تتزَّعم مسالك ضِرار مسيرة العصيان، وتضرب بكلِّ القواعد الاجتماعيَّة والسياسيَّة الصارمة عرض الحائط.
تُقدِّم هذه الرواية سرديَّةً مشهديَّةً عن المكبوت في ثنايا الذات التي فقدت صوتها ووجودها، لكنَّها احتفظت رغم ذلك بحيويَّة أعضاء الجسد الذي يحتويها.

304 pages, Paperback

Published May 20, 2025

1 person is currently reading
7 people want to read

About the author

أنس ناصيف

2 books1 follower
كاتب وقاص سوري، حاصل على شهادة الماجستير في الفلسفة، فاز عام 2018 بجائزة رابطة الكتاب السوريين للإبداع، وعام 2019 بجائزة الأصفري للثقافة التي تقدمها الجامعة الأميركية في بيروت.

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
3 (42%)
4 stars
3 (42%)
3 stars
1 (14%)
2 stars
0 (0%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 - 3 of 3 reviews
Profile Image for Nadia.
1,558 reviews555 followers
January 15, 2026
تفاصيل حياة يومية لمواطن سوري في زمن القهر .
Profile Image for Fatima.
8 reviews1 follower
January 15, 2026
تمت مناقشة رواية إضراب فيزيولوجي داخل أسوار نادي صنّاع الحرف للقراءة يوم 11/01/2026 بحضور الكاتب أنس ناصيف وهذه المراجعة هي عبارة عن جانب من أرائي في بعضٍ من المحاور التي طرحت في المناقشة
التقني البنائي:
1/اللغة :
عندما تُقرّر الأرواح في مكان ما خوض التجربة الأرضية لابدّ عليها عند ذاك التجسّد، فالجسد هو مركبة الروح ...ولكي يتواجد الجسد لابدّ من فضاء يتجلّى فيه هذا الوجود. وهذا الفضاء في الفلسفة الوجوديّة ماهي إلّا اللغة إذ يقول مارتن هايدجر عبارته الأشهر: (اللغة هي بيت الوجود) أي أن الوجود لا يعطى لنا مباشرة بل ينكشف عبر اللغة، نحن البشر لا نمتلك اللغة بل نسكنها ...
و إن أحسستم أصدقائي أنها رؤى ومعادلات فلسفيّة يصعب النفاذ إليها، فرواية إضراب فيزيولوجي للكاتب السوري أنس ناصيف جاءت لتحلّ ولتجسّد كل تلك المعادلات التي أشار إليها هايدغر إن كان بلغته أو بثيمة نصه الرئيسيّة ..
فبمجرّد دخولك محراب هذه الرواية ومن صفحاتها الأولى ستدرك أنك أمام لغة تجاوزت مفهوم أن تكون أداة ووسيلة لإيصال المعنى بل تحوّلت لبيت منفتح سقفه على السماء ليتجلّى في وسطه الكاتب يدور دوران الصوفي المتوحّد والمتأمّل في الوجود.
فإن كان يمكن اختصار اللغة في هذه الرواية لكلمة واحدة ستكون حتما التأمّل، فالرواي فيها كان يتابع بعينيه وبقلبه دقائق الأمور، متابعة شخص احترف رؤية العالم وكأنه يراقبه منذ آلاف السنين فيعيد ترتيبه من جديد ليخرجه لك بصورة بالغة الحساسيّة والتفرّد، فتجده يأخذك لمطارح لم تكن لتظنّ أن أحدا يمكنه الالتفات اليها والكتابة عنها، فهل يمكنك أن تتصوّر أن الراوي سيدقّق في أصابع أقدام البشر ويجعل لها حياة موازية... لغة كما استطاعت استنطاق النفوس استطاعت وباقتدار استنطاق المكان والزمان وكل صغيرة وكبيرة، وهذه كانت من أبرز نقاط قوة الكاتب وهو وصوله لغويا لأماكن ضيقة جدا ونائيّة جدا وإلباسها لباس اللغة فتتجسّد أمامنا. مثلا يقول في ص 114: راح يفكّر بينما يحاول استعادة تنفّسه في المسافة المعدومة بين السترة وأنفه ...يقول مثلا في ص 203 الفقرة الأولى السطر الثالث : انكمش جسدها واعتصرت عيناها، فاتّجهت صوب الحائط لتكون المسافة بينه وبين وجهها قصيرة فلا يجد الألم مساحة كافيّة لكي يناور ويضرب بقوّة أكبر ...هنا تحسّ أن الكاتب يفتح عليك باب غرفتك ويسطو على أفكارك لأني كثيرا ما أفعل نفس الشيء عند وجود أي ألم ... جدّا استغربت أن الكاتب تمكّن من الوصول لمثل هذا التفصيل الحميمي والتعبير عنه .
أما عن ملاءمة اللغة للحالة الفيزيولوجية للشخصيات، هنا يمكنني أن أتجاوز كلمة ملائمة لأصل لكلمة الذوبان والالتصاق فاللغة كانت حقيقة ملتصقة بالشخصيات وتماثلت بهم فعبّرت عن هشاشتهم و انسحاقهم ان كان ماديّا أو نفسيا .عبّرت عن الانكسار الجسدي لهم فلا يمكن أن أنسى مشهد دخول المساعد على زنزانة ضرار ورفاقه وكيف كسر أرواحهم قبل أن يكسر أجسادهم .
