في محاولة إجابة المؤلفين في كتابهما ما بعد السلفية: قراءة نقدية في الخطاب السلفي المعاصر عن سؤال: ما مدى صحة تمثيل ابن تيمية لمذهب السلف؟ قسما إنتاج ابن تيمية من ناحية علاقته بمقولات السلف تقسيما صالحا، ومثلا لكل تقسيم، وزبدة تقسيمهما: 1- النقل والتقرير المجرد دون زيادة أو نقصان 2- النقل والتقرير مع الدعم وتوفير مزيد من الأسسس النقلية والعقلية 3- النقل والتقرير مع التطوير والدمج في بنية أكبر 4- النقل والتقرير مع التأويل وإعادة القراءة 5- التخريج 6- التخطئة
وأما كتابنا هذا، فهو محاولة جادة وطويلة ومفصلة لإثبات أن محاولة ابن تيمية في نسبة نظريته في مسألة صفة الكلام الإلهي للسلف (بأنه قديم النوع حادث الآحاد)، لا يسلم له بهذه النسبة وشرع في إثبات هذا الأمر وبيان أين أخطأ ابن تيمية في تأويل قول هذا العالم السلفي أو ذاك وأين تجاوز أو أغفل ذكر النصوص السلفية التي تعارض نظريته.. هي باختصار محاكمة لنسبة ابن تيمية نظريته في صفة الكلام للسلف.
شخصيا وددت لو وجدت القراءة البديلة لموقف السلف في هذه المسألة، قد تجد إشارات هنا وهناك ولكنها لم تكن كافية، أسلم أن الناقد لا يشترط عليه أن يأتي بالبديل ولكن البديل المتماسك الذي يتجاوز الإشكالات في النظرية المنتقدة -في زعمي- مفيد للقارئ ومدعِمٌ للنقد لا سيما في مسألة كلامية عقدية.
جفاف الصياغة واتباع طريقة الدراسات الغربية في الإحالة ونقل مقولات غربيين لم يكن لها تلك الأهمية -في تقديري-، هي أمور تمنيت لو تلافاها الكاتب، ولكنها أمور شخصية والكاتب حر في اختيار طريقته.
الكتاب محاولة جادة وجريئة يستحق أن يلاقي حقه من النقاش في الوسط السلفي، وهذا ما لم يتم إلى الآن.
تظهر أهمية الكتاب في تفعيل المؤلف لأدوات البحث التاريخي للكشف عن الأخطاء المنهجية التي تلبست بها القراءات التي قدمها شيخ الإسلام ابن تيمية في نسبته نظرية القدم النوعي للإمام أحمد. وقد أطال المؤلف النفس في مناقشة عدد من المباحث المهمة ومنها سبب النزاع بين الإمام أحمد والحارث المحاسبي ومدى واقعية الاختراق الكلابي للمذهب الحنبلي وغيرها وأثبت فيها أن القراءة التي قدمها ابن تيمية هي مجرد قراءة تأويلية لا تطابق الحقيقة التاريخية. وعند تحليل النصوص يتجاوز المؤلف القراءات التأويلية المسلم بها ويحاول فهم النصوص من خلال سياقاتها دون أن يسقط عليها مفاهيم لم تكن حاضرة في وعي قائليها.
ليس غرض المؤلف من هذا الكتاب إدانة ابن تيمية وإنما بيان الإشكالات المنهجية المترتبة على التوقف عند تأريخه في البحث العقدي مع توفر المصادر. الكتاب في غاية الأهمية للمهتم بتأريخ المقولات والأفكار وجدير بأن يحتذى حذوه في الدراسات العقدية.