أمّا عن علاقة اللغة بالوعي الجسدي، لغة الجسد مقابل لغة الكلام فباعتقادي هذا مربط الفرس في الرواية فهذا نص بمثابة احتجاج وصرخة للجسد ضدّ الظلم والكاتب قد جسّد مقولة هايدغر التي جاءت في بداية مداخلتي على حذافيرها فكانت اللغة بيتا لهذا الجسد احتوته وعبّرت عنه بأمانة عظيمة لا تملك إلا أن تصل وتنفذ لك كقارئ وكمتلقي وسأختم هذا الجزء بمثال جمع بين الجسد بدقائقه البيولوجية وبالضبط مع الأمعاء الدقيقة وشعيراتها الماصة، والأمعاء كما نعرف هي الدماغ الثاني للإنسان حيث جمع الراوي هذه الحيثيّة مع اللغة ومع الأوضاع السائدة في البلد ليخرج لنا بفقرة بديعة في غاية العمق اختصرت محاضرات من آلاف الكلمات، يقول في ص 214 الفقرة الثانية السطر 4: اكتشافه عند خروجه من المعتقل أن المظاهرات تحوّلت إلى حرب شوارع كان كافيا لقتل أوباره الماصة للأحداث، لقد أصاب التلف الزغب الذي يتنفّس جزيئات الحياة والأخبار، ويدفع المرء ليتفاعل معها ويرفض ويوافق، ليغضب ويحب ويكره، ليقتل ويرغب في القتل، ليسعى وراء غاية ما ليسامح وينزع للانتقام، ليضحك على نكتة ويبكي على قتيل،ذبلت تلك الأوبار في روحه يبست وماتت لأنها لم تقو على العيش في ظلام السجن، وعلى النمو من دون ضوء وأحداثٍ وبشر. بالنهاية كانت لغة تستحق الإعجاب والإشادة .
2/الراوي
داخل رواية اضراب فيزيولوجي تمّ تسليم مقاليد الحلّ والربط لسيادة الراوي العليم، راو امتلك القدرة الغير المحدودة على الوقوف على الأبعاد الداخلية والخارجية للشخوص وللأحداث. أما عن تسليم لجام السلطة في النص له أراه خيارا صائبا لعدة أسباب منها: أن الرواية كانت تدور في نقاط زمنية ومكانية مختلفة وتحكي عن شخوص كثيرة والراوي العليم هو الأنسب لجمع خطوط هذه الحكايا. من جهة ثانية وعند قراءتي لمست أن الكاتب كان يصرّ أن يُسمع رأيه ويعطي قراءته للوضع العام السوري ولا يوجد أفضل من الراوي العليم ليقوم بهذا الدور، فهذا الراوي إن لفّ أو استدار صعد أو نزل سيبقى قناعا من أقنعة المؤلف ومن أكثر النماذج التقنية شيوعا وقدما. السؤال هل نجح هذا الراوي في مهامه المنوطة به أقول نعم للأسباب التالية: 1/ الراوي قدّم حكاية محكمة الأركان لا ثغرات فيها ولو بقدر خرم ابرة 2/ قام بوظيفة تنظيمية رائعة اذ رتب أحداث الرواية بطريقته الخاصة وفقا لتسلسل خاص محكم أيضا 3/ قام أيضا بوظيفته التأثيرية وتوجيه الخطاب لنا كقراء 4/ قام بأداء وظيفة الشاهد بحيث وثّق كلّ ما روى بطريقة تأملية تدعو للإعجاب خامسا والمهم أنه قام بوظيفته الايديولوجية اذ عرض علينا أفكار جميع الأطياف والأراء السياسية السائدة في سوريا من 2011 الى يومنا هذا ..سادسا والأهم أنه استطاع أن يصور لنا الشخصيات من الداخل هشاشتهم النفسية والجسدية ضرار أنموذجا ضياعهم رشيد أنموذجا وفاءهم شاهين وتنسيم أنموذجا ثباتهم زاهر أنموذجا حبهم واحتواءهم هدى وزاهر أنموذجا..الى آخره فقد كان بالفعل راويا يحمل من الشفافية الكثير، شفافية تجعله يعكس بصفاء ووضوع عذب دواخل الشخصيات وهو شيء يحي عليه الكاتب بصراحة .
بالنسبة لطغيان السرد على جسد الرواية وتراجع الحوار وإن كان هذا الخيار أثر على ايقاع الأحداث وعلى حيويّة الشخصيات برأيي أن الكاتب كان أمام امتحان صعب خصوصا أنه نصه الأول، اذ معروف أن الكتّاب في نصوصهم الطلائعية يريدون قول كلّ شيء والإحاطة به فتأتي هذه النصوص متخمة متجشأة متورّطة بكثرة الشخصيات والأحداث والسرد والوصف ...وان وضعنا روايتنا رواية إضراب فيزيولوجي على كفتي الميزان سنجد أنها نجحت لحد كبير في السيطرة على عدد الشخصيات وخطاباتها وعلى الأحداث ولكنها فقدت الفرامل بالنسبة للسرد في بعض من الأماكن وخصوصا في ثلثها الأول اذ تحسّ أن الراوي فقد السيطرة على دواسات الفرامل لنجد أنفسنا نهيم في السرد والوصف. سأذكر مثالا في ص 55 يفتح موضوع الصورة التي جمعت ضرار بأخويه ثم يغلقه في الفقرة الاولى من ص 56/ وفي الفقرة التي بعدها يعود اليه بتفاصيل ووصف اكثر حتى ص 57 و 58 اين يصف اجواء العيد وصولا لصفحة 60 هنا كتبت أمام هذه الصفحات أن الكاتب ضاع في السرد . ولكنه للأمانة يعود للسيطرة على الموضوع كل مرة. سأذهب للجانب الإجابي وهو قدرة الكاتب الرهيبة وبواسطة لغته الفخمة استنطاق المشاهد فيجعلها وكأنها لوحات فنية، يوجه عيوننا لكل تفصيلة فيها الى الإضاءة والألوان إلى كل ايماءة ونفس صوت أو صمت فجعلني أتذوق النص أكثر ، صحيح أن هذه التفاصيل وهذه المشاهد السردية كانت بمثابة تجميد للزمن وبالتالي للأحداث فيجعلها تمرّ بطيئة ويجعل حضور الشخصيات يتآكل قليلا مما قد يجعل بعض الملل يتسلل لبعض القراء ولكني وكذوق شخصي استمتعت على غير العادة بطول السرد وجماليته ..
3/البناء الزماني للرواية:
الزمن داخل الرواية كان العنصر التقني الأبرز فيها.
عند القراءة ومن الثلاث سطور الأولى عندما تمّ أخذ ضرار من الغرفة تحت نظرات وبكاء تنسيم ثم تأتي الفقرة الثانية التي بعدها يقول فيها يوم أمس بعد الظهيرة كانت قد انقضت عشرون دقيقة على انتهاء مناوبة عمله الخ ...خلال هاتين الفقرتين ومن البداية قد نصب لك الكاتب يا صديقي القارئ الفخ الزمني الأوّل وستكتشف ذلك في آخر الراواية، فالرواية قد اعتمدت الزمن الدائري ، بدأت من النهاية وعادت إليها.
أما الرواية ككل كانت مدججة بالفخاخ الزمنية التي ترغمك على لبس حزام الأمان لئلا تضيع فيها
إذا أمسكنا بالزمن الفعلي للرواية قد يكون ستة عشرة ساعة على أقصى تقدير في يوم من أيام أيلول العام 2015 .
تبدأ هذه الساعات منذ انتهاء دوام ضرار بعد الظهيرة يخرج بعدها عائدا لبيته في التاكسي أين يقضي بعض الوقت العصيب رفقة السائق ابي محمد ثم يقضي بضع ساعات عصيبة أخرى في منزله ليأتيه الطبيب نزيه مع الخال رفعت مع الثامنة والنص تقريبا يتمّ أخذه للمستشفى بعدها ليقضي الليلة هناك مع تنسيم ثم بعد انقضاء الليل يأتي اليه من يأخذه للمجهول. هي ساعات محدودة فقط خُلقت من خلالها رواية ب 300 صفحة وهنا يكمن جمال الأدب . طبعا لم يكن هناك خط ضرار فقط خلال هذه الساعات فقد كان بالمقابل خط عائلته بالبايكة .
هذا عن زمن القصة أما زمن الحكاية كان ممتدا، فقد وصل لغاية السبعينات أين عرفنا بقصة هدى مع صالح المعسول ثم ّ يعرج بنا الى تواريخ مثل 87 و 2000 2011 2013 الى غيرها من التواريخ أما الرجوع اليها فقد كان يتم عبر تقنية الاسترجاع، تقنية لم تكن سهلة، فقد كانت شديدة التعرج، استرجاعات داخل استرجاعات، إذ يمكن أن تترك شخصا خلفك قد مات لتجده في فقرات أخرى حيّا مثل الجدة ام زاهر ...تترك شخصيات قد هرمت ثم تجدها أمامك تنتصب بشبابها الخ، الذهاب والعودة في الزمن كانت السمة الأبرز وبرأيي قد نجح الكاتب فيها نجاحا كبيرا فلم يخلّف وراءه أي خطأ يذكر.
كانت هناك تقنيات زمنية أخرى مثل تقنية التواتر حيث يحدث ما يشبه الوقفة فتتباطئ سرعة الايقاع ليعود الراوي لقاطرة الاحداث بتذكيرنا أين تركنا آخر مرة وقد يشعرك عهذا ببعض التكرار ...وكانت هناك أيضا الوقفات الزمنية حيث يتجمّد الزمن ويتم الاسترسال في الوصف .ومثل هذه التقنيات تزيد من عنصر التشويق .
أما ما أريد أن أختم به في عنصر الزمن هو تقنية جدا أعجبتني وهي عندما كان الراوي يقابل مشهدين متوافقين في الزمن مختلفين في المكان إذ أعطتني شعور من يتابع فلما سينمائيا
مثلا: في هذه اللحظة أنت مع ضرار ثم في نفس تلك اللحظة يطير بك لرشيد ليخبرك ماذا يفعل في تلك الأثناء مثال في ص 127 آخر سطرين يقول عن ضرار : ��في اللحظات التي سمع فيها صوت خطوات تنسيم تقترب لترى من الطارق كان رشيد في جسرين يدخل من باب البايكة يحمل في يده اليمنى البندقية. والرواية مليئة بمثل هذه التقنيّة.
المحصلة أن الرواية كانت متقنة لحدّ بعيد بخصوص الزمن، وجعلت منه مثل المروحة التي تحركه تارة فترفع من منسوب الأحداث والتشويق وتجمده أخرى فتجعلك تغرق في حالات من الاستغراق ...وبالنسبة لي أن يتم التحكم فيه وبمستوى هذه الصعوبة لهو شيء حتما يجعلك كقارئ تشيد بحرفية الكاتب خصوصا أنه نصّه الأوّل ..

Profile Image for Mahmoud Hasan.
3 reviews
November 6, 2025
الرواية في كثير من مواضعها تستعيد ما كانت تبدو تفاصيل صغيرة في حياة السوريين، لكنها شكّلت جزء واسع من التجربة الفعلية للناس. يذكّرنا العمل بنظرة فالتر بنيامين إلى التاريخ والذاكرة عندما تروى من أسفل، حيث لا تُفهم الحقائق بالضرورة عبر السرديات الكبرى، بل من خلال ما يخلّفه المهمّشون والعاديون وغيرهم في يومهم من آثار وتجارب صغيرة.

يركّز العمل كثيرًا على الطبقات الدقيقة من الحياة اليومية قصة الشعر “العادية” مثلًا، التي ترمز إلى حياة السوريين “العادية” بدورها، المفروضة أمام استثناء النظام، حيث يصبح التشابه شكلاً من أشكال الطاعة، وعلى سيجارة الحمراء الوطنية التي تنطفئ كلما جرى اشعالها، تتوقف الرواية عند تفاصيل أكثر قسوة، كالاعتقال والتعذيب وما يسبقه من طقوس إذلال، ومشاهد تختصر القهر كمشهد إجبار السجّان ضرار على نزع الساعة التي أهدتها له حبيبته تسنيم، المثير للاهتمام أن الطاعة للنظام لا تقدم في الرواية بوصفها خضوعًا نهائيًا يثير الشفقة، بل يكشف العمل عن جانب متمرد ظلّ حيًّا في شخصيات العمل.

يعرّج أنس ناصيف إلى تفاصيل تبدو مألوفة في حياة السوريين لكنها تستعيد جزءًا مهمشًا من الذاكرة الحسّية للسوريين إبان حكم آل الأسد: بطانية معامل الدفاع الخشنة التي تسبّب احتكاكًا مزعجًا مع الجسد، ورائحة وضجيج الأحياء الشعبية المكتظّة تقابلها سكينة الأحياء الثرية، أنابيب المياه الخضراء التي صارت رمزًا لما كان يعتقد بأنه “راحة” وبشارة للسوريين مع وعود الأسد الابن بالانفتاح الاقتصادي.

وكما يرى فالتر بنيامين، فإن كثيرًا من الحقائق والمعاني تسكن في هذه الشظايا الصغيرة. ستكون مهمة الكاتب ليست إعادة رواية الحدث، بل إحياء ما هو صغير وعابر ومنسي، لأن في هذه التفاصيل يعيش جزء كبير من جوهر التجربة الإنسانية التي تذوب عادة في السرديات الرسمية.
في بعض محاور الرواية تشعر وكأن الكاتب يكتب كما لو أنه يلتقط صورًا، إذ تمارس الرواية نوعًا من الفوتوغرافيا السردية (Photographic Narrativity) أي تجمع بين الحدث المركزي الذي يكوّن الإطار العام للمشهد، وبين تفاصيل صغيرة تمنح السرد أثره الفردي وحرارته الإنسانية.

كل قارئ يمكن أن يقترب من الرواية من زاويته، لكن ما شدّ انتباهي، كمهتم بالأنثروبولوجيا، هو كثافة حضور تيمة الانتظار في العمل. وهو شعور مألوف لكل سوري تقريبًا، إذ تحوّل الانتظار منذ أكثر من أربعة عشر عامًا إلى السمة الملازمة لحياة السوريين، كأنهم يعيشون على العتبة دائمًا.
ولتوضيح المفهوم، تشير “العتبة“ (Liminality) في معناها الأنثروبولوجي كما شرحها فيكتور تيرنر إلى المرحلة الوسطى في طقوس العبور: حين يخرج الإنسان من وضع ولم يدخل بعد في آخر. هي حالة بين “ما كان“ و“ما سيكون“ كمرحلة المراهقة، أو الخطوبة أو سنة ما قبل التخرج. في الحياة العادية تكون هذه المرحلة غالبًا مؤقتة، أو هنالك أفق نظري يوّضح متى ستنتهي، أما عند السوريين فقد امتدّت بلا نهاية، حتى غدت أسلوب حياة لا ظرفًا مؤقتًا.

بهذا المعنى، تعيش شخصيات الرواية كما يعيش السوريون فعلًا: ضرار ينتظر تسريحه من الجيش ثم بعدها الإفراج عنه من المعتقل، تنسيم تنتظر زواجها، ثم خروج ضرار من السجن، والناس جميعًا ينتظرون نهاية الحرب أو سقوط النظام.

يصف الكاتب هذه الحالة بدقة في قوله:
“في لحظات الانتظار تلك، يتعمق الحاضر ويتوحش فيكاد المعتقل أن ينسى ماضيه ولا يلمح ومضة مما يمكن أن يكون مستقبله“
تحوّل الزمن السوري إلى تسلسلٍ لا نهائي من “بعد” تجرّ بعدها “بعد”، فيما يشبه حالة عيش دائمة على العتبة. ومن اللافت أن مفهوم “العتبة” أصبح في السنوات الأخيرة موضوعًا أساسيًا في دراسات الأنثروبولوجيا لفهم حالات عدم الاستقرار الممتدة التي يعيشها السوريون، حيث صار الانتظار واحدًا من أكثر ملامح حياتهم اليومية ثباتًا منذ عام 2011.

في تجسيد فقدان السيطرة على الواقع بمستويات مختلفة، يصوّر الكاتب في مشاهد عديدة حالة العجز التي يعيشها السوريون، لكن في موضع فريد ينقل هذا الشعور بدقة، حين يفقد ضرار السيطرة على جسده وتنتابه الحاجة الملحّة إلى التبوّل وضرورة الانتظار القسري أمام الحاجز، فيجد نفسه أمام حالتين لا يمكن تجاوزهما ولا التحكّم بهما. كلاهما يختصر شكل العجز الذي يعيشه السوري في ظل منظومة القهر، حيث يواجه سلطتين لا يمكن السيطرة عليهما: سلطة الجسد التي تفرض حاجتها، وسلطة النظام التي تحدد متى وكيف يتحرك.

ومع كل صعوبة الموقف، يجب على ضرار أن يضبط كل ما فيه كي يبدو محايدًا أمام عنصر الجيش كلماته التي سيقولها، وكيف سيبرّر أنه وُلد في منطقة تُعد معارضة للنظام، فكل تصرف يمكن أن يساء فهمه أو يفسَّر كخطر. تشبه حالته ما عاشه ونستون في رواية 1984 حين خشي أن تفضحه ملامح وجهه قبل كلماته.

تفكّك الرواية كثيرًا من الصور النمطية، فمثلًا في مشهد سائق التاكسي العمومي، يستعيد الكاتب الصورة النمطية الراسخة في المخيلة السورية عن سائق التاكسي “كمخبرٍ محتمل أكثر من غيره”، لكنه يذكّرنا أن السائقين ليسوا أكثر ارتباطًا بالأجهزة الأمنية من غيرهم، وأن ما يميزهم هو فضولهم الإنساني الناتج عن احتكاكهم الدائم بالناس، ورغبتهم في كسر روتين يومهم الطويل. هذا الفضول، الذي طالما فُسّر كتهديد أو شبهة، يصبح في الرواية احتمال علامة حياة ودفئ.

وفي موضع آخر، تحكي الرواية مفارقة ذكية في شخصية تنسيم، العلوية التي شاركت في مظاهرات الثورة السورية، حين تتساءل في نفسها كيف سيبدو حماسها: هل سيقرأ كدليل على وحدة السوريين وتجاوزهم للانقسام، أم كاستثناء يرسّخ الفكرة الطائفية ذاتها؟ هذه الأسئلة البسيطة تمنح الرواية عمق تحليلي، وتحكي بلغة أدبية طبيعة التناقضات التي عاشها السوريون في تلك المرحلة.

تعيدنا الرواية أيضًا لكثير من النقاشات التي خاضها السوريون في بدايات الثورة وبقيت معضلات دون إجابة، وخصوصًا نقاش “الطهرانية” بين من أراد أن يبقى “نظيفًا” وسط الخراب، متمسكًا بسلمية الثورة، وبين من رأى أن هذا الموقف ضرب من الطوباوية، لأن النقاء والتمّسك بالسلمية في زمن البراميل المتفجرة ضرب من الخيال.

يطرح الكاتب أسئلة في هذا الإطار: “أليس من النبل أن نتلوّث قليلًا كي ننظف المكان الذي يعبث فيه الجميع؟” فالتلوث هنا من وجهة نظر بعض شخصيات الرواية ليس خطأ، بل شرط للفعل، لأن النظام نفسه قذر، فهل نواجه نظامًا قذرًا بوسائله القذرة، أم نحافظ على نظافتنا فنبدو عاجزين؟ وهل الامتناع عن التورط في هذا الوحل نوع من الجبن واللامبالاة تجاه المذبحة السورية، أم فعل خير نابع من رفض الانغماس في حرب قذرة؟

اليوم، وبعد سقوط النظام في سوريا، سنواجه حتمًا اختبارات صعبة، فالمعضلة التي واجهها السوريون منذ بدايات الثورة ما زالت قائمة بشكل مختلف، وتدعونا إلى إعادة التفكير في تلك الموازنة المستحيلة بين الفعل والمبدأ.

هل نحافظ على السلم الأهلي بالصمت عن سفك جديد للدماء بعد أن أنهكتنا الحرب، أم سنبدو شركاء في جريمة جديدة؟ أم نكسر الصمت، مع خطر أن نُسهم ربما دون وعي، في تغذية دورة عنف جديد باسم العدالة؟
Displaying 1 - 3 of 3 reviews

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.